As Safir Logo
المصدر:

<الكورنيش> كلمة فرنسية

المؤلف: مندور سحر التاريخ: 2006-06-14 رقم العدد:10417

يرتفع شجر النخيل على طول كورنيش البحر. يأتي أيضاً عبر صور بيروت الأمس الجميل ، ذلك اليوم الذي يترحم عليه مجمل سائقي السرفيس المخضرمين، بينما يرطنون بلغتين، بعض من الإنكليزية، وبعض من الفرنسية، كأنهم يؤكدون للسامع أن مهنتهم كانت، في يوم من الأيام، راقية، ولم تعد كذلك. ما يعني أن الإلمام باللغة الأجنبية يشير إلى هذا الرقي، وعدم الحاجة إليه يدلّ على انحطاط الزمن والمهنة على حد سواء. نمشي على الكورنيش، فنجد في أنفسنا تكملة قصة صور الأبيض والأسود الفوتوغرافية، وصور السينما الملوّنة. نحن رُكنها الحيّ، والنخيل، مثلنا، يقف شامخاً عند جلّ البحر. لكن... لحظة... نحن لا نقف بشموخ عند جلّ البحر. نحن نوجّه نظرنا نحو البحر فنستسلم حيناً لسلطة تماوجه، تدخل حركته العقل وتأمره بأن يتبعها. يتأرجح بين الأفكار، يدمج بينها ويفرّق، يصل فكرة بأخرى، يصل حداً لم يصله من قبل، أحياناً. وأحياناً أخرى، ننسى البحر ونستمتع بالصحبة، نكاد نركض فرحاً ونحن لم نعد أطفالاً، ونكاد ندهس طفلاً ونحن نظن أننا نداعبه. شمس البحر حارقة ولذلك قد لا نطيل البقاء. والنخيل يعاني ما نعانيه من الطقس، على تبدله، فينتصب كعمود بيننا، لا جميل له علينا إلا في الصورة، إذ يستحيل إيجاد الفيء في ظلاله. عندما وقعت الحرب، احترق النخيل. فجاء الرجل الأزرق من خليجه العربي وأعاده بصفته العراقة، وأرفقه بمشهد جديد: تلك الورود الزهرية اللون، الفاقعة، التي تشتت العين عن زرقة البحر. قد تعيق تواصل أفكار عابر السبيل وقد تعيق التفكير من الأصل وقد تعيق العين عن رؤية البحر. لكنها ورود، إذاً لا بد أنها جميلة في أرض كانت محروقة. وهي ورود تذكر بما زرعته دبي في صحرائها كي ترحم عين المقيم والمتفرج من لون التراب الذي لا ينتهي. فجأةً، تبلغك صديقة: خلال الإنتداب، زرع الفرنسيون النخيل على كورنيش بيروت كي يكون متجانساً مع شواطئ المتوسط مثلما يعرفونها. تتململ. إنه هذا التدخل في قصتك الخاصة. تكمل الصديقة بلا رحمة: لو حوى التاريخ شجراً يلائم جلّ البحر في هذه المدينة الصغيرة بدلاً من النخيل، لكان بوسعنا الآن أن نتفيأ في ظلاله. خطر ضربة الشمس إذاً أتانا بسبب فرنسيين يسعون لأقلمة المكان الذي يحتلونه مع صورة سابقة يعرفونها عن شبيه له. زرعوا أمان المعرفة، حددوا المشهد كي تألفه عينهم الوافدة، فلا تستغربه، ولا تخشاه حينها وبعدها. قصة الزهور الملوّنة تحوي فصلاً شبيهاً أيضاً، فهي تطمئن عين السائح الخليجي المقدس وهو يطلّ من فندقه أو من عربته على بحر بيروت الشهير، فلا يستسلم لسلطته، وإنما يخضعه لعينه، يألفه بواسطة ورود ترده إلى أرضه. لم نره يكبر، عندما أعيد زرعه، لم نألفه ينمو بيننا، لم نحافظ عليه ولم يُطلب منا ذلك. تلقيناه، مرة تلو الأخرى، ففخرنا به، كورنيشنا، كأنه شاطئ مرسيليا. وكأنها سويسرا الشرق. أما شاطئ غزة فكان يتمتع بقصة تنمو بين أطفال يلهون بين نيران متقطعة. القصة لا تمنح الإسرائيلي مقطعاً منها. القصة أبسط من أن تحوي توزيع أدوار، ديموقراطي أو إرهابي أو تقدمي أو سلفي . القصة أبسط من استيراد مشهد، من استعمار مشهد، من تحوير مشهد، من الإصرار على تحويرٍ خضع له مشهد. القصة هي ببساطةِ العوم في مياه بحر. فخاف الإسرائيلي من قصة تنمو خارجه. لا تحتاجه ولا تهدده، لا تتوجه إليه أصلاً. احتاج الإسرائيلي إلى أداة تضعه في صلبها، إذ يبدو أن إسرائيل لا تنمو إلا في صلب قصة ليست لها. تتدخل في الصور، تمحو رأساً منها، وترسم وجهها مكانه، ثم تبحث عن كل قلم ممكن لتكسره قبل أن يعيد الكرّة، أن يعيد رسم وجه صاحبه بدلاً من وجهها. مهما كانت الصورة خاصة، وحتى ولو كان القلم مكسوراً. فصنع الإسرائيلي الصورة التي لا يخشاها، وزرع شظاياه في الوجوه التي لا يعرفها. هذا هو حق الدفاع عن النفس ، حسبما أسمت الإدارة الأميركية مجزرة بحر غزة، في مقابل فعل استجم الذي استخدام لوصف حال الشهداء عندما كانوا أحياء. حق الدفاع عن النفس من خطر الصورة الحيّة. الصورة القادرة على الاستجمام، أي النمو من دون خشية الإسرائيلي أو الارتباط به، بأي شكل من الأشكال. الصورة البسيطة . أن تبكي مجزرة وتسأل نفسك بعدها: لماذا أبكي الآن وهي ليست آخر صور الدم ولا أولها؟ أن تتذكر أمساً جميلاً وتحنّ إليه عبر لغات ليست تلك التي تنطق بها كي تؤخذ بجماله. أن تمشي عند شاطئ يغط في نخيله فتنظر منه إلى حاضرك وماضيك ولا ترى الشجر في مراحل نموه. أن تتنشق رمقاً لا يأتيك من الهواء ولا يدخل الرئة، لكنه يبقيك حياً... حياً كجزيرة نفخت آلة الباطون فيها الروح.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة