As Safir Logo
المصدر:

أنسي الحاج: أنا صاحب الهدم والصلاة أتطلع إلى كتابة تشفي وتخلّص وتغلب اليأس والاختناق

أنسي الحاج ليكتب كلٌّ على هواه (علي علوش)
المؤلف: الحاج انسي التاريخ: 2006-05-22 رقم العدد:10398

أيها الكرام، الجواب، أمام دعوة الى مؤتمر حول قصيدة النثر، الجواب الفوري هو: لماذا، وقد انتقلنا الى الجهة الاخرى من المرآة؟ لكن الجواب واهم، رغم انه صادق، صادق كما هو صادق كل مأخوذ بعالمه ?الداخلي. فهو يغوص، حتى يقطع صلته أو يكاد بالعناصر الخارجية. وفجأة يكتشف انه هو قطع، انتقل الى الضفة الاخرى، ضفة الكينونة الصافية المأخوذة بشروطها، لكن الأرض الخارجية، أرض الواقع والسوابق، أرض الاقدام التي على الارض، لم تنس، وانها تنتظره، تنتظر وقتها لتسائله. لتفحصه. لتعود وتسأله: من أنت؟ أنا، تجيب قصيدة النثر، مخلوق دخيل أراد أن ينتزع وجوده بالقوة، لألف سبب شكلي ومعنوي. أنا، تتابع قصيدة النثر، أعترف بالوزن لكنه هو لا يعترف بي. أنا، تقول ايضا، ليس همّي مباراة الانشاء بل أن أكون على صورة خالقيّ ومثالهم، متمردة وصارمة، حرة ومسيجة، متنوعة حتى التناقض، إيقاعية وفالتة، متوترة ومنفرجة، غنائية وناشفة، وقائلة ما لا تقوله الأوزان. وتمضي قصيدة النثر قائلة للباحثين فيها: ظننت أن مسألة البحث في أمري حسمت، وها هي تعود الى التداول. كنت واهمة وكنتم على حق. فأنا المخلوق الدخيل سأظل، مهما أجلستموني بين أنواعكم الادبية، مخلوقاً دخيلاً. أو في أحسن الاحوال مخلوقاً مقبولاً على مضض. يبدو أن هذا هو جزء من هويتي، بل من قدري. لأني بنت التمرد، لا التمرد على الأوزان فحسب، بل التمرد ايضا على أوزان القضاء والقدر. فأنا قصيدة النثر الصغيرة الدخيلة، عشبة هوجاء لم يزرعها بستاني القصر ولا ربة المنزل، بل طلعت من بركان أسود هو رحم الرفض. وأنا العشبة الهوجاء مهما اقتلعوني سأعود أنبت، ومهما شذبوني لن أدخل حديقة الطاعة، وسأظل عطاء ورفضاً، جليسة أنيسة وضيفاً ثقيلاً، لأني ولدت من التمرد، والتمرد، التمرد الفردي الأدبي والاخلاقي، على عكس الثورة، لا يستكين ولا يستقيل حين يصل الى السلطة. على افتراض أنه يصل. ولكنه لا يصل. لأن السلطة التي يصل إليها التمرد هي سلطة التمرد، ولا علاقة لها بتلك السلطات، فهي كوكب للحرية، وللحرية المتجاوزة على الدوام نفسها حتى الاستهتار بالذات. وكما قلنا، ولا ندّعي إلغاء للوزن ولا للقافية، بل نحن من عشاق الأغاني، كثيراً ما نفضلها على كتاباتنا. فكيف ندعو الى إلغاء وكل حملتنا حملة غرْس وإيجاد وإكثار حياة؟ ليكتب كل على هواه، ولينقل الهواء ما يحلو له نقله. لقد أردنا مكانا لما لم يكن له مكان، أردنا جسداً لإيقاع لا يضطرب به روح النثر العربي فحسب بل يضطرب به روح الشاعر العربي ولا يريد سكبه في الاطر القديمة، بل يتطلع الى شكل أكثر ملاءمة لمناخه، أقل عسفاً حيال فكره وشعوره، أكثر قرباً من أصواته الخارجية والداخلية، أقل تفريطا بحذافير تجربته، أكثر استيعاباً لحوادث لحظته وأوزان كيانه. لو لم ترد قصيدة النثر التعايش مع قصيدة الوزن لما سمّيت قصيدة نثر بل لزعمت لنفسها تسمية قصيدة، قصيدة فقط، بلا تمييز. ليسمح لي الآن، وقد ازدحمت في رأسي خواطر كثيرة عن موضوعنا الليلة، أن أكتفي ببعضها، وسأورده على سجيته، بدون ضبط تسلسلي: قصيدة النثر شغل وحدة. شغل من يدرك أو يشعر ان هذا الذي يكتبه ليس موجهاً الى جمهور معروف بل الى شخص واحد ربما، وأحيانا الى مجهول. رسالة في زجاجة يتقاذفها الموج. موجهة الى مجهول مرغوب الوصول إليه رغبة حارة، ولكنه قد يظل، بل على الارجح سيظل مجهولاً ولو عُلم. قصيدة تكسر عزلتها ما إن تنكتب كلمتها الاولى، ولكنها العزلة الخارجة من ظلام واضح الى وضوح مبهم. الكاتب هنا قانع بزاويته الصغيرة، لا يمد ذراعيه أبعد من أفياء سطوره. هو يعرف أنه ليس مطرباً، ويعرف أنه يقف على رصيف الذاكرة. هذا المصير الفقير هو الذي اختاره حين اغترب عن الأوزان المباركة والقوافي السعيدة وهبط ذلك الهبوط المدوّي خارج النعيم، منقذفاً على خطايا نثره من جيل الى جيل، تجرحه عظامه وعروقه قبل أن تجرحه صخور الآخرين وجبالهم، فيما هو يسبح بين الأجرام تتشلّعه التيارات كما تتشلّع كل من يخرج على مدار الجاذبية. ? ? ? في أساس قصيدة النثر، فضلا عما قيل ويقال، بديهة نكاد ننساها. وهي، بكل بساطة، حب النثر. ما يجده الناظم في الوزن أجده في النثر. موسيقى الأوزان تناسبه، موسيقى النثر تناسبني. الامتحان الذي يخضع له في تطويع الوزن، أخضع له في تطويع النثر. استنباط الايقاع من النثر هو أشبه بتحويل المعدن الرخيص الى ذهب. ليس هذا فحسب، بل الكتابة كلها هي هذه العملية الخيميائية، ولا قيمة لها إلا بمقدارها، وبمقدار تحديها شبه اليائس لاستحالة النجاح في هذه العملية. ليس هذا فحسب، بل الفكر، مجرد الفكر في مجرد الرأس، إن لم يكن توقاً، وبكل جدية التوق ومأسويته، الى تحقيق تلك العملية الخيميائية السحرية التي تشتق الشيء من خصمه والنبل من الوحل والوجود من العدم والجمال من الغياب، فأي معنى له ولصاحبه؟ فلنعد الى الخواطر حول قصيدة النثر. إن الطاقة التي ولّدت قصيدة النثر في أواخر الخمسينيات مطلع الستينيات من القرن الماضي وحملتها كالاعصار مفجرة في وجهها حرباً هي الاخرى أشد من الاعصار، تلك الطاقة وازتها طاقة لا تقل زخماً في إرادة بناء عضوي لقصيدة النثر وهندسة لكياناتها يحميانها من الذوبان في نهر الانحلال أو من التساقط تحت خيول الانفلات. إن أي قصيدة هي كيان متوهج قائم بذاته، وقصيدة النثر لا تشذ عن هذا الوصف. لكن يجب الإقرار بأن اللحظات الشعرية ليست متساوية، وقد تبتعد قصيدة عن مفهوم الكيان المتكامل السيّد وتقترب اخرى، وتستوفي قصيدة الشروط جميعاً وتنحرف اخرى. وإذا كان في هذا الانحراف وهن فليس بعارض قاتل ولا بخطيئة مميتة إن توافرت صفات شعرية اخرى تغرق الفجوة التقنية أو الشائبة العضوية بفيض من الدفق الشعوري أو الجمالي. ويؤخذ علينا، أنا وسواي من المؤسسين، أننا حدّدنا شروطاً ومواصفات لقصيدة النثر عدنا، أنا وسواي، وخرقنا العديد منها. من ذلك حجم القصيدة. قلنا بالقصيرة، ثم اكتشفنا بالممارسة أن لا خير في الطويلة، حتى لو تنافرت، حينها تدعوها تجربتها الى الإفاضة، أو حين يجرفها سيلها فيمنعها من الانحصار في ساقية تحت طائلة التشويه. وغيرها قليل، خيانات ارتكبناها، أنا وسواي، ولكنها خيانات من نوع الشذوذ المثبت للقاعدة، بل من نوع توسيع الحدود. لم نفرّط في مفاهيم القصيدة، بل طورناها وجعلناها أرحب مما أريد لها في القرن التاسع عشر الاوروبي والاميركي يوم كانت مجرد رفيقة صغيرة فقيرة لصاحبة الجلالة قصيدة الوزن. ? ? ? الفيض خاطرة اخرى. أمن الحق أن يسأل شاعر النثر لماذا لم يكتب نظماً؟ أعن عجز أم عن رغبة في التنويع؟ والاجوبة باتت معروفة. ولكن لماذا لا نسأل ان لم يكن هناك وراء اختيار النثر كيانا شعريا، نقص ما في قدرة الأوزان على ملاقاة ما يريد الشاعر قوله ملاقاته بأمانة ورحابة، بطواعية وتناغم، بعدما فتحت أطوار الحياة الحديثة أبواب الانقلابات والاحتمالات على مصاريعها، وحتى تلك الأشد عجباً والاكثر استدعاء لا لأساليب تعبيرية جديدة فحسب، بل للغة جديدة؟ لا عبرة في القول ان كثيرين من أدعياء الشعر يختبئون وراء مسمى قصيدة النثر أو الشعر المرسل، لصفّ الكلام وطلاء العقم تارة بالفراغ المنقط وطوراً بإنشائيات سقيمة تعمّق الهوة بين القارئ والشعر، والشعر منها براء والقارئ فيها مظلوم. لا عبرة في مثل هذا القول، فهو صحيح، كما هو صحيح القول ان كثيرين من أدعياء الشعر اختبأوا ويختبئون وراء مسمى قصيدة الوزن أو الشعر العمودي لصفّ الكلام والخ الخ. انما العبرة في قياس الشعر بل الخلق عموماً بحجم القدر الذي يصارعه. ولا ألعب هنا على اللغة، فالالتباس مقصود: لان الخلق يصارع القدر، كما ان القدر، رغم مظاهره غير العابئة أو قناع اختفائه، هو ايضا، هو خاصة، هو دائما يصارع الخلق. إن إغراء السهولة الذي تلوّح به قصيدة النثر إن هو إلا سراب، أكثر ما يشبه سراب الانخداع بسهولة الحرية. ومرة اخرى لا أستعمل التشبيه صدفة، بل هو مفروض تبعاً لقاعدة السبب والنتيجة. فقصيدة النثر بنت الحاجة الى الحرية، والحرية النثرية هذه حرية انعتاق من قوالب وحدود أكثر بكثير مما هي حرية قول أي شيء نريد بأي شكل نريد. ولأنها حرية الانعتاق من العبودية، فسرعان ما تلمست أشكالاً وضوابط من نوع آخر، من صميم التجربة الجديدة، تقيها تشوّهات الفوضى. ? ? ? ومع هذا، مع هذا، ستظل الأوزان المعروفة مرغوبة لان إيقاعاتها استراحة للوجدان ونزهة راقصة للذاكرة والقلب، ولان في إتقانها براعة تنتزع الإعجاب، وكم يحتاج الإنسان الى الإعجاب بما لا يستطيعه شخصياً، ففي هذا ما يريحه في مقعد التلقي، يطربه ويهدهده ويحمله على أجنحة النغم السائغ الى الضفاف الهنيئة. ستظل الأوزان مرغوبة وقبلة أسماع الكثيرين، وربما الاكثرية، بمن فيهم أحيانا العديد من شعراء النثر. ستظل ما دامت الحاجة الى الرقص المضبوط الايقاع حاجة للذاكرة والحواس كما هي حاجة للجسد بأعضائه جميعاً. لا أعرف إن كان أحدنا في زمن الاندلاع الاول أو رد الفعل قد قال مرة انه يريد بقصيدة النثر إلغاء الوزن. ربما. لكن الحقيقة هي أن قصيدة النثر لم يخلقها تحدي الالغاء بل حاجة مطلقة الى الانوجاد. حاجة بدوافع وعوامل وعناصر كثيرة، ولّدها الانفجار بين كبت الماضي ونداء الحياة. حاجة الى التمرد الكياني والتعبيري، وحاجة التمرد الى لغة وفية. حاجة الى نبش تراب الكتابة حتى جذوره الخفية الرطبة في أديم الشعور. حاجة الى الانبثاق لا تخضع نتيجتها إلا لامتحان القدرة على الصمود بعد الانبثاق. هل أردنا من حيث لا ندري إعادة ربط صلة ما لا نعرفها بنثر عربي قديم، يقال انه لم يكن موجوداً، وبعض الظواهر، فضلا عن عقلنا الباطن، يومئ لنا بأنه كان موجوداً؟ أم كانت فقط حركة حداثة صافية، أرادت اللقاء بإيقاعات العصر والعالم، ولم تذكر بعض الجذور المحتملة لها في التراث إلا من باب التشفُع؟ على كل حال، من جهة، كائن مستقر ومرغوب وشعبي هو الوزن، ومن جهة اخرى، كائن متمرد وشقي ومبهم هو قصيدة النثر. زواج شرعي، في وجهه علاقة غير شرعية. الحلال والحرام. واحدهما يستدعي الآخر. الحرام يفقد نكهته الانتهاكية، إذا تلاشى الحلال، والحلال يصير موتاً اذا لم يكمن له الحرام. وهكذا نحصل على نوع جديد من التعايش الادبي نستطيع أن نسميه تعايش الخير والشر، والجريمة والعقاب، وآدم القانع بمصيره وآدم الآخر الرافض مصيره، وطبعاً حواء الزوجة العاقلة، وحواء الاولى، ليليت العفريتة، المتمردة التي فضّلت حرية اللعنة، أو لعنة الحرية، على دموع الاستقامة وقداسة الامومة وتاج الآخرة. ? ? ? كان غوته يقول: الشعر هو الخلاص . وقال دويستوفسكي: الجمال سيخلّص العالم . هذا السباق الى الخلاص، أريد أن أختم تحت رايته. وبعيداً عن الانواع والاجناس، ومعارك القديم والجديد وجهود المعبّرين في البحث المتواصل عن لغة أكثر أمانة في تقمّص التجربة، اسمحوا لي أن أعقد أمنية. أنا صاحب الهدم والصلاة، أتطلع، وقد أضنيت وأُضنيت، الى كتابة تشفي. لا أقصد كتابة تلهي، وأنا أحبها، وفي مرحلة طويلة ما قربت إلا بها. بل أقصد الكتابة التي تشفي، التي تنقذ، التي تخلّص، كما تشفي المعجزة وتنقذ وتخلّص. لا أتنكر لكتابة الغضب واليأس، ولا لكتابة الهدم والاطاحة، بل أتيناها وأنا من جنودها، وسوف تظل، كما تظل كل كتابة صادقة وحيّة، ضرورية ضرورة الحقيقة وضرورة الحياة وما فوقهما. لا تنكّر ولا انقلاب، بل إضافة. إضافة نعمة. نعمة تنير الليل الكوني كما تنير الليل الفردي. إن للبشر في ماضي الكتابة روائع حققت معجزات. والكلمة في الاساس معجزة. وما أتمناه هو أن يستعيد الكاتب، شاعراً كان أم روائيا أم فيلسوفا وناقدا وخطيبا، أن يستعيد لا سلطة التكوين التي هي له فحسب، بل سلطة الشفاء من أمراض الوجود. في مطلع الألفية الثالثة، وعلى هامش حديث الشعر الذي هو جوهري دائما، ومن هذا المنبر العريق في التفاؤل، أدعو الكتابة الى وليمة. الى وليمة القوة التي تغلب البؤس، تغلب اليأس، تغلب العجز وتغلب الاختناق. الى وليمة الخلاص بسحر المعجزة الشعرية. والمعجزة، أيها الكرام، هي دائماً شعرية. (?) لضيق المساحة ننشر هنا مقاطع من الكلمة التي ألقاها الشاعر أنسي الحاج يوم الجمعة 19 أيار 2006 في افتتاح مؤتمر قصيدة النثر العربية الذي نظمه برنامج أنيس المقدسي في الجامعة الاميركية في بيروت.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة