تقديراً لإبداعها في مجال السينما التسجيلية، تكرّم بلدية صيدا المخرجة اللبنانية المصرية نبيهة لطفي (مواليد 28 كانون الثاني 1937)، يومي السبت والأحد المقبلين، في الثالث عشر والرابع عشر من أيار الجاري، وفقاً لبرنامج متواضع يعكس الرغبة الصادقة في الاحتفاء بابنة المدينة، التي غادرت لبنان إلى القاهرة بحثاً عن موقع مختلف للعمل السينمائي العربي، وسعياً إلى تفعيل التواصل العربي على المستويين الفني والثقافي بين لبنان ومصر. إذا كانت حادثة انتقالها إلى القاهرة معروفة بارتباطها بموقف سياسي أبدته الطالبة، إلى جانب عدد كبير من الطلاب الجامعيين في الجامعة الأميركية في بيروت ، إزاء حلف بغداد، مما أدّى إلى فصلهم جميعهم، قبل أن يعثروا في القاهرة على حيّز مكاني لاستكمال تعليمهم العالي، فإن بقاءها في العاصمة المصرية أتاح لها تعميق التزاماتها الثقافية والسياسية والفكرية إزاء الفرد وموقعه الإنساني والحياتي في المجتمع العربي. ثم إن هجرتها إلى القاهرة في العام 1955 تمّت في لحظة تحوّل عربي شبه متكامل، نتج من تداعيات ثورة الضباط الأحرار في مصر في العام ,1952 وبدء مرحلة خصبة بالمعاني والرموز والعمل الجماعي من أجل تثبيت القدرة الذاتية على مواجهة قوى الاستعمار الغربي، بهدف تحصين هذه الذات وحثّها على التحرّر والتمرّد ومقاومة الظلم والاحتلال والقمع. صحيح أن ما جرى لاحقاً كشف عورات كثيرة لهذا التحوّل ولتلك المرحلة. لكن الأهمّ يبقى في أن نبيهة لطفي عايشت أحداثاً سياسية شهدتها بيروت والقاهرة في عصرهما الذهبي، السياسي والثقافي والاجتماعي، وانخرطت في نضال بدأ من القضية الفلسطينية واشتمل على القضايا الإنسانية والحياتية العربية المتنوّعة. في تقديمه كتابه نبيهة لطفي، مصرية من جنوب لبنان (المهرجان القومي السابع للسينما المصرية، ,2001 وزارة الثقافة، صندوق التنمية الثقافية)، كتب أحمد أبو زيد أن لطفي انتمت إلى جيل تشكّل وعيه السياسي والثقافي في فترة مزدهرة جداً من تاريخ الأمة العربية، تفجّرت فيها ثورات وطنية للاستقلال والتحرّر من الاستعمار، وتعالت فيها النداءات المطالبة بالقومية والوحدة العربية، وتناثرت الأحلام والوعود بمستقبل عربي جديد ومشرق . أضاف أن جيلها اعتنق المبادئ الاشتراكية، وآمن بأفكار العدالة والمساواة ، لكنه اصطدم فيما بعد بانهيارات متلاحقة لكل ما آمنت به وعملت من أجله، ولتفيق على أوضاع لا معقولة من حروب أهلية، وانشقاقات وخلافات عربية، وهزائم وانكسارات لا تزال تعاني منها الشعوب لغاية الآن . لا يُمكن اختصار السيرة الذاتية والمهنية لنبيهة لطفي. ففي خلال أعوام طويلة من العمل السينمائي المتميّز بالتزاماته الإنسانية والسياسية والمجتمعية، أنجزت لطفي كمّاً من الأفلام الوثائقية، وشاركت في تأسيس جمعيات وتنظيم مؤتمرات وعقد ندوات، مع أنها بدأت حياتها المهنية صحافية في دار الصيّاد ومدرّسة الأدب العربي في مدرسة منشأة المقاصد ، قبل أن يُقنعها صديقها الناقد الأدبي سامي خشبة بالالتحاق بالمعهد العالي للسينما، الذي تمّ افتتاحه في العام .1960 لعلّ أحد أجمل الأوصاف التي قيلت عنها، تكمن في تعبير المخرج محمد كامل القليوبي، الذي اختصر، بشكل غير مباشر، حماستها الدائمة للعمل: إنها الشخص الوحيد في العالم الذي لا أستطيع أن أقول له إني يائس ومحبط. عندما تبدأ نشاطها في تأسيس الجمعيات والمؤسّسات السينمائية المصرية والعربية والإقليمية، لا بدّ من الاستجابة لها . في حين أن المخرج داود عبد السيد قدّم صورة عامة عن الحركة السينمائية التي انتمت إليها لطفي، وساهمت في تطويرها: عرفتها في نهاية الستينيات في جماعة السينما الجديدة، أول تجمّع ثقافي من مثقفي السينما الحالمين بالتغيير وصنع فن مختلف صادق وراق. كانت أحد أوتار هذه المجموعة وحالة منفردة إنسانياً. شبكة علاقاتها تمتد طولاً وعرضاً في البلاد العربية والأوروبية، ومع فئات المثقفين كلّها . من جهته، رأى الناقد كمال رمزي أنها تفرح للآخرين. في المناسبات السعيدة، تملأ المكان بهجة، وتبدو بدمعة السرور في عينيها أكثر غبطة من صاحب الفرح. وفي مواقف الحزن، تكون أشدّ المحزونين. إن حضورها قوي وعميق، دائماً . وقال المونتير أحمد متولي أن الأهم من العمل المهني في السينما هو العمل العام والعمل الاجتماعي الذي ساهمت فيه بشكل رائد ، بينما وصفها المخرج رأفت الميهي بقوله إنها عنصر مؤثر في جيلي كلّه، على المستويين الفني والثقافي. وهي ناقدة وذوّاقة سينمائية من الدرجة الأولى ، مضيفاً: كمخرجة، أعتقد أنها مظلومة. كان يجب أن تكون لها مساحة أكبر . برنامج الاحتفال السبت، 13/,5 السابعة والنصف مساء، في دار بلدية صيدا: كلمات لرئيس اللجنة الثقافية يوسف الجباعي ولرئيس المجلس البلدي عبد الرحمن البزري والزميل وائل عبد الفتاح والمخرج اللبناني جان شمعون وسفير مصر في بيروت حسين ضرار ووزير الثقافة طارق متري الذي يمنحها وساماً رفيعاً باسم رئيس الجمهورية اللبنانية، ثم تلقي نبيهة لطفي كلمة، قبل بدء حفل استقبال يُقام في حديقة مبنى البلدية. الأحد، 14/,5 الخامسة والنصف عصراً، مركز معروف سعد الثقافي: عرض عدد من أفلامها، ثم ندوة تشارك هي فيها، إلى الزميل وائل عبد الفتاح وجان شمعون.