بعد العفوية والتلقائية الرائعة التي اتسمت بها نهائيات كأس العالم لكرة القدم التي أقيمت في المكسيك عام ,1970 اكتسب هذا المحفل العالمي الكبير مفهوما جديدا في البطولة التي استضافتها ألمانيا في عام ,1974 حيث تغلبت فكرة الاداء الجماعي للمنتخب وعمله مثل ماكينة واحدة على الفنيات الفردية والاداء الابداعي الممتع. وجاء أداء المنتخب الهولندي في هذه البطولة أشبه بأعجوبة تكنولوجية محكمة وهو ما عرف آنذاك بالكرة الشاملة لكنه فشل في تحقيق الفوز على البلد المضيف ألمانيا الغربية. واتسمت منافسات كأس العالم منذ هذه البطولة بالعالمية بالفعل، حيث شاركت 99 دولة في التصفيات سعيا وراء الوصول الى النهائيات. رئيس جديد لل فيفا قبل انطلاق المباريات انتخبت الجمعية العمومية للاتحاد الدولي بكرة القدم البرازيلي جواو هافيلانج رئيسا لل فيفا خلفا للإنكليزي السير ستانلي راوس الذي تولى الرئاسة من 1961 الى ,1974 وشكل انتخاب هافيلاج في ذلك الوقت الذي أصبح الرئيس الثامن لل فيفا منذ العام ,1904 نقلة نوعية للاتحاد وجميع مسابقاته، وفي طليعتها كأس العالم التي شهدت تغييرات عديدة في عهده أبرزها رفع عدد المنتخبات في النهائيات من 16 الى 24 ثم الى 32 كما هو الآن. غياب إنكلترا وفرنسا والاتحاد السوفياتي مرة أخرى، ضربت المفاجآت بقوة خلال مراحل التصفيات فلم تتمكن إنكلترا وفرنسا والمجر من التأهل للنهائيات عن القارة الاوروبية. وفي تصفيات وسط وشمال أميركا، تمكنت هايتي إحدى جزر الكاريبي من التأهل بدلا من المكسيك التي اعتادت الظهور في النهائيات السابقة، ووضعت أستراليا أوقيانوسيا على خريطة كرة القدم العالمية عندما تأهلت للنهائيات للمرة الاولى بعد تغلبها على كوريا الجنوبية في مباراة فاصلة. وأظهرت السياسة وجهها القبيح في هذه البطولة أيضا عندما جاء الدور على الاتحاد السوفياتي ليلتقي مع تشيلي. وبعد التعادل السلبي في موسكو رفض المنتخب السوفياتي السفر إلى سانتياغو واللعب في الاستاد الوطني الذي شهد سوء معاملة مجموعة من المنشقين على النظام العسكري في تشيلي. وقرر ال فيفا إبعاد الاتحاد السوفياتي وتأهلت تشيلي إلى نهائيات كأس العالم. ولم تسهل وطأة الاوضاع السياسية العالمية من مهمة الدولة المضيفة، لأن البطولة أقيمت بعد فترة وجيزة من أزمة النفط في عام 1973 وفي بلد كان يعج بالجواسيس في وسط ما سمي بالحرب الباردة. وفوق كل ذلك خشي المنظمون من وقوع هجمات إرهابية محتملة لان الاحداث التي وقعت في دورة الالعاب الاولمبية التي استضافتها مدينة ميونيخ الالمانية في عام 1972 عندما قامت مجموعة فلسطينية بالهجوم على مقر البعثة الاسرائيلية ما خلف 11 قتيلا، كانت لا تزال حية في ذاكرة العالم عموما، والالمان خصوصا. ولحسن الحظ ومع تكثيف الاجراءات الامنية لم تتكرر الواقعة في كأس العالم .1974 هولندا وكرويف وكما كانت الحال في كل مرة وبمجرد أن بدأت الكرة في الدوران، نسي الجميع كل هذه المشاكل وأقيمت المنافسات في الفترة من 13 حزيران إلى 7 تموز وتميزت بظهور المنتخب الهولندي بقيادة لاعبه الفذ يوهان كرويف. وكان نادي أياكس أمستردام الهولندي الذي فاز بكأس أوروبا ما بين عامي 1971 و1973 هو أول من ابتكر طريقة الكرة الشاملة . وغيرت هذه الطريقة مفهوم كرة القدم بنسبة 180 درجة. ولم يعد اللاعبون يشغلون مراكز ثابتة في الملعب أو يتولون بعض المهام بعينها حيث ميز الاداء الهولندي الهجوم الجماعي والدفاع الجماعي وتغيير أماكن اللاعبين في ما بينهم باستمرار أثناء المباراة الواحدة. وساعدت هذه الطريقة الديناميكية المنتخب الهولندي، الذي ضم مجموعة من الاسماء البارزة، مثل كرويف ويوهان نيسكيننز وجوني ريب وروب رينسنبريك، والذي تغلب على الارجنتين والبرازيل وسط دهشة عالم كرة القدم. وفي الوقت ذاته كان المنتخب الالماني الغربي يتقدم من الجهة الاخرى وبورقة لعب تشبه إلى حد بعيد الاداء الجماعي لكنه كان أكثر بدائية. ألمانيا الغربية تسقط امام الشرقية وزادت كفاءة المنتخب الالماني فقط عندما أضيفت إليها حماسة اللاعبين، لأنهم عندما افتقدوها أمام أبناء العم في ألمانيا الشرقية في المباراة الاخيرة من دور المجموعات، خسروا المباراة. وانتهى اللقاء الوحيد الذي جمع بين الدولتين الذي كان يفرق بينها السور الشهير بفوز ألمانيا الشرقية (1 صفر)، بفضل الهدف الذي سجله يورغن سبارفاسر. لقاء العمالقة وبعد تجاوز هذه الصدمة، واصل منتخب ألمانيا الغربية طريقه إلى المباراة النهائية بثبات حيث كان ينتظره المنتخب الهولندي كما كان متوقعا. وكان على رأس قيادة المنتخبين عملاقان من عمالقة كرة القدم هما الهولندي كرويف والالماني فرانز بيكنباور. وأشارت الترشيحات التي أتت من مختلف أرجاء العالم إلى أن كفة الهولنديين أرجح للفوز باللقب. وفي 7 تموز ,1974 وأمام 78 ألف متفرج احتشدوا في استاد ميونيخ الاولمبي، وقف القدر إلى جانب ألمانيا. ففي الدقيقة الثانية، احتسب الحكم الإنكليزي جون تايلور بكل جرأة أسرع ركلة جزاء بتاريخ النهائيات وكانت لمصلحة هولندا، فتصدى نيسكيننز للكرة وأودعها مرمى سيب ماير. وبعد سيطرة هولندية واضحة بقيادة كرويف، جاءت الدقيقة ال 25 ليحتسب الحكم هذه المرة ركلة جزاء لمصلحة ألمانيا، انبرى لها بول برايتنر واودع الكرة بمرمى الحارس الهولندي أدريانوس هان محققا التعادل (11). وقبل نهاية الشوط الأول بدقيقتين جاء دور الهداف غيرد موللر ليحرز برأسه هدف التقدم (21)، لألمانيا. وفي الشوط الثاني بقيت النتيجة على حالها، لتكرس على الأرض خسارة الكرة الهولندية الشامله أمام الحظ الألماني. الكأس الجديدة وحصلت ألمانيا الغربية على لقبها العالمي الثاني بعد عام ,1954 ورفع بيكنباور قائد المنتخب الالماني كأس العالم الجديدة ليحتفل بها مع الجماهير. وكانت البرازيل قد احتفظت بكأس جول ريميه الى الابد بعد فوزها به للمرة الثالثة في عام 1970 وقدم الاتحاد الدولي لكرة القدم كأسا جديدة. واختير التصميم الذي قدمه الايطالي سيلفيو غاتسانيغا، وبلغ ارتفاع الكأس الجديدة 36 سنتيمترا واحتوت على نحو خمسة كيلوغرامات من الذهب الخالص وهي على شكل يد تمسك بالكرة الارضية. بولندا ثالثة ولاتو هدافاً وقبل المباراة النهائية بيوم واحد، أجريت في الملعب ذاته وامام 10074 متفرجا مباراة المركزين الثالث والرابع، حيث حلت بولندا ثالثة بفوزها على حاملة اللقب البرازيل بهدف وحيد سجله غرزيغورز لاتو في الدقيقة ,76 الذي رفع رصيده من الأهداف الى سبعة توجته هدافا.( السفير د ب ا)