الكلام عن عاصي. يرنّ هاتفي المحمول. الاتصال من جريدة السفير . الطلب: مقالة عن عاصي الرحباني وعلاقته بالموسيقى الكلاسيكية. وافقت ولم اعرف لماذا لم أقوَ على رفض ما عاهدت نفسي، رأفة بها، على رفضه مذ بدأت محاولاتي المتواضعة في كتابة مواضيع لها علاقة بالموسيقى. السبب واضح بالنسبة لي، اعترفت به لنفسي ولا أخجل من الاعتراف به علنا: أنا أخاف من عاصي الرحباني. أرتعد لمجرد ذكر اسمه ولا أعرف من اطلق تسمية الأخوين رحباني على عاصي ومنصور لكي أشكره؛ ألهمّ ان لا يكون عاصي نفسه هو الذي أراده فيكون قد نصب لي شرك وجوب لفظ اسمه من بين صريف الاسنان. راودتني فكرة معاودة الاتصال بالجريدة والاعتذار، ولكنني عدلت وقررت خوض المغامرة على ذمة المتنبي الذي قال: إذا غامرت في شرف مرومِ فلا تقنع بما دون النجوم. أليست المناسبة ذكرى وفاة عاصي الرحباني؟ أليس يتحول الكبار بعد مماتهم، كما الصغار في حياتهم، الى نجوم؟ فإلى النجوم... الى عاصي. في البداية أود الاشارة والتأكيد، الى ان ما سينسب الى عاصي في مايلي، إنما هو منسوب بطبيعة الحال الى الأخوين رحباني ويصلح استبدال عاصي ب الأخوين رحباني وإعادة نشر هذه المقالة عندما يتم اللقاء، وهو حتمي رغم اشد تمنياتي ان يتأخر أقسى تأخير، بين عاصي ومنصور أطال الله عمره. بالرغم من ان موسيقى عاصي الرحباني هي موسيقى لبنانية، شرقية كانت أم غربية، فإن مصادر الوحي فيها في كثير من الأحيان تجد جذورها في أنماط موسيقية كثيرة، وهذا ليس إلا فيما خصّ الايقاع والتوزيع واستعمال الآلات الموسيقية، أما اللحن في موسيقى عاصي إنما هو آت من عاصي. ولد معه ومات معه. ورُب قائل ان دراسة النظريات الموسيقية وحشو الآذان بساعات من الموسيقى لا يمكنهما ان يخلقا ما ليس موجودا ويصنعا موهبة خلق الجمل الموسيقية الجميلة والعارية. النظريات والثقافة تساعد في تزيين هذه الجملة وتدعيمها بجملة متوافقة او أخرى متقابلة في سبيل استكمال التعبير عن الأحاسيس عندما يرى المؤلف ان اللحن العاري وحده قد عجز عن استيعابها. مما لا شك فيه بأن عاصي عرف الموسيقى الكلاسيكية وتعمّق فيها وأحبها واستخدمها على أكثر من مستوى. يقول زياد الرحباني: قال لي عاصي الرحباني بأن أرقى موسيقى هي الكلاسيكية حيث الايقاع تضعه الاوركسترا بكاملها وليس آلات الايقاع وحدها، ولكن برأيي، اكتشفت ان أهم سمفونية تصبح رتيبة بعد مرور دقائق معدودة، وذلك عندما يأتي دور التفصيل والتفرّع وحده من النغمة الأساسية... (من كتيب اسطوانة إلى عاصي ). يكفي هذا الكلام للتأكد بأن عاصي كان له المام كبير بالموسيقى الكلاسيكية وذلك يطرح سؤالا لا أريده ان يكون بريئا في حال بدا للقارئ عكس ذلك: إن الاهتمام بالموسيقى الكلاسيكية في لبنان، كان ولا يزال، في معظم الأحيان، حكرا على المثقفين او المتثقفين البورجوازيين المنتمين الى الغرب حتى عندما يأتي الحديث عن انتماء آذانهم، فكيف استطاع عاصي إذا الدخول اليها او ادخالها اليه، هو الذي يعرف الجميع أين نشأ وكيف؟ يكفي ايضا هذا الدليل للجزم في أمرين: انفتاح عاصي على أنماط موسيقية مختلفة وشغفه في تغذيه حاجته لتلقي الموسيقى والتفتيش عنها بشتى الوسائل. كان عاصي يردد عبارة لطالما أهتديت بها لمصارعة الوجود: جينا تنعرف . فكيف إذا كانت الموسيقى همه الأكبر في مجال المعرفة. بعد المعرفة والتعمق اكتملت حلقة علاقة عاصي بالموسيقى الكلاسيكية في الاستقاء منها او استخدامها. كيف؟ كلاسيكيات استخدام عاصي لمعرفته في الموسيقى الكلاسيكية أتى على مستويات أهمها ادراجه بعناد في موسيقاه آلات موسيقية تستعمل كثيرا في هذا النوع من الموسيقى، وهنا لا نقصد آلة البيانو او عائلة الوتريات وحسب، فهذا تحصيل حاصل، إنما آلات النفخ الخشبية او النحاسية كالكلارينت والهوبوا والباهون والفلوت، والترومبيت والترومبون والتوبا وغيرها... وكان يكتب لبعضها جملا منفردة ولا يكتفي بأن ترافق الآلات الأخرى مرافقة بسيطة في عزف النغمة الأساسية او الفواصل. على كل ذلك أمثلة كثيرة تحتاج الى دراسة شاملة ودقيقة. من جهة أخرى الالتفافة التي خصّ بها عاصي الموسيقى الكلاسيكية بشكل مباشر تجلت في عملين وهما أغنية يا أنا يا أنا حيث عمل على استخراج وإعادة توزيع النغمة الأساسية من الحركة الأولى من السمفونية رقم 40 للمؤلف النمساوي موزار (17911756) وأغنية لينا ويا لينا حيث استعمل النغمة الأساسية من الحركة الأولى من كونشرتو الفيولون والأوركسترا للمؤلف الالماني فيليكس مندلسون (18471809). ان الإضافات التي أتى بها عاصي الى موسيقى موزار في أغنية يا أنا يا أنا لا تجوز مقارنتها بتلك التي جاءت في أغنية لينا ويا لينا ، فهذه الأخيرة ليست سوى إعادة انتاج عادية للنغمة الأساسية من كونشرتو مندلسون وقد عوّل عليها عاصي فأعاد توزيعها من دون اضافات تذكر مقارنة بالعمل الأصلي (إذا استثنينا بعض الجمل التي وردت في مذاهب هذه الأغنية والتي لم تكن موجودة عند مندلسون). أما في يا أنا يا أنا ، فتكفي تلك الجملة الموسيقية الساحرة التي أضافها عاصي في مستهلها (خص بها آلة البيانو) لكي تجعل منها تكريما لعبقرية موزار ومقدمة تليق بما سيتبعها. صحيح ان هذه الجملة هي تكريم لموزار لكنها أتت على الطريقة الباخية (نسبة الى باخ) من حيث طولها والتواصل النغمي الذي يسير بها بايقاع ثابت وكل هذه الصفات تتسم بها اجمالا موسيقى باخ. إن موضوع علاقة عاصي الرحباني بالموسيقى الكلاسيكية الغربية لا يمكن اعطاءه حقه بشكل علمي من خلال مقالة سريعة في جريدة، فهو من دون أدنى شك يستأهل عملية بحثية في النتاج الموسيقي الرحباني يصار خلالها الى تشريح علمي وشروحات مستفيضة تكشف المصادر الموسيقية التاريخية من حيث الشكل الموسيقي والقواعد المستعملة واستعمال الآلات وتركيبها في شتى الاحتمالات من العزف المنفرد الى التوزيع الأوركسترالي وما بينهما. أما من ناحية أخرى، وبما اننا لا نشك بوجود علاقة وطيدة بين عاصي والموسيقى الكلاسيكية، يبادر الى أذهاننا سؤال ذو أهمية تاريخية: كيف كان يجب على عاصي الرحباني ان يتعاطى كموسيقي كبير مع الموسيقى الكلاسيكية في سبيل تطوير الموسيقى في العالم العربي ورفع مستواها على سلم الرقيّ، إذا اعتبرنا، كما اعتبر هو، بأن أرقى موسيقى هي الكلاسيكية؟ كيف نفعل هل بتأليف سمفونية مثلا؟ طبعا لا. وهذا كان رأي الناقد الموسيقي الراحل نزار مروّة الذي تابع الرحابنة منذ بداياتهم وحتى وفاة عاصي عام ,1986 والذي كان على اطلاع عميق وعلمي بالموسيقى الكلاسيكية وكتب المئات من المقالات في هذا المجال. وقد حصل ان كتب الباحث السوري مطاع صفدي مقالا نُشر في مجلة الرسالة اللبنانية عام 1957 (وهنا أوجز من دون المس بالمعنى العام في ما ورد في هذه المقالة وفي النقاشات التي تلتها) تناول فيه ظاهرة الرحابنة قائلا ان هذه الظاهرة الفريدة قد أدركت العلوم الموسيقية في التوافق (HARMONIE) والتقابل (CONTREPOINT) والترجيع (التي قصد بها ترجمة عبارة FUGUE، ولكني لا أوافق على هذه الترجمة اذ ان هذه الأخيرة هي شكل من اشكال تطوير الترجيع وأعقدها ويفرض تطبيق عواقد ثابتة وصارمة شرحها باخ وانهى احتمالاتها في آخر عمل موسيقي كتبه قبل وفاته عام 1750 بعنوان فن الفوغ ). بعد ذلك، ناقش الباحث السوري صميم الشريف في مقالة بعنوان حول الظاهرة الرحبانية في مجلة الثقافة الوطنية ما ورد في مقالة الصفدي قائلا انه ليس صحيحا ان الرحابنة استخدموا هذه العلوم كما نعرفها في الموسيقى الكلاسيكية الغربية، السمفونية او غير السمفونية. وافق مروّة في رد كتبه على أثر مقالة الصفدي ونقاشات الشريف التي تلتها على ما كتبه هذا الأخير (مجلة الثقافة الوطنية، عدد أيار 1957) ولكنه اعتبر خارجا عن الموضوع في طريقة البحث في هذه القضية الحيوية في حين قال ان الصفدي كان أكثر خروجا عن الموضوع مستغربا حق التكلم عن هذه العلوم الواردة آنفا في انتاج أي موسيقي عربي معاصر معتبرا اننا ما زلنا في اول درجات سلم التطور الغنائي ولذلك، يتابع مروّة، يبدو نشازا مطالبة الفنان العربي المعاصر بكتابة عمل سمفوني، بل يبدو مستحيلا في الوقت الحاضر، وهذا ليس من باب المحافظة على التراث الشرقي او مشكلة ربع المقام. بل هي مشكلة الفنان في كل زمان ومكان، مشكلة التعبير، واعتبر مروّة ان تطوير الموسيقى العربية يبدأ أولا بانتاج أعمال أوبرالية تكون مواضيعها من المجتمع العربي، ففي المسرحية الغنائية يضطر الملحن الى ان يعطي كل جملة اللحن المناسب المعبر عن الحالة النفسية التي تشرحها الكلمات، وتغيّر الجو على صعيد الموضوع يضطر الملحن الى تغيير عناصر الجو الموسيقي ليتناسب معه، سواء من ناحية الايقاع او النغم نفسه او التوافق، هذا بالإضافة الى وجوب وجود موسيقى تصويرية لمرافقة مشهد معيّن وهكذا يضطر الملحن الى البحث في مشكلات الغنى الموسيقي الحقيقية في التلحين واستعمال الفنون والعلوم الموسيقية المعقدة وفي تطوير الآلات الموسيقية وخلق عازفيها الجديرين. إذاً اختار عاصي الطريق الصحيح، إذا استندنا الى ما قاله نزار مروّة وسلّمنا به، في توجهه لتطوير الموسيقى العربية واستعمال فنون التوزيع الموسيقي المعقدة. والدليل على ذلك انتاجه الضخم في مجال المسرح الغنائي الذي يشبه الى حد بعيد العمل الأوبرالي في الموسيقى الكلاسيكية من حيث وجود عدة عناصر مشتركة بينهما كالمقدمة الموسيقية والحوارات غير الملحنة، والموسيقى التصويرية والغناء الكورالي والأداء المنفرد والفواصل الموسيقية (الفارق الوحيد هو غياب الأداء الصوتي الأوبرالي في المسرحية الغنائية الرحبانية، وهي تقنية خاصة لاصدار الصوت البشري تتّبعها فيروز في أغنية تك تك تك يا ام سليمان، على سبيل المثال، في بعض الأحيان وليس طوال الأغنية). وقد استعمل عاصي التوافق والتقابل في كثير من الأحيان، استعمال أغنى النغمة الأساسية وسمح له بالتعبير عن الأحاسيس الكبيرة التي لا يمكن ان تحتويها هذه النغمة من دون تغذيتها بأبعاد صوتية متقابلة لها او متوافقة معها. هذه النقاشات تلتها ثلاثون سنة من الانتاج الفني، جعلت الاختلاف حول استعمال الرحابنة لتقانيات التقابل والتوافق او عدمه من الماضي. أما بالنسبة لعلم الترجيع، وإذا سلمنا جدلا ان المعني به هو علم الفوغ (FUGUE) ، فلم يستعمله عاصي اطلاقا كما أورد ذلك الصفدي عام 1957 ولا حتى خلال سنوات اللاحقة. أما إذا حاولنا إعادة ترجمة كلمة ترجيع الى مصدرها الغربي فربما العبارة الأقرب الى الواقع والمنطق هي CANON وهي كتابة بوليفونية تقوم على دخول تدريجي لأصوات (اثنين على الأقل) تشكل الجملة الموسيقية نفسها ولكن بتفاوت طفيف فيما بينها، شرط ان يتم المحافظة على هذا التفاوت وثباته منذ البداية وحتى النهاية، وإذا لم يتم تطويره بحسب قواعد الفوغ الصارمة يبقى اسمه كنون، والتوزيع الأقرب الى الكنون او الترجيع ورد في ختام أغنية المحبة دون امكانية اعتبار ذلك ترجيعا حقيقيا إذا طبقنا قواعد هذا العلم بشكل دقيق على ما كتب عاصي. وفي الختام، يبقى أهم من الخوض في دهاليز هذا النتاج الضخم الذي تركه لنا عاصي (تركه لنا، وليس تركه) ان نسمع هذه الموسيقى وننشرها وان نفرد لها المساحة الأكبر في فضاءاتنا الصوتية وان نطلق العنان لأحاسيسنا وقلوبنا قبل عقولنا وتحليلاتنا ونستمتع ونفرح فقط، أقله في مرحلة أولى. عاصي أفنى حياته في سبيل الموسيقى، في سبيل آذاننا، وحتى قراره في الزواج أراده في جزء كبير لهذا الغرض وكذلك قراره في انجاب ولده البكر في تلك الليلة المقدسة أوائل شهر آذار من العام .1955 اطمأن عاصي الى الموسيقى في عيدها، ورحل في اليوم الثاني، منذ عشرين عاما، في الثاني والعشرين من شهر الحصاد. توقفت عقارب ساعتي. حاول احداها لسع يدي لمنعها عن متابعة الكتابة. المقالة انتهت. الكلام، الى الأبد، لعاصي.