As Safir Logo
المصدر:

الاحتلال والتقسيم: المرض السويدي (1)

المؤلف: الدليمي طارق التاريخ: 2006-06-05 رقم العدد:10409

نحن نوصي بوحدة أراضي وادي الرافدين والحفاظ عليها. ويجب أن تحقق من قبل لجنة خاصة لدراسة الحدود بعد إقرار الانتداب. ويجب أن تشمل وحدة العراق، على الأقل، ولايات البصرة وبغداد والموصل. ومن الممكن إضافة السكان الآشوريين والأكراد الجنوبيين مع بلاد الرافدين الى ذلك. إن وحدة البلاد هذه لا تحتاج إلى مناقشة في موضوع العراق . تقرير لجنة كريغ كرين 28 آب 1919 يجب القول ان الانتداب قد تم في نيسان .1920 وبما أن الاحتلال كان قد حصل في تشرين الثاني 1914 وسقطت بغداد في آذار 1917 والموصل في تشرين الثاني ,1918 فهذا يعني أن الاتفاق بين أطراف سايكس بيكو سازانوف في عام ,1916 يختلف عن التطبيق في عام .1920 إن تقرير لجنة كريغ كرين واضح وقد اعتمد في مؤتمر باريس للسلام في 1920 مع بعض التعديلات الطفيفة التي لم تؤثر على تفاصيله نهائيا. فالمناطق التي كانت تابعة لروسيا القيصرية في الاتفاقية قد تم الاستيلاء عليها من قبل انكلترا. وهي تشمل، الحكم الذاتي الكردي بالمعيار الأوروبي (شرق وجنوب شرق تركيا، غرب وجنوب غرب روسيا المتاخم لتركيا، قسم من الشمال الغربي لفارس المتاخمة لتركيا). وقد تم في معاهدة سيفر آب 1920 إنهاء الدولة العثمانية واقتسام ممتلكاتها وأعطي وعد للأكراد بالحكم الذاتي. ولكن حدث تراجع عن هذا الوعد في مؤتمر لوزان الثاني في نيسان .1923 وهذا يعني أن القسم الكردي من (العراق) والذي أعلن عنه في 1921هو مضاف إلى العراق حسب اتفاقية الانتداب وخارطة عصبة الأمم، التي تمثلت خارطة لجنة كنغ كرين التي ثبتها مؤتمر السلام في باريس. لكن العراق الذي تم فرزه الى انكلترا في اتفاقية سايكس بيكو سازانوف، كان يضم فقط ولايتي البصرة وبغداد ومعهما كركوك والسليمانية وديالى، شهرزور العثمانية، ومنحت الموصل إلى فرنسا. ولكن بعد الثورة البلشفية في 1971 بدأ الانكليز يساومون فرنسا حول الموصل التي احتلوها في تشرين الثاني .1918 تنازلت فرنسا عن الموصل لقاء حصة مقدارها 75,23? من شركة نفط العراق. إن التشويش الذي أثاره الأكاديميون في أوروبا وأميركا مرده إلى سوء فهم مخطط له وذلك للايحاء بأن العراق صنيعة جغرافية تاريخية من قبل العبقرية البريطانية. لكن التاريخ المكتوب والقريب جدا من أحداث الحرب العامية الأولى، 1914,1918 كان واضحا في تحديده العراق ومكانته التاريخية الجغرافية قبل وأثناء الاحتلال العثماني له، ستيفن لونغريك أربعة قرون من احتلال العراق . وإبان الاحتلال العثماني حدثت بعض التغييرات على حدوده الشرقية وذلك من خلال حالتي الحرب والسلم بين الدولة العثمانية وبلاد فارس. ففي معاهدة أرضروم الأولى في 1823 تم بموجبها إلحاق السليمانية وهي جزء من فارس الى العراق ودمجت مع ولاية شهرزور، وفي المقابل تنازلت الدولة العثمانية عن المحمرة وعبادان وألحقت مع بلاد فارس. وكانت المعاهدة تحت إشراف وتوقيع كل من انكلترا وروسيا القيصرية. وكانت ولاية الموصل في حدودها الشمالية تصل الى جنوب تركيا اذ انها كانت تضم ماردين التي انفصلت عنها وضمت الى ولاية ديار بكر في .1835 لا بد من الاشارة هنا الى أن من أفضل من كتبوا مؤخرا عن العراق والدفاع عن وحدته هو الكاتب النرويجي ريدر فيسر ولكنه أيضا يرتبك في تحليله ويخضع لمعظم المعايير الاستشراقية في هذا المضمار. فهو يخلط بسذاجة بين المفهوم الاسلامي للولاية والذي اعتمدته الدولة العثمانية، وبين المفهوم الاداري للولاية في الدولة الاوروبية الحديثة التي تعتمد على مفهوم الأمة الدولة. إن التنظيم الاداري بأسلوب الولايات لا يلغي الوحدة الجغرافية السياسية للبلاد، لكن يجعلها عرضة للانتهاكات التحليلية المعاصرة، أكثر من تعرضها للاحتلالات العسكرية والغزو الثقافي والاقتصادي. وهناك مزج متعمد أيضا بين مدينة الموصل وولاية الموصل. فالهجرات المتعددة وبقايا الشعوب القديمة يجري التركيز عليه في نظريات التقسيم أكثر من اعتبارها جزءاً من وحدة اجتماعية تابعة لوحدة إدارية ذات تاريخ طويل. علما بأن المؤرخين المعاصرين، ستيفن لونكريك وعباس العزاوي في كتابهما العراق بين احتلالين، لا يشيران أبدا الى وحدة جغرافية سياسية محددة من نمط أرض للأكراد. ويمكن الاستشهاد بحادثة حصار الموصل من قبل نادر شاه الأفشاري في عام ,1743 بكونها نموذجا يستند اليه ويدلل بأن الموصل كمدينة واندماجها العضوي مع ولاية الموصل، كانت تمثل متراسا سياسيا عسكريا مهماً وخطيرا جرى الدفاع عنه أمام الخطر الخارجي الفارسي. ومن خلال هذه الفجوات المصطنعة في قراءة سجل الولايات العراقية العثمانية، زيفت التسمية الاستعمارية، القديمة والحديثة، بكون الموصل كردية وبغداد السنية والبصرة الشيعية. فالولايات الثلاث مختلطة عربيا ومذهبيا بكل المقاييس. مع التأكيد على أن حدود وتخوم بلاد الأكراد، لونكريك بالذات، ليست من ضمن ولاية الموصل أبدا. ومن خلال خريطة الطريق البريطانية للعراق الجديد، فإن الاحتلال والانتداب البريطاني للعراق قد حسم المركزية الجديدة على ضوء المفهوم التنظيمي الاوروبي وللحفاظ على وحدة العراق سياسيا أمام مخاطر التحديات الاقليمية البارزة ومنها تركيا وفارس (التي سميت ايران في عام 1934). وكانت هذه النظرة البريطانية متصلة بقضية ربط العراق استراتيجيا مع المصالح الاستعمارية البريطانية والتي تستند الى مفهوم شبه الاستقلال وشبه الملكية الدستورية حيث يجري إعادة احتلال البلاد في سياق تاريخي معين، حيث حصل لاحقا في 1941 خلال الحرب العالمية الثانية وفي عام 2003 في خلال الحرب العالمية على الارهاب !! وكان الرأي البريطاني في مؤتمر القاهرة آذار 1921 ومن خلال صياغة تشرتشل مع لورنس ومس بيل، بأن تدمج أقسام من بلاد الأكراد الى الدولة الجديدة. وبذلك تصبح هذه البؤرة عنصر ضغط جديدا على الدولة، مما يجعل العراق في القبضة الاستعمارية. وكانت كركوك خارج إطار هذه الترسيمة، فالغرب وبريطانيا تحديدا لم يدر في خلده مسألة التخلي عن منطقة يسيل النفط من آبارها. وفي البصرة حطمت الادارة الاحتلالية والانتدابية البريطانية كل الجهود التي بذلت من أجل استقلال البصرة بشكل منفرد أو ملحق مع حكومة الهند البريطانية. وكانت هذه النزعة الانفصالية بقيادة الشرائح التجارية العربية السنية وكبار الملاكين ورؤساء العشائر في البصرة والزبير. وعلى ضوء ذلك سارع المندوب السامي برسي كوكس باعتماد الضابط شكسبير الى تخطيط الحدود بدقة عالية مع الكويت والسعودية في اتفاقية العقير عام .1922 وبعدها حسمت مسألة المحمرة وعبادان في عام 1926 وكانت هدية للضابط رضا خان الذي استولى على السلطة بالدعم البريطاني وأنهى حكم السلالة القاجارية وأسس حكم الأسرة البهلوية. لقد حسمت الحدود وثبتت صيانة وحدة العراق الجديد. وطرح منذ ذلك التاريخ خطان لا يلتقيان لحكم العراق. الأول الحكم المركزي ضمن طائفية الدولة ورجعية السلطة السياسية الديكتاتورية وارتباطها مع المعسكر الاستعماري العالمي الانكلو اميركي ، أو الثاني الحكم المركزي ضمن علمانية الدولة الديموقراطية الدستورية وارتباط العراق المصيري مع الوطن العربي والعالم الاسلامي. ومنذ انتهاء الانتداب البريطاني عام 1932 وإلى ثورة 14 تموز 1958 وإعلان الجمهورية، كان التاريخ الوطني للحركة السياسية حاسما في هذا الميدان. وكانت القوى الحزبية ولا سيما في المجتمع الشيعي تدعو الى الحفاظ على وحدة العراق الجغرافية ومحتواه العربي والاسلامي، حزب النهضة وحرس الاستقلال. ولم تكن هناك اتجاهات خاصة للانفصال أو لتكوين دولة شيعية . بل ان السياسي صالح جبر هو الذي أكد في نهاية الأربعينيات على مركزية الموارد النفطية ومسؤولية الدولة ومؤسساتها عن إدارة ذلك في العاصمة بغداد. وهو الذي بادر الى تأسيس مصافي النفط في بيجي وفي الدورة بغداد. لكن المرجعية بقيادة محسن الحكيم وبعد ثورة 14 تموز هي التي، وبالتنسيق مع الاتجاهات الطائفية السنية الممثلة بالحزب الاسلامي العراقي حركة الاخوان المسلمين، هي التي بدأت تطرح بعض المبادرات الطائفية على قاعدة محاربة المبادئ الهدامة كالعلمانية والشيوعية. وقد تجلى ذلك في مهاجمة قانون الأحوال الشخصية والوقوف بوجه الإصلاح الزراعي وقانون رقم 80 حول حقوق العراق النفطية وتوج ذلك بالفتوى الشهيرة في عام 1961 ضد الشيوعية الدخيلة! بل ان المرجعية قد أهملت دور رجال الدين المستنيرين والنخب السياسية الشيعية والأحزاب السياسية، بداية الدعوة، والدور المهم للتجار الشيعة، وتجاوزت كل ذلك ونسقت مع الحركات العسكرية السرية للاستيلاء على السلطة بين أعوام 1963.1968 وحاول المرحوم محمد رضا الشبيبي، وقبل موته المفاجئ، أن يطرح مبادرة خاصة في عام 1965 وبالتشاور مع الزعيم الوطني الديموقراطي كامل الجادرجي، للقيام بإصلاحات شبه ديموقراطية ترتكز على دولة مركزية دستورية مع بعض الصلاحيات المحلية في المناطق الكردية. وطيلة السبعينيات كانت الحركات السياسية الشيعية في إعلامها تؤكد على وحدة العراق وحكومته المركزية. واستمر ذلك حتى بعد الثورة الاسلامية الايرانية. لكن الحرب العراقية الايرانية التي بدأت عام 1980 فجرت الوضع السياسي في مختلف الميادين. بدأت الشيعية السياسية تراهن على البرذون الايراني في احتلال العراق وتسلمها السلطة وإعلان الجمهورية الاسلامية العراقية حيث تحل المسألة الكردية ضمن المفهوم الاسلامي للأقليات. وبعد توقف الحرب قسرياً استدارت الشيعية السياسية الى الغرب وتحديداً الى المحور الانكلو اميركي بعد مغامرة احتلال الكويت الفاشلة والحرب التي تلتها. حاولت الشيعية السياسية الحصول على مناطق آمنة في الجنوب على غرار مناطق الشمال، لكن المحور الانكلو اميركي رفض ذلك بشدة. وفي عام 1994 طرح الليبراليون الشيعة ، ومنهم رند الرحيم، احمد الجلبي، كنعان مكية، ليث كبة، وعلي علاوي الذي كتب برنامجا من 36 نقطة تتضمن عراقا ليبراليا ديموقراطيا مركزيا دستوريا. وفي حزيران عام 2002 وفي غضون الحمى الانكلو اميركية لإسقاط النظام في العراق واحتلاله، طرح البيان الشيعي من قبل بعض الفعاليات الشيعية ومنهم مجيد الخوئي مسألة اللامركزية ، ولكن ضمن عراق موحد. وبعد الحرب والاحتلال انقسم المجتمع الشيعي الى عدة تيارات تناولت مسألة وحدة العراق والتقسيمات الداخلية بطرق متعددة وبدون التركيز على نمط محدد. وغني عن البيان ان تصاعد المقاومة المسلحة ضد الاحتلال واتهامها من قبل الاحتلال وأعوانه بأنها مقاومة المثلث السني ، قد دفع المتعاونين مع الاحتلال لإعادة النظر وتعديل الكثير من الآراء والمفاهيم حول مسألة وحدة العراق وكيف يمكن معالجة ذلك سياسيا ودستوريا، كل ذلك هرباً من استحقاقات مقاومة الاحتلال وتنصلاً من المطالبة بخروج قوات الاحتلال من البلاد. وتحت ضغط الاحتلال وقمعه العسكري لفق بول بريمر وبالتعاون مع القانوني نوه فيلدمان، وبعد أن بصم مجلس الحكم على ذلك، قانون إدارة الدولة المؤقت، وعلى الأسس الاستعمارية في البعثرة الطوائفية والعرقية. تعتبر هذه الوثيقة الأساس التاريخي الجديد للمصالح الانكلو اميركية في العراق ولفترة زمنية قادمة. وهي التي وضعت القوى الطوائفية والعرقية في القفص الاحتلالي وجعلتها ترضخ لشروطها السياسية والدستورية والاقتصادية. وكانت هذه القوى الطوائفية والعرقية الضعيفة في بنيتها وغير المستقلة في قراراتها والمستندة الى الدعم السياسي المالي للاحتلال، قد أصبحت رهائن حقيقية للخطف الاحتلالي ودولته السياسية والعسكرية. وتحول هؤلاء الرهائن الى مدافعين عن برنامج الاحتلال ومشاريعه في الجغرافية السياسية الجديدة للعراق وفي صياغة العلاقات الداخلية للعراق والمنطقة. لقد سيطر المرض السويدي وبكل أعراضه ومضاعفاته على موظفي الاحتلال وحكومته الجديدة الدائمة. (?) سياسي وكاتب عراقي

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة