As Safir Logo
المصدر:

المحرقة انتقلت فعلاً إلى فلسطين

المؤلف: سحاب الياس التاريخ: 2006-04-14 رقم العدد:10369

في كثير من لحظات المعايشة ليوميات الصراع على فلسطين (ومنها هذه اللحظة الراهنة)، يتراءى لي الشكل الذي يمكن ان يكون عليه استذكار البشرية لهذا الصراع، فيما لو قدر للحياة البشرية ان تستمر على هذه الكرة الارضية، حتى بلوغ القرن الثلاثين، فيبدو لي ان البشرية ستستعيد ذكرى الصراع على فلسطين بشكل ملحمة اسطورية مأساوية، على غرار الملاحم اليونانية القديمة، وهي ملحمة ستحمل في الغالب عنوانا يتراوح بين »المحرقة« او »المجزرة« او »الشتات«، او ما شابه ذلك، من عناوين. تحركت في مخيلتي هذه الخواطر مجددا، وأنا أطالع خبرا مثيرا صدر مؤخرا عن المركز الالماني للابحاث عن النازية. فقد أكد مدير المركز، المؤرخ كلاوس مايكل، أنه اكتشف مع زميله المؤرخ مارتن كوبرز في دراسة جديدة عن تاريخ النازية والمسألة اليهودية، نشرت في المانيا في الشهر المنصرم (آذار)، ان النازيين أنشأوا في العام 1942 فرقة »الموت المتحرك«، مهمتها ابادة اليهود في فلسطين، بطريقة مشابهة للمحرقة في شرقي اوروبا. ويضيف الخبر ان الفرقة كانت تشكل بالفعل جزءا من »فيلق أفريقيا« الذي يقوده الجنرال رومل، وانها كانت تتجه بالفعل الى تنفيذ مهمتها في فلسطين، لولا هزيمة رومل على ايدي الحلفاء بقيادة مونتغمري. قد يوحي هذا الخبر للوهلة الأولى، أنه مجرد نبش في وثائق تاريخ توقف، لكن نظرة أعمق الى مجرى الصراع على فلسطين، سرعان ما تؤكد ان الخبر حديث عن تاريخ مستمر ومتواصل، لم يتبدل فيه سوى موقع الاطراف، وان »المحرقة« قد انتقلت فعلا الى فلسطين، لكن الجلاد اصبح الحركة الصهيونية (ومن خلفها القوى الدولية) بدلا من النازية البائدة، والضحية لم تعد يهود اوروبا بل عرب فلسطين. لقد دخل مصير عرب فلسطين (في الحقيقة وليس في المجاز، في الواقع وليس في الاسطورة الملحمة) إطار »المحرقة«، لكنها »المحرقة« الابشع والاشد هولا، لأن الضحية فيها ليس الانسان فقط، كما في المحرقة الأولى، بل الانسان والارض والقيم. وهي محرقة يتكافل على القيام بأدوارها الحركة الصهيونية (مجسدة بكامل اجهزة ومؤسسات دولة اسرائيل) والمجتمع الدولي (مجسدا بالولايات المتحدة الاميركية والاتحاد الاوروبي والأمم المتحدة)، ويبدو في المشهد الخلفي، ولكن على الهامش، شريك ثالث في المسؤولية هو العجز العربي، الذي انتقل منذ مدة غير قصيرة، من مرحلة التخلي واللامبالاة، الى مرحلة التواطؤ. ماذا تعني غير ذلك، المواقف العملية الاخيرة، المتكاملة بين الولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي (وربما بعض العرب المقتدرين ماليا)، التي قررت فجأة قطع المساعدات نهائيا عن اي مؤسسة فلسطينية ذات صفة سياسية، والاكتفاء بالمساعدات ذات الصفة الانسانية؟ ماذا يعني هذا الموقف، كرد عملي على نتائج الانتخابات الديموقراطية الفلسطينية، التي لم يستطع اي طرف (بمن في ذلك اسرائيل) الطعن بنزاهتها وشفافيتها؟ ماذا يعني هذا الموقف، عندما يتكامل مع سلسلة ممارسات اسرائيلية على كامل التراب الفلسطيني، لا تخالف فقط كل قرارات الأمم المتحدة ذات الصلة، بل كل الاتفاقيات والاعراف الدولية ذات الصلة (اتفاقيات جنيف على وجه التحديد)، فتستولي على كامل الارض الفلسطينية احتلالا، وعلى كامل الموارد الطبيعية في هذه الارض، وعلى حياة الناس بكل تفاصيلها، بما في ذلك الدخل المادي للجمارك العائد قانونا للسلطة الفلسطينية، وتواصل منذ عقود من السنين، عمليات التغيير السكاني والجغرافي لكل شبر في ارض فلسطين التاريخية، في عملية ابتلاع صريحة لفلسطين وشعبها وحقوق هذا الشعب، امام انظار العالم بأسره، وتحت اشعة الشمس الساطعة؟ ومن غير اي انحياز غير موضوعي لحركة حماس، ومن غير اغفال لكل النواقص في استراتيجيتها السياسية (اضافة الى التكتيك)، التي كشفها الانتقال من المعارضة الى الحكم، فإن منظمة حماس (مع المنظمات المتشددة الاخرى) كانت، وما زالت حتى اشعار آخر، العامل الوحيد على ارض الصراع، الذي يشكل صلة ما (بغض النظر عن التقييم العملي لفعاليتها) بين الفلسطينيين والجذر الاساسي لقضيتهم، ويشكل عنصرا من عناصر الصراع يشده (بنجاح مرة، وفشل مرة اخرى) الى طبيعته الاصلية، بصفته صراعا يخوضه »شعب له وطن، وله حقوق سياسية«، وليس بصفته الهجينة (التي يحاولون تحويلها الى صفة اصلية)، كمجرد »عنف ارهابي« تمارسه مجموعات من اللاجئين (في وطنهم كما في الشتات)، اقصى ما يمكن ان يستحقوه (بعد التخلي عن »الارهاب«، والتنازل عن الوطن) المساعدات الانسانية، التي يستحسن عدم توقفها، لاسباب لها علاقة بنجاح المخطط الأصلي، وليس لأسباب انسانية او اخلاقية، كما يحاولون ايهامنا. ان هزيمة رومل على يد مونتغمري في معركة العلمين، لم توقف وصول »المحرقة« الى ارض فلسطين، انها لم تفعل سوى تبديل الادوار، وتطوير حجم وطبيعة فرقة »الموت المتحرك« المولجة بالتنفيذ. اما »المحرقة« فقد وصلت الى فلسطين، وما زالت مستمرة حتى هذه اللحظة. (*) كاتب لبناني

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة