As Safir Logo
المصدر:

دولة الموسيقى

المؤلف: نهرا هالة التاريخ: 2006-06-16 رقم العدد:10419

في البدء كان عاصي. أتقن اللّعب على آلة البزق، أحبّ الوتر وتملّك الحاضر فيه، إنْ من خلال المقدّمات والافتتاحيات الموسيقية (Prelude - Ouverture)، أو عبر فضاء المشهدية الدرامية والصورية. أدرك منذ البداية نقاط ارتكاز التمرحل لشمولية مشروعه الفني، أي قواعد الموسيقى الأكاديمية التطبيقية وقوانين الأوركسترالية في القيادة. تمرّس في تحليل الصَّوْت الآلي، ثاقباً هرمية الأناليز السمعية، ليعي ماهية التفلّت من دوغمائية القيود المكبِّلة في العضوية الموسيقية Organologie، وتوظيف أسس المادة الغربية المكتسبة بعد استيراد المصدَّر بل تحويرها لصالح الهوية الموسيقية الوطنية في شقَّيْها الشعبي العام والعالِم. ضاقت العبارة بنا إذا شئنا قراءة تاريخ عاصي الرحباني الفني. قد تماهى التاريخ الموسيقي، غير المؤرَّخ في دقّة، وتاريخه هو في نسيج الكتابة الموسيقية المعاصرة. إذْ لم تتوافر لزمان الموسيقى المادي معايير التأليف في لبنان قبل حلول التقويم الجديد علامةً فارقة في تسلسل المنطق الموسيقي وفقاً لحركة الأخوين رحباني . جاء عاصي، أوّلاً، لتطوير لغة التواتر في الموسيقى اللبنانية الصرفة والفلكلور. دوَّن الشق الشفوي في سبيل بلوغ مرتبة الكلمة المعدّلة وصوغ التغيير التدريجي الارتقائي في بعض العُرَب الرتيبة والجمل الميلودية التقليدية التي كادت تسحق عند النضوج ماضي الخام الموسيقي. فألبسته الكلمة بهذا عمامة الحداثة الراهنة حين مرّ عاصي الرحباني ديمومةً على حرفة أدب المعنّى المقولَب ( تبقى بلدنا بالحمام مسيَّجِه (نغمة بياتي) و عبوابِكم (مقام راست)، على سبيل المثال). كما ارتدى وزن الشروقي القديم، دقوا المهابيج (هُزام)، سماء بعلبك وأرصفة المدينة، ليُستعاد جسر الموشَّح دار الدوري عالداير . أمّا الموّال (يا ليل...)، فقد تموضع حلقةً دائرية طيّعة في صلب سياق الأغنية أحياناً، لا المطلع، لتكثيف عناصر التوأمة بين فعل الطرب المقتضب في حبكة التطريب، وبين انطباعية التعبير الغنائي في اختصار نموذج يلبقلِكْ شكّ الإلماس . ولا بدّ من القول إنّ الروزانا، يا غزيّل، يا حنيّنة، والعتابا ( قبل الشروع في الدلعونا)، إلخ... عبارة عن وميض فني هادف قبيل عتمة ذاكرة الحضارة الشعبية، بل هي إنارة ثقافية موسيقية امتدّت ليس فقط ضمن حدود جغرافيا الوطن، وإنّما في سائر أرجاء المشرق العربي الذي أعاد إليه عاصي بعضاً من قمره السليب. رحل عاصي رحل عاصي، فارتعشت شبه الموسيقى اللبنانية. صارت الدولة دويْلات، ولم نرجع يوماً إلى حيّنا. بانَ سرّ عاصي الأوحد المفرد في نُظُم التأليف والتوزيع الموسيقيين. كأنما تفاعل الدماغ الأيمن وكيمياء الجهة اليسرى، لينجم عن تضاد المعاني فيه بُعد الفنّ اللبناني لأجل الفنّ. لقد حدّث عاصي بخارطة المعرفة النسبية. مما خوّله خوض معترك الموسيقى العربية من خلال رصّ بنيان منطق التناغم التآلفي الأوروبي الهارموني العمودي، وأفق الكونترابوينت الاستقرائي، وال Fugue- في صميم الجدول الموسيقي الحسابي الجديد. انتقل من الخاص إلى العام، فالخاص. لم يلبِّ حاجات التكتيك وفق مقتضيات الصناعة الفنية الغربية، بل انحنى لنزقه الفصامي عبر طرائق تعاقب الفواصل الموسيقية. استمالته القراءة الفاغنرية النقدية (نسبةً إلى Wagner )، منطبعةً إسهاماً بارزاً في تثبيت عهد الوتد البدائي لخشبة المسرح الغنائي اللبناني، أم أنّ تموّجات التخاطر قد سادت سلوكية مشرَّعة بين القطبين الموسيقيين غير المتكافئيْن فاغنر وعاصي. كبرَ عاصي على ضفة الطرب الحديث. سافر بعيداً في الأنواع والأشكال، ليؤسّس مفهوماً حداثوياً في خصائص أغنية الطرب الجديدة بعيداً من تبعات الحصر الكلاسيكي وتأثير النبض المصري المضيء. لذا، فإنّ عاصي الرحباني، مطوِّر خلية الموسيقى اللبنانية، قد تناسى تفاصيل العرب المعلّقة على حبل المؤتمر، باسطاً عدوى التجديد الموسيقي العربي المتحوِّل على تراتل وضعية التجربة في محور ثلاثة أرباع الصَّوْت. أقام عاصي دليله الوجودي المثبَت. نوَّطه. وضع آلية الحركات الموسيقية الميكانيكية في عصب التوثيق الغنائي، فكانت دينامية النظام الأسلوبي العربي المقترنة بعِلم الأصوات في رائعة رجعت ليالي زمان . هنا، لا بد للتاريخ الفني المعاصر من بلورة الصورة. فعلينا اليوم أنْ نشهد على الشراكة المطلقة بين عاصي ومنصور عندما سرى توقيع الأخوين رحباني . لم يبارك مدرسة الرحابنة إلا حضور فيروز. مضى صوتها والمذهب في حال سبيل الموسيقى الطليعية، لتهمس الرنين بين مسافة النوطات في أغنية يارا . رحلَ عاصي وما غاب. حفر لنفق التجديد في تاريخ الموسيقى اللبنانية والعربية أمكنة بل مكانة. شكّل المرحلة الموسيقية الحوض متوسطية الآيلة إلى التغيير النوعي. خاط الأسلوب الفني التطويري الخاص رغم المرض، مخلّفاً وراءه ظاهرة فيروز أنّى كانت وما لا يمكن له أن يتكرّر، واصلاً الأرض بمناخ الموسيقى دونما الإفلات. عليك السلام عاصي... حين تطلّ من جديد في مهرجانات بعلبك، لتستوعب قلعة الحجارة والآثار أعمدة موسيقية نادرة قد شيّدتها البارحة، فنسترجع مسرحية صحّ النوم (للأخوين رحباني) ونستعيد الذاكرة فيك، بإشراف زياد الرحباني، أو لتمرَّ خلسةً في دم الجيل الجديد، في نداء فيروز، وفي أزقة الوطن الضائع.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة