As Safir Logo
المصدر:

<وادي الذئاب، العراق> للتركي سيردار آكار من دون مشاهد أبو غريب الدرس الأخلاقي والإنساني لا يرفع السينما

مشهد من وادي الذئاب، العراق لسيردار آكار
المؤلف: ج ن التاريخ: 2006-06-08 رقم العدد:10412

تستمرّ العروض التجارية المحلية لفيلم وادي الذئاب، العراق للمخرج التركي سيردار آكار، للأسبوع الثاني على التوالي، وذلك في صالات كونكورد (فردان) و الزوق و أبراج (فرن الشباك) و سيتي كومبلاكس (طرابلس). تمثيل: نيساتي ساسماز وبيلي زان وغسان مسعود وغاري بازي وآخرين. يُذكر أن الفيلم، الذي ساهم سادولاّ سانتورك في إخراجه، مقتبس من سلسلة تلفزيونية تركية لاقت مواسمها الثلاثة نجاحاً لافتاً للنظر عند عرضها على شاشات التلفزة التركية. تصعب الكتابة عن فيلم وادي الذئاب، العراق لسيردار آكار، من دون التوقّف، مرّة جديدة، عند مقصّ الرقيب اللبناني، الذي بات يعمل على خطّين متوازيين، في وقت واحد: إمعانه في تشويه السياق الدرامي والجمالي لأي صنيع فني (لا أتكلّم هنا عن القيم الجمالية والإبداعية، بالمعنى النقدي، لهذا الصنيع أو ذاك)، وإصداره ردوداً ضد كل من يُسلّط ضوءاً، ولو صغيراً، على مسألة الرقابة، يُضمّنها رأياً نقدياً واجتماعياً وسياسياً لتبرير فعلته هذه، باحثاً في أحوال المجتمع اللبناني، ومبدياً خوفه على المواطنين من تأثيرات سلبية تطلقها مواضيع أفلام سينمائية. مرّة جديدة، يطال المقصّ المذكور فيلماً سينمائياً بدأت عروضه التجارية المحلية في الأسبوع الفائت، بعد مروره على مقصّ الرقيب، الذي (أي الرقيب) ارتأى حذف المشاهد كلّها المتعلّقة بأهوال سجن أبو غريب في العراق المحتلّ من قبل الأميركيين وأسياد القتل باسم الدين، معتبراً، كما يبدو، أن عنف المشهد السينمائي أحدّ وأقسى من الصُوَر التي تناقلتها وسائل الإعلام العربية والأجنبية، ومن التقارير المختلفة التي عكست قذارة ما ارتكبه جنود أميركيون في هذا المعتقل. بات الأمر ملحّاً: يجب العثور على آلية تحرّر الرقابة من سطوة الأمن، وتجعلها في عهدة لجنة مستقلّة. صحيح أن التركيبة السياسية والطائفية التي صنعت لبنان تمنع إلغاء نهائياً للرقابة على الفنون والآداب والحريات العامة والفردية. لكن، في حالة كهذه، بات يُفترض بالمعنيين إنقاذ الفنون والآداب والحريات العامة والفردية من رقابة أجهزة الأمن، ومن القوانين الغامضة والملتبسة التي لا تزال تتحكّم بعمل الرقابة، وذلك بتشكيل لجنة مستقلّة ما، وبوضع قواعد عصرية ومتطوّرة، لا تلغي الخصوصية اللبنانية، ولا تقضي على الحريات العامة والفردية. لا تتعلّق المسألة بفيلم وادي الذئاب ، أو بمشاهد التعذيب في سجن أبو غريب. فسواء شوهدت هذه الصُور المرعبة أم لا، إلاّ إن اقتطاع صنيع فني لأي سبب يبقى مرفوضاً، حتى ولو كان هذا الصنيع سيئاً أو عادياً أو جميلاً أو مهمّاً. ذلك أن مشاهد التعذيب، المحذوفة من الفيلم بأمر من الرقيب اللبناني، ستبقى مشاهد عالقة في وعي ملايين البشر، ومن بينهم لبنانيون ممنوعون من مشاهدتها في فيلم سينمائي، وفي الذاكرة الجماعية، وفي كتب التاريخ، وفي مسام الجغرافيا، تماماً كمشاهد التعذيب والقتل والاغتيالات والخراب والجرائم المختلفة، التي ارتكبها قتلة محترفون على مرّ السنين، والتي لا تزال قابعة في الذاكرة البشرية جمعاء. على الرغم من هذا، فإن المسألة الأساسية هنا تكمن في الرفض المطلق لأعمال المقصّ الرقابي اللبناني. على الرغم من هذا، فإن وادي الذئاب يبقى فيلماً عادياً، حاول صانعوه أن يرووا فيه مجموعة من الحكايات المترابطة فيما بينها، شهدها العراق الممزّق (ولا يزال يشهدها يومياً) بين احتلالات عدّة، أبطالها (أي الاحتلالات) أميركيون وجاهليون ومرضى بالقتل والدم والعنف. وإذا بدأ بانتحار ضابط تركي، بعد أن أنهى كتابة رسالة إلى أخيه يُخبره فيها عن جريمة حصلت في السليمانية من قبل أميركيين ضد أتراك، فإن السياق الدرامي قدّم صُوَراً مختلفة عن الأزمات التي يعانيها الأتراك والعراقيون، عرباً وأكراداً. وإذا بدا الفيلم مهموماً بحسّ إنساني ما، وإن صعب على صانعيه تقديمه بشكل جمالي، فإن السرد الحكائي مشحون بلغة خطابية ودروس أخلاقية نطق بها الممثل العربي غسان مسعود، الذي أدّى دور شيخ جليل من سلالة النبي، فرض حضوراً في المجتمع العراقي، واكتسب حظوة لدى الجميع من دون استثناء. ففي أكثر من مشهد، وقف مسعود خطيباً ينطق بالحقّ والعدالة، ويرفض القتل، ويسوّق للتسامح والمصالحة والغفران، ويدعو إلى نبذ العنف. وهذا كلّه بلغة لا تمتّ إلى السينما بصلة، مع أنها تترجم رغبة صانعي الفيلم في إبراز الوجه الحسن للإسلام، في مقابل الفلتان الأخلاقي وتنامي ظاهرة الذبح باسم الدين الإسلامي، اللذين صوّرهما الفيلم أيضاً. في تجربته السينمائية العالمية الثانية، بعد مملكة الجنة لريدلي سكوت، بدا الممثل السوري غسان مسعود في شخصية الشيخ عبد الرحمن حاليس كركوكي، أقلّ هيبة وسطوة من حضوره الجميل في شخصية صلاح الدين الأيوبي. ولعلّ ملامح وجهه أغرت المنتجين والمخرجين على التعاون معه، إذ إن الفيلمين هذين قدّماه في شخصيتين تتشابهان في الأخلاق الحسنة والمقام الرفيع وقوة المكانة الإنسانية والاجتماعية والدينية وسطوة تأثيرها. لكنه، في وادي الذئاب ، أسرف قليلاً في تصنّع الحالة الإنسانية المتسامحة، من دون أن يفقد سويته الأدائية في منح الشخصية الدرامية أبعادها الجمالية والفنية المطلوبة، وإن بشكل عادي وبسيط، على نقيض براعته في اقتناص بعض الملامح التاريخية لصلاح الدين الأيوبي. في عالم غارق بالدم والخراب والفوضى، صوّر سيردار آكار بعضاً من معالم الموت والخيبات والتمزّق، في متتاليات مشهدية استُلّت من يوميات العنف العادي ، التي باتت مفكرة يومية جديدة للعراقيين، اكتسبوها منذ ثلاثة أعوام على الأقلّ. وعلى الرغم من أهمية الموضوع الإنساني، فإن وادي الذئاب بدا عادياً للغاية في لغته السينمائية ومفرداته التقنية. فالممثلون الذين أدّوا أدوار جنود أميركيين، مثلاً، لا يشبهون زملائهم الذين يظهرون في أفلام أخرى، لأنهم يحتاجون هنا إلى تدريبات عسكرية خاصّة بكيفية اقتحام المنازل وتبادل إطلاق النار والاحتياطات الواجبة. ثم إن لغتهم الإنكليزية بدت مفكّكة، كأنهم ليسوا أميركيين. في حين أن الاختلاط العرقي واللغوي (الفيلم ناطق بالعربية والإنكليزية والكردية والتركية) في قلب الصراعات (السياسية والثقافية والأمنية)، بدا تجسيداً باهتاً لقوة التمزّق العراقي والتقاسم القبائلي الخطر، الذي ازداد تمزّقاً بالممارسات الشنيعة لأميركيين لا يتردّدون لحظة عن ارتكاب أي فعل دنيء من أجل حفنة من الدولارات (مسؤول أميركي رفيع يتاجر بالعراقيين العرب والأكراد وبالأتراك أيضاً، وطبيب أميركي أيضاً يبيع أعضاء بشرية). في مقابل الحسّ الإنساني الذي أراده صانعو الفيلم محور عملهم هذا، احتاج وادي الذئاب، العراق لسيردار آكار إلى مقوّمات فنية وجمالية ودرامية عدّة، لانتشاله من تبسيطه الدرامي وارتباكه الفني والأداء العادي لغالبية ممثليه.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة