طبّق مؤتمر قصيدة النثر العربية وأسئلتها (الذي يتابع أعماله اليوم وغداً في الوست هول) مقولة أفضل ان تأتي متأخراً من ألا تأتي أبدا . تأخر المؤتمر حوالى نصف قرن، لكنه عاد وانعقد في مهد القصيدة النثرية العربية الأول: بيروت. استضاف حوالى 34 شاعراً وناقداً من لبنان وعددا من البلاد العربية. على هامش المؤتمر، حملنا أسئلة ثلاثة وجهناها إلى عدد من الشعراء المشاركين، فتفاوتت الإجابات، ومعها التفسيرات والآمال المعقودة على المؤتمر: 1 ماذا يعني لك انعقاد مؤتمر قصيدة النثر في مدينة بيروت تحديداً؟ 2 لماذا، برأيك، تأخر المؤتمر الأول حوالى خمسين عاماً كي ينعقد؟ 3 ما هي توقعاتك من هذا المؤتمر، وما هي النتائج التي تأمل ان يتوصل إليها؟ ? كاظم جهاد: حدث تاريخي 1 لانعقاد المؤتمر في بيروت دلالة فنية وتاريخية في آن معاً. أعتقد ان قصيدة النثر وُجدت في بيروت، أو على الأقل ولدت على أيدي لبنانيين، إذا ما فكرنا في محاولات أمين الريحاني في الشعر المنثور. القصائد الأولى التي كتبها الماغوط غيرت في النماذج الأولى المعاصرة لقصيدة النثر التي انطلقت شهرتها من هذه المدينة أيضاً عبر مجلة شعر ، ولا يزال اللبنانيون يحتلون مكاناً ريادياً في هذا الجنس الأدبي. أما الدلالة الفنية فتتمثل في ما سيتيحه هذا المؤتمر من مراجعات لشكل قصيدة النثر، سواء في صيغتها المحض، أو في تنويعتها العربية المتمثلة في الأبيات غير العروضية. 2 هذا التأخر هو في الحقيقة دلالة، قاسية نوعاً ما، على كسلنا نحن العرب، وتأخرنا في الإعتراف بالأشكال الفنية الإنقلابية ، أو التي تذهب في مغامرة الشكل واللغة إلى أقصاها. ولذا فنحن ننتظر من المداخلات التي ستلقى في هذا المؤتمر والتي ستنشر لاحقاً في كتاب ان تكون بمستوى هذا الحدث التاريخي والفني الرفيع، فتعيد مساءلة هذا الجنس الأدبي الخلاسي نوعاً ما، الذي يستمد قراراته من تلاقي الشعر والنثر في كيفيات يعود إلى الباحثين ونقاد الشعر تحديدها وإضاءتها. 3 ينبغي أولاً أن نعلن أسفنا لعدم استطاعة بعض المدعوين الحضور إلى هذا المؤتمر التأسيسي، لكن الأسماء الحاضرة من شعراء ونقاد وباحثين قادرة، في اعتقادي، على أن تسلط إضاءات فذة على قصيدة النثر سواء في منشئها الغربي أو تجلياتها العربية المتباينة. هذه الخطوة سيفيد منها الشعراء أنفسهم وعشاق الشعر والتاريخ الشعري العربي أولاً بأوّل. ? محمد مظلوم: لا يقرر مصير الشعر 1 العلاقة تاريخية بين بيروت وقصيدة النثر، اليوم بيروت تحاول ان تجدد تلك العلاقة باختبار مدى فعالية هذه القصيدة في أمكنة أخرى. أعتقد أننا نقدم نموذجاً آخر إلى جانب ما قدمته بيروت. إننا نؤكد على التفاعل بين المدن أولاً، وبين فكرة المدن عن القصيدة ثانياً. 2 ربما تريد قصيدة النثر بعد هذا التاريخ ان تقول، وهذا ما أتمناه، انها شرعية في المتن الشعري العربي. لكن لا ينبغي لها ان تكون نفياً ونقضاً للأشكال السابقة. وعندما يعقد هذا المؤتمر بعد كل هذه الفترة التي أعقبت ولادة قصيدة النثر والتي أعتقد انها تزامنت مع ولادة قصيدة التفعيلة، فإنها تريد إعادة الإعتبار إلى الشعر نفسه، أن تسعى إلى تحقيق شرعية حصلت عليها أصلاً من خلال تراث شعري طويل يوازي، تراث الشعر العربي المكتوب بصيغة التفعيلة. 3 أنا لا أتوقع شيئاً من هذا المؤتمر، بمعنى أن المشاركين لن ينقلوا الشعر العربي ولا النقد العربي من مكانه، ولا يمكنه بالتالي ان يقرر مصير الشعر. انه مجرد لقاء بين شعراء يحاولون إعطاء لمحة تعريفية عن المفهوم الملتبس لقصيدة النثر في ذهن القارئ العربي، ولا أدري إذا ما كانوا سينجحون في سعيهم هذا، أم انهم سيزيدون المفهوم التباساً وتعقيداً. آمل أن تتحدد المناقشات في إعادة قراءة الشكل الشعري لقصيدة النثر، ان نكون اكثر تحديداً. أريد ان يتم التركيز على هذه النقطة بالذات كي نضيف خطوة أخرى في تعريف النموذج المتحقق من أجل تسهيل مقاربة نقدية منه، لأن بقاء هذا المفهوم عائماً ومتشظياً سيزيد من مأزق الشعر العربي، قبل أن يزيد من مأزق قصيدة النثر نفسها. ? جرجس شكري: تجريب 1 من الطبيعي جداً أن ينعقد مؤتمر قصيدة النثر في بيروت. بيروت هي أنسي الحاج ويوسف الخال وبول شاوول وفؤاد رفقا وأدونيس الذي، وان كان من أصل سوري إلا انه عاش في بيروت، والماغوط انطلق منها ايضاً. إذا كان هناك جدل بين مدن العراق ودمشق والقاهرة وبيروت، تبقى الحقيقة ان النتاج الفعلي لقصيدة النثر جاء من بيروت دون غيرها. 2 عربياَ، كل شيء يتأخر ولا يأتي. أنا أرى أن السؤال يجب أن يوجه إلى الأسماء السابقة أي إلى أنسي الحاج وللأسماء التي شاركت في شعر . لكن لكي نكون منصفين فان ما شهدته بيروت من حروب أهلية أخّر كل شيء، فكيف هي الحال بالنسبة إلى مؤتمر عن قصيدة النثر العربية؟ ربما يعود سبب التأخير أيضاً، إلى ان الأشخاص الذين أسسوا للإتجاه هذا قد اعتبروا ان معركتهم قد انتهت، أي كانوا على قناعة ان المرحلة كان لها دور وانتهت. أما لماذا لم تسع الأجيال اللاحقة إلى ما سعى إليه الرواد، ربما يكون الجواب بوجود مناخ غير مهيأ. الأمر لا يقتصر على بيروت، فعلى الرغم من وجود أسماء راسخة ومكرّسة في مصر، بدءاً من عفيفي مطر وصولاً إلى جيل التسعينيات، إلا أن هذا المؤتمر لم يعقد هناك، وعندي اجابة ما حول هذا الموضوع وهي أن المؤسسات الرسمية هي التي تعقد المؤتمرات في مصر، ولا اعتقد ان مسؤوليها منحازون إلى قصيدة النثر، أو إلى الأجيال الجديدة. 3 في البداية، انعقاد المؤتمر أمر مهم لأنه محاولة للإحياء او البعث، امر أراه مهماً بحد ذاته. من الصعب خلال ثلاثة أيام أن تؤسس هذه المداخلات وتطرح رؤى جديدة مختلفة. ربما تستطيع ان تطرح بعض الأسئلة التي من الممكن ان نعمل عليها في ما بعد، لن ننتظر إجابات جاهزة، سيكون هناك تساؤلات وكل سيفكر بصوت عال لأن الجميع يعلم أن قصيدة النثر نفسها في مأزق اعتماد على قوانين ورؤى سابقة وهي في جوهرها عبارة عن تجريب. ? علاء خالد: تشكيل هش 1 نشأة فكرة القصيدة مرتبطة ببيروت والشام، بأنسي الحاج ومحمد الماغوط... هذه من أهم الأسماء التي كنت أقرأ لها، ومع أني لم أعاصر مجلة شعر لكن جيلنا عاش فترة طويلة على هذا الميراث. إذاً، هذه الفترة والأسماء كانت، بالنسبة إلي، منطلقاً لقصيدة النثر. لذلك لا أعتبر ان وجود مؤتمر قصيدة النثر في بيروت أمر غريب. لكن فكرة التوقيت هي المستغربة إذ كان على هذا المؤتمر أن ينعقد قبل عشرين عاماً. 2 لا أعتقد ان هذا هو الوقت المناسب لمناقشة هذا النوع من القصيدة، والسبب يعود إلى أن الفكرة الشعرية قائمة الآن على مجموعة مثقفين يكتبون الشعر أكثر من كونها قائمة على فكرة الحوار الإجتماعي أو وجود جمهمور يتقبل هذا النوع من القصيدة. التراكم هو تراكم كتّاب لا تراكم حوار مع الجمهور. وانعقاده كان سيظل مقبولاً لغاية بداية التسعينيات، إذ كان هناك توهج وتنظير يطال القصيدة النثرية التي كانت تحمل نوعاً من الثورية. 3 فكرة المؤتمر سحبت، ليس بوعز ثقافي ولكن بوعز السياسة والإقتصاد. الفكرة الثقافية الآن باتت مهمشة، صعب على قصيدة النثر الأكثر رهافة ألا تتأثر، إذا كانت الرواية نفسها قد تأثرت فما بالك بالقصيدة؟ أي فكرة ممكن ان تناقش حتى ولو كانت قديمة. السؤال هو هل يعقد المؤتمر مع تجديد لقصيدة النثر؟ إذا كانت هذه هي الفكرة المحورية، يجب ان يكون هناك تنظير حول الشعرية الجديدة، أياً كانت مسمياتها وأشكالها. القصيدة النثرية هي تشكيل هش. لست أدري ما هي التوقعات من هذا المؤتمر لكن وجهه الإيجابي يكمن بإعادة طرح تساؤل لم يطرح منذ زمن. كان من المهم ان يناقش الموضوع على مستوي تمثيل أكثر من قبل النقّاد، لأننا بحاجة الآن إلى تأصيل نظري وبحث وإعادة الحياة إلى الموضوع المطروح.