خرجت البلاد من دائرة »الحوار المعلّق«، لتدخل اعتبارا من اليوم في دوامة الورقة الاصلاحية الممهدة لمؤتمر بيروت 1، والتي يبدو انها ستشكل مادة خلافية بين القوى السياسية، انطلاقا من البنود »الموجعة« التي تتضمنها وتطال مختلف الفئات، في وقت بلغت فيه الازمة المعيشية حدا لا يحتمل الانتظار. فالضرائب الجديدة والفوائد والخصخصة ورفع الدعم عن المحروقات وبعض الزراعات وإصلاح الكهرباء والضمان الاجتماعي وتجميد الاجور وغيرها من البنود التي تشملها هذه الورقة، كلها عناوين حساسة تستحق إعادة النظر بها، لكنها عناوين شكلت في الماضي وتشكل الآن محطات تستولد الكثير من الصراعات السياسية، خصوصا اذا كانت الطبقات الفقيرة والمتوسطة سيجري تحميلها مزيدا من الاعباء التي تنوء اصلا بحملها الحالي. وفي حين يؤكد رئيس الحكومة فؤاد السنيورة »الانفتاح لمناقشة اي بدائل تطرح علينا«، بدا واضحا ان مختلف القوى خارج فريق الاغلبية، تأهبت للمواجهة »الايجابية« ومناقشة هذه الورقة بكل بنودها، ويفترض ان تكون ساحة مجلس الوزراء اعتبارا من اليوم الميدان الرئيسي لهذا النقاش. وأشارت مصادر قصر بعبدا و»حزب الله« و»أمل« و»التيار الوطني الحر« وقوى أخرى، الى أن لديها الكثير من الملاحظات على هذه الورقة وستجري مناقشتها ب»المفرق« لا بالجملة. وعلم ان الحكومة ستخصص اكثر من جلسة للبرنامج الاصلاحي، بينها جلسة خاصة بصندوق الضمان الثلاثاء المقبل. كما تجري اتصالات بين الرئيس السنيورة و»حزب الله« وحركة »امل« تحضيرا لاجتماع يخصص لدراسة اوضاع »أليسار« والمنطقة التابعة لها والمشاريع التي يمكن القيام بها في هذه المنطقة. السنيورة وقال الرئيس السنيورة ل»السفير« ان جلسة مجلس الوزراء اليوم مخصصة لمناقشة الورقة الاصلاحية، مشيراً الى ان موعد مؤتمر بيروت 1 لم يحدد بعد بانتظار التوافق الداخلي، وهو يمكن تحديده خلال اسابيع قليلة بعد التوافق على البرنامج الاصلاحي من قبل المسؤولين في لبنان، حتى لا يتكرر ما حصل بعد مؤتمر باريس 2. وأكد السنيورة ان الورقة التي ستناقشها الحكومة عرضت مع مختلف الهيئات الاقتصادية والنقابية والخبراء والقطاع المصرفي، وقد »أخذنا ببعض الملاحظات المطروحة من قبل بعض الهيئات، غير اننا نجد ان الخطوات المقترحة لا بدائل لها حتى الآن لإجراء العملية الاصلاحية«. وإذ لم يستبعد السنيورة حصول مناقشات واسعة حول الورقة، نفى علمه بوجود محاولات ظاهرة للتعطيل السياسي للبنود الاصلاحية، مؤكدا »انني منفتح لمناقشة اية بدائل تعرض علينا من اي طرف أتت، من دون التفريط بالفرصة المتاحة أمامنا لإجراء العملية الاصلاحية التي يحتاج إليها لبنان للنهوض من ازمته المالية والاقتصادية«. واعتبر السنيورة، رداً على سؤال، ان خطوات زيادة الايرادات وتقليص النفقات امر اساسي لتقليص العجز في الموازنة وتقليص كلفة الدين العام، وان خطوة الخصخصة لا رجوع عنها كعملية اصلاحية، وكمورد لتقليص كلفة وأساس المديونية العامة. وشدد على ان البنود الاصلاحية هي في متناول الناس والمجتمع الذي يعرف ان التأخر في اي خطوة يزيد الكلفة على المجتمع. وكشف السنيورة رداً على سؤال آخر حول تأثير الإجراءات المطروحة على الوضع الاجتماعي أن »هناك تعديلات تجري دراستها على الشق الاجتماعي في الورقة، بما يؤمن تحسين التقديمات وتخفيف الهدر، ويحقق توفيراً على المواطنين في النفقات الاجتماعية، وكذلك يؤمن توحيد التقديمات ومعاشات التقاعد والحماية الاجتماعية«. وحول رفض المصارف اقتراح إلزامها المساهمة بمبلغ 4 مليارات دولار عن طريق الاكتتاب بسندات الخزينة بفائدة صفر بالمئة لمدة معينة، كما حصل لإنجاح مؤتمر باريس 2، قال السنيورة: »الكل يريد الاصلاح، ولكن كل واحد يحيل القضية على الآخر. فعملية الاصلاح هي مساهمة الجميع، ولكن الكل يقول ان القصة عند غيره«. وخلص السنيورة الى القول ان قضية الضمان الاجتماعي لن تبحث ضمن مناقشة الورقة الاصلاحية، وإنما في اجتماع خاص يوم الاثنين او الثلاثاء المقبلين. وكشف السنيورة ايضاً عن تحضيرات لعقد اجتماع اولي لوزراء الدول المانحة في نيويورك، نافياً عقد اجتماعات مماثلة في باريس، وقال ان موعد زيارته الى نيويورك لم يحدد بعد. المصارف: لا مساهمة من دون فائدة من جهته، قال رئيس جمعية مصارف لبنان الدكتور فرانسوا باسيل ل»السفير«: لقد سبق للمصارف ان رفضت خلال مناقشة مضمون الورقة الاصلاحية اية مساهمات شبيهة بما حصل بعد باريس 2، اي شراء سندات خزينة بفائدة صفر في المئة بمبلغ 4 مليارات دولار، نظراً لخطورة الخطوة على القطاع الذي سيخسر بالتأكيد. وأضاف: »ابلغت رئيس الحكومة، في حضور حاكم مصرف لبنان، أنه لا أحد يستطيع إرغام المصارف على خطوات من هذا النوع، باعتبار ان المصارف عندما ساهمت في باريس 2 بمبلغ 4 مليارات بفائدة صفر، كانت تحمل سندات بأحجام كبيرة وبفوائد تصل الى حوالى 16 و14 في المئة، وبالتالي كانت مساهمتها ممكنة، مراعاة للوضع المالي ومساعدة في العملية الاصلاحية التي لم تحصل، ومن دون تأثير كبير عليها وعلى ودائع القطاع«. وكشف باسيل ان المصارف اعترضت على موضوع زيادة الضرائب على الفوائد من 5 الى 7 في المئة، محذرة من انعكاس ذلك على الودائع، باعتبار ان المصارف الاقليمية والعربية بدات تدفع فوائد على الدولار، قريبة من نسب الفوائد التي تدفعها المصارف في لبنان. ورداً على سؤال آخر حول مدى مساهمة المصارف، قال باسيل: »نحن مستعدون للمساعدة في عملية الاصلاح بإجراء الخصخصة وتمويل عملية المشاريع التي تحتاج إلى إصلاح، والدخول في مساهمات مباشرة او غير مباشرة في قضية تخصيص بعض المؤسسات والمصالح المستقلة«. وجدد باسيل باسم القطاع المصرفي رفض عملية الاكتتاب بسندات بصفر في المئة، محذراً من عملية استفراد بعض المصارف في مثل هذه العملية، بعدما ترددت معلومات عن محاولات للبحث في الضغط على القطاع المصرفي لتكرار تجربة باريس 2. عناوين الورقة ماذا في ابرز عناوين الورقة التي ستكون موضع نقاش داخل مجلس الوزراء اليوم؟ 1 التصحيح المالي: يركز محور التصحيح المالي على بندين أساسيين هما: تقليص النفقات والعجز في الموازنة عن طريق إلغاء بعض المؤسسات ووقف النفقات غير المجدية، وهو شعار لم تنجح الحكومات المتعاقبة في تنفيذه طوال السنوات الماضية نتيجة الخلافات السياسية. وتركز الورقة على وقف الهدر ومكافحة الفساد، إعادة النظر في الرواتب والامتيازات في بعض المؤسسات بما فيها النواب والاسلاك العسكرية، والهدر المتصل باستهلاك البنزين وتكاليف الاتصالات في القطاع العام. زيادة الإيرادات عن طريق الضرائب والرسوم. إصلاح مؤسسة الكهرباء: وتقضي الاقتراحات بتغيير الإدارة لتحسين الفعالية، وتزويد معامل الطاقة بالغاز. وهذه التدابير لن تكفي لتقليص العجز البالغ حوالى 800 مليون دولار في نهاية العام 2005، والمرجح ان يصل الى حوالى مليار دولار في حال استمرار ارتفاع اسعار النفط العالمية. وطبيعي ان تترافق هذه الخطوة مع مضاعفة تعرفة الكهرباء باعتبارها مدعومة حالياً بنسبة تفوق الضعف، بين كلفة الانتاج وأسعار البيع. وهذا احد اقتراحات صندوق النقد الدولي بإعادة التوازن المالي عن طريق تعزيز الجباية البالغة حالياً حوالى 59 في المئة نتيجة الهدر والسرقة على الشبكات. وهذا الامر لا يمكن لفئات الشعب تحمله في ظل الظروف المعيشية الخانقة، وتوقف زيادات الاجور منذ العام 1996 وحتى اليوم. 2 في موضوع الضرائب: تحمل الورقة في موضوع الضرائب جملة تعديلات كانت نقاطاً خلافية وموضع اعتراض من قبل الهيئات الاقتصادية التي ترفض اية زيادات جديدة للضرائب. وقد اعلنت ذلك الهيئات وجمعيات التجار والصناعيين، اضافة الى الاتحاد العمالي العام، وكانت مقترحات الهيئات كما تقول اركانها ان تعمل الدولة على تعزيز الجباية من المؤسسات والمكلفين الحاليين والمكتومين، ما يؤمن نحو 700 مليار ليرة من الايرادات الاضافية قبل زيادة الضرائب. وأبرز عناوين الضرائب المقترحة هي: زيادة الضريبة على الفوائد من 5 إلى 7 في المئة بدءا من نيسان الحالي. رفع معدلات الضريبة على أرباح الشركات من 15 إلى 20 في المئة مع إلغاء ضريبة ال10 في المئة على توزيع الارباح في العام 2007، وهي امور لن تحصل في مواعيدها لأنها تحتاج الى قوانين. زيادة الضريبة على القيمة المضافة من 10 إلى 12 في المئة في العام 2006 وإلى 15 في المئة اعتباراً من العام 2008. رفع الدعم عن البنزين تدريجا وصولا إلى تحريره في 2008، وتعني هذه الخطوة ان سعر صفيحة البنزين سيصل الى حوالى 32 الف ليرة على أساس الاسعار العالمية للنفط حالياً وعلى اساس الضريبة السابقة والرسوم التي كانت تتقاضاها الدولة. وكذلك هو الامر بالنسبة لأسعار المازوت الذي تقارب أسعاره كلفة البنزين وهو معفى من الضريبة. مساهمة القطاع المصرفي: شراء المصارف سندات حكومية بقيمة 4 مليارات دولار ل3 سنوات بفائدة صفر في المئة مما يوفر 200 إلى 300 مليون دولار سنويا، وهذا امر يرفضه القطاع المصرفي او انه لا يقبل مناقشته مع الدولة سواء حصل مؤتمر بيروت أو لم يحصل. 3 خصخصة قطاع الخلوي: بالنسبة لقطاع الهاتف الخلوي وخصخصة قطاع الاتصالات، تقضي الورقة بإجراء استدراج عروض نهاية أيار 2006 وإعلان الفائزين نهاية حزيران. وهذه مشكلة لها اكثر من جانب سياسي واقتصادي ومالي. فعلى الصعيد السياسي هناك ملفات يحضرها اكثر من فريق يرفض الخصخصة شكلاً ومضموناً، ويفضل الابقاء على خصخصة الادارة. وهناك تلمحيات صدرت عن حزب الله وغيره من الاطراف السياسية القريبة له حول شكل الخصخصة وطريقة التلزيم والمشاركة. وثمة جهات تشكك في مصداقية أداء الوزارة الحالية، باعتبار ان آلية الخصخصة تفترض التعاقد مع مصارف دولية لتسويق دفاتر الشروط، وتحديد الشركات المقبولة فيما لم تعيّن الهيئة الناظمة لقطاع الاتصالات حتى الساعة، نتيجة الخلافات السياسية. وهناك نقطة اخرى اقتصادية مالية عالقة تتعلق اولاً بضمان مستقبل العاملين في القطاع، فضلا عن مشكلة المتوجبات على الدولة للشركات السابقة من جراء التحكيم، لا سيما شركتي »ليبانسيل« و»سيليس«، بمبالغ تصل الى اكثر من 500 مليون دولار، سُوي جزء منها والباقي يمكن ان يعطل اي عملية للخصخصة في حال عدم المصالحة مع »ليبانسيل« التي لها اكثر من دعوى بعدما ربحت التحكيم. 4 الإصلاحات الاجتماعية: تشمل هذه الإصلاحات توحيد الصناديق الضامنة بحدود العام 2007، واعادة النظر بتقييم دعم القمح والسكر والتبغ، وإعادة النظر بهذا الدعم الذي تعتمد عليه قطاعات واسعة من المزارعين الباحثين أساساً عن زراعات قابلة للتصدير، وهي تشكو تراجعاً في حجم الصادرات الزراعية يصل الى اكثر من 10 في المئة سنويا، على امل اقتراح بدائل مع نهاية 2006، وهذا امر غير متيسر من حيث الوقت والقدرة. 5 إصلاح الأنظمة التقاعدية: يتضمن هذا البند: أ إغلاق أنظمة التقاعد الحالية في الخدمة المدنية والعسكرية أمام الموظفين الجدد، لينضموا إلى نظام التقاعد الجديد الموحد. ب تحديد المعاش التقاعدي في النظام الجديد ب50 و60 في المئة من اساس الراتب، مع زيادة الاشتراك من 5,8 في المئة يدفعها صاحب العمل (لفرع نهاية الخدمة) حالياً، إلى 5,17 في المئة موزعة بين 5,12 في المئة على صاحب العمل و5 في المئة على العامل. ويعني هذا التوجه إلغاء نظام التعويضات في نهاية الخدمة وإلغاء تعويضات الصرف في القطاع العام وزيادة الاشتراكات على اصحاب العمل، لقاء تسوية في شأن المبالغ المتراكمة لفرع نهاية الخدمة، وهي تقدر بآلاف المليارات من الليرات وإحالتها الى نظام التقاعد والحماية الاجتماعية من دون ان تحدد الدولة مساهمتها في الفرع الجديد، وهو امر خلافي كبير بين القطاعات العمالية والموظفين مع الدولة. موقف بعبدا في هذا الوقت ذكرت مصادر رئيس الجمهورية اميل لحود الذي سيرأس جلسة اليوم انه »سيقدم مقاربات إيجابية للمشروع الاصلاحي، لأنه مؤيد لأي خطوة اصلاحية ادارية او اقتصادية، الا انه سيطرح استفسارات حول الآليات التنفيذية لبعض المشاريع المقترحة، مثل الخصخصة ومكافحة الفساد ووقف الهدر، لأن الورقة تتضمن عناوين عامة تحتاج إلى توضيحات، كما ان لرئيس الجمهورية رؤيته للإصلاح وسيطرحها للبحث، ومنها السير مثلا في مشروع وسيط الجمهورية الذي اقر ولم ير النور، وستكون ملاحظاته مستوحاة ايضاً من ردورد فعل الاطراف المعنية«. وأكدت المصادر ان الرئيس لحود ذاهب الى الجلسة بروحية التفاعل الايجابي لا التعطيل او افتعال مشكلة. العلاقات مع سوريا على صعيد آخر، علمت »السفير« ان الامين العام للمجلس الاعلى اللبناني السوري نصري خوري التقى في دمشق امس الاول، نائب الرئيس السوري فاروق الشرع، ونقل إليه مقترحات الرئيس السنيورة لجدول الاعمال المقترح للقاء بين الجانبين اللبناني والسوري، وتقرر درس هذه المقترحات وتزويد خوري بالرأي السوري حولها، واقتراحات سوريا لجدول الاعمال خلال اليومين المقبلين، وهو الامر الذي يستدعي بقاء خوري في دمشق.