As Safir Logo
المصدر:

غبريال يمين ورندة الأسمر في <النشيد> على مسرح أتينيه جونية ما أجمل الأداء

رندة الأسمر وغبريال يمين في مشهد من المسرحية (علي لمع)
المؤلف: عيتاني اروى التاريخ: 2006-05-17 رقم العدد:10394

الشيطان يتسلى اكثر بالفقراء، يعايرهم بتفاهاتهم ويتسلى بأحوالهم. هو صانع ظروفهم، يلهو بهم في أوقات فراغه سأماً من عالم الأغنياء، ليتحكم كاليويو بامراة ورجل، شغله الشاغل، الذي لا ينفك يذكرهم بخيباتهم وزلاتهم، في عرض النشيد ، لغبريال يمين. في النشيد، رجل وامرأة وثالثهما الشيطان، المنزوعة عنه صفة الغواية، والذي اكتفى بنثر العبثية الى اقصى حالاتها، على خشبة مسرح الاتينيه جونية، في عرض النشيد للكاتب الهنغاري جيورجي شوازدا، ترجمه للعربية غابريال يمين ورندة الاسمر، تمثيل رندا الاسمر، غبريال يمين، انريكا بربغالو، ناظم فرح، دانيال بلابان، وغبريال يمين، اخراج غبريال يمين. حب من نوع آخر عبثية زواج ميت، يحيا مع كل طلعة فجر، ويموت قبل طلوع الفجر، بين الشتائم والعنف والقسوة والسكر. رجل لعنته الحياة. مهمش يتاجر ببقايا الطعام، مراهنا على بقايا رجولته التي لا تنفك تظهر بعد الشرب، ليتحول الى وحش كاسر وبذيء، ومواطن من الدرجة الاولى، يوقظ اهل المنزل لغناء النشيد الوطني بعد كل ما يرتكب بحق زوجته وجيرانه. وهي، امراة عاشقة حتى الدم، غبية، حانية وراضية بما عرضته عليها الحياة. ثنائي رندة وغبريال، قدما لنا عرضا، من تلك العروض، التي تنقلك ببساطة، من حال الى حال. غبريال يمين، في اختياره نص النشيد ، كان امام نص كلماته لا تجيد الادعاء، ولا اللف والدوران، كلمات تضع يدها على الجرح، ليس طلباً للمداواة، بل من باب وصف عبثية فلسفة الحياة، حياة الفقراء، حياتهم بعد منتصف الليل، امّا الاصعب فكان في الاحتفاظ بهذه البساطة في الاداء ايضا، لان النص لم يقدم سوى حالة، اخراجها يحتاج إلى خصوصية معينة في المعالجة، غير ان غبريال يمين، بدا متقدا مع نصه، واقول نصه، لانه اضاف الكثير من شخصية غبريال خارج الخشبة، حمّله همومنا، حتى تقمصت الكلمات روح المخرج اولا، والممثل ثانيا. تعامل المخرج مع العبثية بأسلوب هادئ جدا، بصمت قد يتنافر احيانا مع جنون هذه العبثية، التي تجلت في عمله من خلال الاداء الممتع الذي قدمه لنا مع رندة الاسمر، ولعل هذا من النقاط الايجابية للمسرحية، حين سمعنا قصص العنف، والضرب والشتائم، فقط على لسان الشخصيات داخل حواراتهم الحميمة، بشكل كاريكاتوري، عفوي، ساكن، وشعرنا بالكم الكبير للكوميديا التهكمية وراء الكلمات. العنف أجادوه كلغة رومانسية معتمدة في علاقتهما، رأينا انعكاساته على المرأة، لكن بالرغم من القساوة، كنا امام عاشقين يوتواتان على مقعد في حديقة. حب من نوع آخر. حب واقع تحت أنظار الشيطان الذي تجلى في عدة شخصيات سمعنا عنها من فوزي و رنّود ، ورأينا عينيه المكحلتين على الشاشة في الجزء الاخير، كشف نفسه ورحل. في نشيد غبريال ما اجمل الاداء الذي قدمه لنا غبريال ورندة. كانا مقنعين في كل ما قاما به وقالاه، أحيانا كانا مدهشين في الدرجة نفسها، وأحيانا تباريا في نيل لقب الافضل، دون قصد منهما. في خفّيها وجوربيها السوداوين، ونظراتها الفارغة الحزينة، بدت رندة الأسمر في أبهى دور قدمته مؤخرا، خلقت شخصية ممتعة، تتمنى صفعها للضعف الساكن فيها، وتقبيلها اشفاقا على حالها، فهمت بذكاء النص ولعبة الاخراج، وعملت على هذا الاساس، لنشعر بأنها تخلت عن كل ما سبق وقدمت، وعادت تلميذة في دورها الاول، تجرب، تتلبك، تتلعثم، لكسب ودّ جمهورها الاول، وليس الجمهور الذي اعتادت ان تمثل امامه. وبالفعل كانت بريئة جدا، امراة جدا، وعاشقة جدا جدا. غبريال مع لهاثه، وصوته المنخفض وانفعالاته المكبوتة، عبّر بصدق عن الشخصية المهزومة والمنسحقة تحت وطأة الفقر والسكر، نظراته تشعبت، بدت مؤثرة حينا وبلهاء حينا آخر، كان القاتل الذي تبرر له بسهولة كل ما ارتكبه من جرائم، كأننا نشاهد الشخصية، او فوزي من وجهة نظر الكاتب، ومن وجهة نظر غبريال، الذي لعب الشخصية في كل ما حملته من ايجابيات، لكن تلك الايجابيات التي تحمل تأثيرا سلبيا على المرء، بطريقة كوميدية كاريكاتورية مضخمة احيانا، ولعب الناقض والمنقوض ببراعة كبيرة. كما قلنا قام العرض على تكرار المشاهد، الرتابة في حياة البؤس، لكن هذا البطء المعتمد في طريقة الاداء لم ينبض دائما وقعه في الصالة، لاننا على قدر ما غرقنا في عالم المسرحية الشاحب، وصلنا الى درجة لم نعد فيها قادرين على الاستغراق اكثر، لهذا الهدوء المبالغ فيه، غير المدعّم الا بأداء عالٍ وسينوغرافيا جذابة، والذي جعلنا نشعر بأن العرض يفتقد شيئا ما، خطا خارجيا، بعيدا عن المساحة التي تضم الاحداث داخلها، ليعطي هذه المساحة بعدا اكبر لدى الجمهور. حتى وجود الشّاشة المعلّقة، لم ينجح بخلق الواقعيّة المطلوبة، فكل العناصر تشبثت بالاداء والايقاع الرتيب، فتقلصت وفقدت من حيويتها، وهذا ما لاحظناه عندما كانت الشخصيات تصمت او تخرج، كنا نشعر بفراغ معين، وبأنّ البقية المعروضة امامنا، تبدو بسيطة مقارنة بالنص والاداء: اولا الشخصيات المساعدة، بقيت عادية جدا، ساعدت على تطور الاحداث، لكن ادخالها لم يكن موفقا ومنسجما مع الجو العام، أمّا الحاضرة الأكبر فكانت مدام عيساوي الجارة او الشيطان، التي ساعدت العائلة من وجهة نظرها، والتي ظهرت من خلال عينيها على الشاشة في الجزء الاخير، ما دعم الفكرة بطريقة مبتكرة، بعد ان تعزز دورها من خلال كلام الزوجين المستمر عنها. السينوغرافيا (علي شري)، على رغم جمالها (عواميد عوجاء لبيت شعرنا بأنه سيتهدم في اي لحظة على رؤوس الزوجين، مع الخشبة المارة في الوسط) كونت صورة جميلة فعاليتها بقيت محدودة، وتقنية اهتزازها التي اجتاحت نهاية كل مشهد كانت بحاجة إلى تضخيم اكثر، ولم تتطور مع تطور الاحداث، لذا لم يقنعنا تكرارها بالرغم من انسجامها مع الفكرة. الاخراج كان دقيقا جدا، كأنّ المخرج استعمل سياسة النفس الطويل، أي بدا كأنه صبر على هذا الرجل والمرأة، لبى دعوة كاتب حساس بدقة كبيرة، أخْذ وعطاء بينه وبين فوزي ، احبه وكرهه، وعاش طويلا في تفاصيل، معتمدا على دور الممثل وبروزه بطريقة جميلة ومحترفة على الخشبة، فكان له ما اراد، لكن للأسف، احيانا دخل في منطقة شائكة، بين ان يمثل او ان يهتم بما حوله بصفة المخرج، الامر الذي ولد لدى غبريال نوعاً من الاتكالية على اسلوبه الادائي المعتمد، مكتفيا برسم الشخصية وتطورها، بعيدا عن تقديم بعض التوابل الاخراجية، او بعض البراغي، التي كانت مفقودة لربط المشاهد، وهذا ما ادى الى إضعاف اللعب عامة. النهاية بدت مؤثرة جدا، جاءت نتيجة لعبة تشويق مستمرة من الزوجين، سمعنا منهما اخيرا النشيد الوطني، هذا النشيد سبب عذابهما الابدي، اللعنة التي طالت حياتهم، والتي إثرها افترقا إلى الابد. عرض النشيد ، عرض للمشاهدة، لممثلين مبدعين، شابين بكل معنى الكلمة!

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة