لم تستطع نبيهة لطفي أن تحبس، طويلاً، دمعة كادت تفلت منها كي تسقي بها بعضاً من حنين إلى مدينتها. لم تقدر أن تمنع انفعالاً طيباً ألمّ بها وهي واقفة أمام حشد من الأصدقاء والمعارف والمقرّبين إليها، فإذا بها تُعلن حبّها العميق للناس والشوارع والذكريات، وإذا بها تنتصب شابّة قوية أمام مدّ السنين، وحكيمة ممتلئة نعمة الحبّ والحماسة والشوق إلى عيش الحياة في كل لحظة، وعاشقة متيّمة بالذين تحلّقوا حولها، وبالمدينة التي خرجت منها إلى رحاب الدنيا، وبالفرح الذي صنعته بشغف حقيقي لمواجهة المقبل من الأيام. كأن الدمعة التي كادت تفلت من عين لا تني تتطلّع إلى الغد، وإن لم تنس يوماً ذاكرة تغلي عيشاً دؤوباً، أرادت أن تشقّ الاحتفال الرسمي، وأن تحوّل اللقاء إلى شعلة انفعال صادق ورغبات تعلن شباباً يتوق دائماً إلى مزيد من الاختبارات. أو كأن السيدة الواقفة عند التقاء الأزمنة والتفاصيل سعت، بما لديها من جمال عميق في ذات لا تهدأ حيويتها، وفي روح مشعّة أبداً بنشاط لا مثيل له، إلى إعادة صوغ المشهد كلّه: ابنة هذه المدينة المطلّة على البحر والتاريخ والحياة، تُكرّم الذين أرادوا تكريمها. هكذا بدت نبيهة لطفي في حفل تكريمها أمس الأول السبت في دار بلدية صيدا. هكذا استمعت إلى كلمات، والتقت أحبّة، وصافحت أناساً. هكذا قالت كلمتها المشحونة بكَمّ جميل من المشاعر والحنين والفرح. هكذا نظرت إلى شريط طويل من الذكريات والحكايات المرشّحة، أبداً، إلى استكمال مسارها الإنساني. وهكذا عرفت، ببراعتها في التقاط الإشارات والمبطّن في الكلام أو التعبير أو الموقف، كيف تعيد للحفل زخمه الإنساني، بعد وقوعه للحظات في مطبّ السياسة المحلية بنزاعاتها واحتدام عصبيّاتها، ونجحت في إخراجه من رتابة القواعد التنظيمية المعتادة في ظرف كهذا، وفي جعل اللقاء أكثر جمالاً وبساطة. سياستان ذلك أن السياسة اللبنانية العصبيّة حضرت في الحفل، لأن الاصطفاف السياسي لا يزال يرسم الخرائط الضيّقة في جسد هذا البلد المنذور للتشرذم والصِدامات الداخلية. فإذا بالردّ الأجمل عليها يكمن في اللحظة الإنسانية الأقوى التي صنعتها نبيهة لطفي بإطلالتها على المنبر، وإذا بالفن السينمائي يقوى، وإن لدقائق جميلة، على هذا المناخ السياسي الموبوء والبغيض. ظهرت الحساسيات السياسية عندما أشار وزير الثقافة اللبنانية طارق متري إلى أن رئيس الحكومة فؤاد السنيورة حدّثه عن المُكرَّمة بشيء من المودّة وبكثير من الاحترام، عشية حفل التكريم هذا. بدا متري كأنه ينقل، بمصداقية، ما جرى من حوار بينه وبين السنيورة بخصوص إحدى أبرز المخرجات الوثائقيات في لبنان والعالم العربي. لكن ردّة فعل الحاضرين عكست المناخ الطبيعي لهذا الاصطفاف السياسي: لم يُصفّق أحدٌ منهم، باستثناء قلّة قليلة للغاية، بينما ضجّت القاعة كلّها بالتصفيق الحارّ والمدوّي، ما إن نطق متري اسم رئيس الجمهورية إميل لحود، الذي قرّر منح لطفي وسام الأرز الوطني من رتبة فارس . الوسام إذاً، كرّمت بلدية صيدا ابنة المدينة نبيهة لطفي، بينما منحتها الجمهورية اللبنانية وساماً رفيع المستوى. وبينهما، مرّر فؤاد السنيورة موقفه من المُكرَّمة، مُعلناً بشيء من المواربة حضوره، هو أيضاً، هذا الحفل. على الرغم من هذا كلّه، فإن نبيهة لطفي تستحقّ التكريم، ليس فقط لأنها ابنة المدينة، أو لأن اللجنة الثقافية قرّرت، كما أشار يوسف الجباعي في كلمته، أن تُكرّم أبناء المدينة الفاعلين في المجتمع والثقافة والفنون، أو لأنها أنجزت كَمّاً من الأفلام الوثائقية شارك بعضها، على الأقلّ، في صنع منعطفات تاريخية ونقدية في مسار السينما الوثائقية العربية. تستحقّ لطفي تكريماً يومياً لأنها التزمت هموم الفرد وهواجسه وموقعه في الجماعة والثقافة والتاريخ. بعيداً عن اللحظات المفعمة حبّاً وجمالاً إنسانياً، وخارج الإشارات السياسية الواضحة، أجمع المتحدّثون (غاب جان شمعون لأسباب خاصّة) على الخصوصية الإنسانية التي تتمتّع بها لطفي، وعلى الربط الثقافي والحياتي بين لبنان ومصر الذي اختبرته المُكرَّمة طويلاً، وعلى التفاصيل البسيطة التي تسم طبيعتها الحيّة والنابضة بالحماسة والحياة. تحدّث جباعي والبزري عن مكانة لطفي في صيدا، وعن علاقتها بمصر والسينما والناس، ولم تخلُ كلمة الزميل وائل عبد الفتّاح من الحبّ الذي يكنّه لها، مختصراً بعض أبرز سماتها المتمثّلة بالشباب الدائم وبفرح العمل وبالعلاقات الإنسانية التي تجمعها بالناس. بينما توقّف سفير مصر في لبنان حسين ضرار عند فيلمين من أفلامها هما تل الزعتر و شارع محمد علي ، كي يؤكّد التفرّد الإنساني في أعمالها. أما طارق متري، فعبّر عن شعوره بالفرح لأنه تعرّف على مخرجة مختلفة، وإن متأخّراً، ولأنه موجودٌ، في هذه اللحظة، في مدينة صيدا المناضلة . وفي ختام كلمته، منحها باسم رئيس الجمهورية البنانية وسام الأرز الوطني من رتبة فارس، ثمّ قدّم البزري هدية للطفي. نديم جرجوره