نظّمت »الجمعية اللبنانية للفنون التشكيلية، أشكال ألوان«، بين الثالث والعشرين والسادس والعشرين من آذار الجاري، تظاهرة سينمائية بعنوان »السفر معلّق. هارون، كودجو وأنا«، عُرضت في خلالها أفلام وثائقية متنوّعة لهارون فاروقي وجماعة »بلاك أوديو فيلم« (قدّمها كودجو إيشون)، في صالة سينما »أمبير« في »مركز صوفيل« (الأشرفية)، وذلك بالتعاون مع »مؤسّسة هاينريش بول« (مكتب الشرق الأوسط) و»المركز الثقافي البريطاني« في لبنان. يُذكر أن هارون فاروقي ألقى محاضرة عن الصورة والسلاح، مساء أمس الأول السبت، وكودجو إيشون قدّم تأريخاً لجماعة »بلاك أوديو فيلم« مساء أمس الأحد. اختار هارون فاروقي الحرب والكاميرا عنواناً عريضاً لمحاضرة، ألقاها مساء أمس الأول السبت، قبل عرض فيلمه »الحرب بالمنظار« (2003)، وهو العنوان نفسه الذي اختاره للمحاضرة. في الفيلم والمحاضرة معاً، اتّخذ فاروقي »الحرب الأولى في الخليج« منطلقاً للبحث في هذه العلاقة المتكاملة أو المتصادمة بين أداتي أي حرب من الحروب: السلاح والعدسة، ليبحث في مقولة »حرب الصُوَر« التي اشتهرت في تلك الحرب، حين بدا للجميع تقريباً أن ما جرى في »عاصفة الصحراء« في العام 1991، كانت حرباً خاضها الأميركيون من خلال الصور، لكثرة ما التقطوه بكاميراتهم وما بثّوه في أنحاء العالم من صُوَر عنها، إلى درجة امّحت معها الحدود الفاصلة بين المشهد الحقيقي والصورة الافتراضية. أسلحة وصُوَر في محاضرته تلك، تحدّث فاروقي مطوّلاً عن تفاصيل يُمكن أن تكون مفاتيح أساسية لفهم الآنيّ في عصر الصورة والتطوّر الخطر الذي لحق بصناعتها كما بصناعة الأسلحة وآليات توجيهها واستخدامها. وتناول كيفية تصوير الحرب اليوم من خلال الصُور التي تنتجها السلطات العسكرية والإعلامية والتكنولوجية، خصوصاً أنها المرّة الأولى التي يُشاهد فيها المرء صُور الحرب »بفضل كاميرات مثبتة على صواريخ منطلقة نحو أهدافها«، وهي صُور كان مصدرها صواريخ أو »كاميرات انتحارية«، إذا جاز التعبير. واستعان فاروقي بصور بثّتها شاشة كبيرة، كي يؤكّد ما قاله: ففي هذه اللقطات المختلفة، انكشفت تقنية »الأسلحة الذكية« التي تصيب أهدافها بشكل مباشر، وتقنية التصوير التي تلتقط انقضاض الصواريخ على هذه الأهداف. كما أن لقطات أخرى أضاءت جوانب عدّة من هذه التقنيات المتطوّرة، من دون أن ينسى المُحاضِر أن البشر لا يظهرون فيها، لأن هناك »حجباً« للناس وتركيزاً على الأهداف العدوّة. بمعنى آخر، فإن الصُوَر الملتقطة في هذه الحالات بدت وكأنها مصنوعة من أجل توثيق اللحظة التدميرية، وإحداث تغيير نوعي في إدارة الحروب، وتأكيد الاستفادة المطلقة من التقنيات الحديثة في مجال استخدام الكاميرا، أي إنتاج الصُور، التي باتت، بحسب شهادة لآنيا أهمان، مكتوبة عن فيلم »الحرب بالمنظار«، »جزءاً أساسياً في صيرورة الإنتاج والتدمير«، وليست فقط »شهادة«. في مطلع المحاضرة، أشار هارون فاروقي إلى أن صانع الفيلم الوثائقي لا يملك موضوعاً خاصاً به، بل يركض وراء مواضيعه ليوثّقها، تماماً كما فعل هو في موضوع »الأسلحة الذكية«، إذ لاحقه على مدى ثلاثة أعوام متتالية. ما يلفت النظر في هذه المحاضرة، كامنٌ في أن هارون فاروقي مزج الأدب بالفكر والسياسة، ليصوغ نصّاً نقدياً وتحليلياً عن صناعتي الصورة والأسلحة في هذا العصر. قال إنه في العام 1988 كان متحمّساً جداً »للصُوَر الملتقطة من أعلى، أي الخاصّة بالاستطلاعات الجوية التي أعادتنا إلى أجواء الحرب العالمية الثانية ومعسكرات الاعتقال، إذ منحت صُوَر كثيرة فرصة الاطّلاع على قوة العنف الممارس ضد الناس، مثلاً«. ورأى أنه »في الماضي، لم يكن هناك نفاذ إلى هذه الصواريخ، ولم نكن نعلم كيف تعمل. فيما بعد، أقلقتنا هذه الصُور، التي بات يُطلق الناس عليها وصف »ألعاب فيديو«. ربما هي ليست ألعاب فيديو بالضبط، لكنها تتقاطع معها كما لو أنها مستوحاة منها (أي الصُوَر التي التقطتها الصواريخ الموجّهة إلى أهداف مباشرة، استوحت مضمونها وشكلها من ألعاب الفيديو)«. وأعطى فاروقي، هنا، مثلاً: فيلم غاس فان سانت »الفيل«، الذي أعاد صوغ الحادثة الشهيرة التي وقعت في إحدى المدارس الأميركية، حين أقدم طالبان على قتل رفاق لهما وبعض الأساتذة: »هناك صور مأخوذة من داخل المدرسة، وثّقت الحادثة والتقطت تفاصيل ما جرى«. لكنه أضاف إلى أنه »من النادر أن نرى أشخاصاً في هذه الصور، التي باتت تبدو وكأنها من دون ملامح«. الصورة صناعة وثقافة بالنسبة إلى المعتقلات النازية، فإن هارون فاروقي أنجز، في العام 1998، »صُوَر من العالم ونقوش الحرب« (عُرض مساء الخميس الفائت)، تناول فيه مسألة الصُوَر الملتقطة من أعلى، وقدرتها على كشف حقائق. ذلك أن الحلفاء قاموا بطلعات جوية استطلاعية فوق مناطق الاحتلال النازي، والتقطوا صوراً لمنشآت »إي جي فارين« الصناعية. لكن الاستخبارات المركزية لم تنتبه إلى ما رفض الحلفاء رؤيته: إلى جانب هذه المنشآت، أقام النازيون معتقلاً للإبادة عُرف باسم »أوشفيتز«. لا شكّ في أن الأرشيف الضخم من الصُور المختلفة الذي فتحه هارون فاروقي، منحه فرصة مهمة للاطّلاع على واحدة من المآسي البشرية من خلال البحث المعمّق في العلاقة القائمة بين الصورة والأسلحة. ولعلّ همّه الثقافي المنصبّ على الصورة وتطوّرها ومغازيها الثقافية والاجتماعية والإنسانية، دفعه إلى إنجاز »فيديو غرام ثورة« قبل »نقوش الحرب« بستة أعوام، إذ لاحق آلية استخدام الصور من خلال ما فعله ثوّار خريف العام 1989 في رومانيا: احتلّ المتظاهرون محطّة التلفزيون في بوخارست، وبثّوا صُوراً لمدّة 120 ساعة من دون انقطاع، فصنعوا بذلك من استديوهات التلفزيون موقعاً تاريخياً جديداً. في هذا الإطار، يُمكن القول إن أفلاماً عدّة لهارون فاروقي »متخصّصة« بموضوع واحد لا يلقى صدى جماهيرياً، على غرار أنماط أخرى في صناعة الفيلم الوثائقي، كتصميم الإعلانات في »طبيعة جامدة« (1997) والتسويق في »المقابلة« (1997). لكن المخرج الوثائقي (المولود في العام 1944 في المدينة التشيكوسلوفاكية نويتتشان الملحقة، حينها، بألمانيا) استطاع أن يُخرج من التخصّص المباشر مادة لقراءة الحياة الاجتماعية والإنسانية معاً.