As Safir Logo
المصدر:

المسألة القبرصية والحاجة الأوروبية للضغط على أنقرة

المؤلف: نورالدين محمد التاريخ: 2006-06-14 رقم العدد:10417

في 17 كانون الأول العام 2004 أقر الاتحاد الأوروبي في خطوة تاريخية بدء مفاوضات العضوية مع تركيا وحُدّد الثالث من تشرين الأول العام 2005 موعدا لذلك. وفي اليومين الماضيين، عقدت الجلسات الأولى للمفاوضات التي ناقشت التقرير الدوري للمجلس الأوروبي للشراكة حول وضع تركيا في مجال تطبيق الإصلاحات. هناك إجماع على أن وتيرة الإصلاحات قد تباطأت منذ أكثر من سنة. ويربط البعض ذلك بعاملين: الأول محاولات زعزعة سلطة حزب العدالة والتنمية الحاكم من جانب القوى المتضررة أو المعارضة لانضمام تركيا الى الاتحاد، وفي مقدمهم القوميون والعلمانيون المتشددون، والثاني الاستياء والتذمر داخل الأوساط الإسلامية من قواعد الحزب جراء التراجع الاطرادي في القضايا الدينية (لا سيما الحجاب) في مقابل التقدم السياسي على طريق الاتحاد الأوروبي. مع ذلك، ليس من خيار آخر أمام حزب العدالة والتنمية سوى المضي في خياره الأوروبي، لأن البديل عن ذلك عودة نفوذ العسكر واشتداد النزعات القومية والدينية. انعكست التوترات الأمنية في الأشهر الماضية في تقرير المجلس الأوروبي للشراكة. فالعسكر عاد بقوة الى الساحة السياسية وتوالت تصريحات قادته، الأمر الذي دعا المجلس الى أن يطلب من الحكومة وقف ذلك والتعبير عن القضايا العسكرية على لسان مدني. ويذكّر التقرير مجددا بجملة قضايا لم تحرز فيها الحكومة أي تقدم، بينها منح العلويين حقوقاً ثقافية والاعتراف بمراكز عباداتهم (بيوت الجمع) وتدريس المذهب العلوي في المدارس أسوة بالمذهب الحنفي. وتطرق التقرير الى عدم مبادرة الحكومة حتى الآن الى إعادة فتح مدرسة الرهبان الدينية في جزيرة هايبلي قرب اسطنبول. وفي الشأن الكردي أدان المجلس ممارسات حزب العمال الكردستاني لكنه دعا القوات التركية الى عدم استخدام القوة بصورة عشوائية أو شاملة أو غير حذرة. أمام المشكلات البنيوية التي تقارب الأربعين عنواناً وتشمل مجالات الاقتصاد والقضاء والمجتمع، تبرز عند كل محطة مفاوضات بين تركيا وبروكسل المسألة القبرصية بصفتها البعد السياسي الخارجي الوحيد من ملف المفاوضات. ومع أن أنقرة تجاوزت، بمبادراتها الناجحة والمفاجئة حول الأزمة القبرصية، صورة الذي يتحمّل مسؤولية إفشال الحل في قبرص، ومع أن الطرف القبرصي اليوناني هو الذي رفض مبادرة حل المشكلة وتوحيد الجزيرة التي تقدم بها الأمين العام للأمم المتحدة كوفي أنان في نيسان العام ,2004 فإن الاتحاد الأوروبي ضم الى عضويته قبرص (اليونانية) مع تسع دول أخرى في أيار العام الماضي. وترتب على ذلك الطلب من تركيا توقيع بروتوكول الاتحاد الجمركي مع الدول العشر الجديدة، وهو ما رفضته أنقرة معتبرة أن ذلك يجب أن يكون جزءاً من سلة متكاملة تتضمن مطلب الاتحاد بفتح موانئ ومطارات تركيا أمام سفن وطائرات ومنتجات قبرص (اليونانية)، وفي الوقت ذاته فك العزلة عن قبرص التركية التي لم تستفد من الوعود المادية إلا النزر اليسير. إن رفع سيف المسألة القبرصية أمام أنقرة حاجة أوروبية لاستمرار بقاء ذريعة تضغط بها على أنقرة. وهي ذريعة صعبة على حكومة حزب العدالة والتنمية، الذي يرى أنه ذهب الى الحد الأقصى، ولا يمكنه المس بما بعده، لأن ذلك يعني التفريط بقضية وطنية من الدرجة الأولى وينتظره على الكوع فيها كل معارضيه. وبطبيعة الحال، فلا يمكن لأحد أن يحمّل قبرص اليونانية وحدها مسؤولية العرقلة أو المشاغبة على طريق المفاوضات مع تركيا. فاليونان، بإجماع المراقبين، هي حاضنة القبارصة اليونانيين ولا يمكن لهؤلاء التحرك من دون موافقتها. من هنا اتخذت زيارة وزيرة خارجية اليونان دورا باكوياني يومي السبت والأحد الماضيين الى اسطنبول أهمية بهذا الخصوص، إذ جاءت عشية بدء مفاوضات العضوية بين أنقرة وبروكسل. وفي الواقع، تنجح أثينا في إمساك العصا من طرفيها، فهي تذهب الى اسطنبول وبيدها ورقة الابتزاز القبرصية اليونانية، من أجل الحصول على مكاسب في أمكنة أخرى. وإذا كان الطرفان اليوناني والتركي نجحا في التوصل الى تفاهم من ثماني نقاط للجم التوتر في بحر إيجه، بما يشكل حماية لموسم السياحة الصيفي ولا سيما في جزر إيجه، فإن اليونان ضغط لكي يذهب البلدان الى محكمة العدل الدولية في لاهاي لحسم الخلاف حول حوض إيجه، مياهاً وجرفاً وفضاءً. كما ان زيارة باكوياني الى بطريركية الروم الأرثوذكس في اسطنبول وتصريحاتها عن مسكونية (عالمية) البطريركية مؤشر آخر الى الأهداف اليونانية. إذا بدأت مفاوضات العضوية بين تركيا والاتحاد الأوروبي من دون تنازل تركي واضح بشأن فتح مطاراتها وموانئها أمام السفن والطائرات القبرصية اليونانية، فهذا مؤشر على نجاح ولو جزئيا لزيارة باكوياني الى تركيا. إن النظر الى العامل القبرصي اليوناني على أنه قائم بذاته، يشوّش المشهد الحالي، فيما التطورات تؤكد أنه ليس سوى جزئية من ملف اسمه العلاقات التركية اليونانية والعلاقات التركية الأوروبية.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة