صدر عن منشورات آفاق جامعية كتاب في الفكر السياسي الأرثوذكسي سعادة وعفلق لمؤلفه الأب ميشال سبع وهو مترجم عن اطروحته في اللغة الفرنسية التي نوقشت في فرنسا ضمن إطار علم الاجتماع السياسي للعالم العربي. الكتاب يتحدث عن جغرافية بلاد الشام التي ترادفت مع جغرافية انطاكية والتي شكلت قاعدة لقيام حضارات إنسانية متعاقبة تركت بصماتها على التاريخ الحضاري العام، كما استطاعت هذه الجغرافية ان تكون اساساً لقيام الديانات الموحدة المتمثلة بالدين الإبراهيمي الذي تفرعت عنه اليهودية والمسيحية والإسلامية، واذا كانت اورشليم هي الكنيسة الاولى التي مسْحَنتْ العالم فإن الدولة الإسلامية العربية لم تجد قواعد انتشارها إلا في الدولة الأموية في الشام والعباسية في بغداد. وبالتالي يرسم اهمية هذه الجغرافية في رسم التاريخ الشرق أوسطي الذي كان وما زال محور السياسة والاهتمام الدوليين. ويتحدث الكتاب عن الزعيم انطون سعادة ونظريته العقائدية في السورية القومية الاجتماعية وأهمية رؤيته الى المتحد الاجتماعي الذي اعطى علم الاجتماع المعاصر نظرة جديدة في امكانية الفرد التي تلتحم مع ارضه وتشكل تاريخه الجمعي، وفيها يبين سعادة قدسية الأرض المعطاء التي أخرجت انبياء وعظماء وعوا حس الألوهة فيهم فبشروا بها ابناءهم فصارت اللحمة بين الارض السورية والانسان السوري عضوية تنتج تاريخاً متقدماً واعياً، هذا الوعي الذي حاول الاستعمار الغربي والعثماني الأعمى ان يسدل عليه ستاراً، تارة طائفياً وتارة تبعياً بغية عدم استيقاظ الوعي لدى الشعب السوري، وهو عندما دعا الى تنظيم حركة الوعي ضمن تحريك الصيرورة التاريخية اجتمع الحاسدون تحت شعار المحافل الماسونية ليغتالوه، وهو اذ يشرح تفاصيل هذا الاغتيال يكشف عن حقبة مهمة من المشاريع الاستعمارية الفرنسية والانكليزية التي خططت من اجل تمزيق الكيان السوري وزرع دويلات طائفية. ثم ينتقل الى شرح حركة العروبة وقيام القومية العربية على يد بعض المتنورين المسيحيين ويتوقف في القسم الثالث عند عفلق المتأثر بالاشتراكية الفرنسية والذي أراد التوفيق بين القومية العربية وبين الإسلامي، واختار النبي الكريم كي يختزل فيه هذه القومية ناسياً ان التلاحم السوري قام اساساً في الهجرات العربية نحو بلاد الشام التي استطاعت الجغرافية السورية ان تهضمها وتدجنها بحيث تبنتها، وأتى الاسلام كي يعطيها وجهاً مشرقياً اصيلاً، وإذا كان بعض المنظرين البعثيين امثال منيف الرزاز قد استطاع ان يسير شوطاً مهماً في فلسفة القومية العربية إلا أن عفلق رغم علمانيته لم يستطع ان يقبل فلسفة قومية عربية خارج الإطار الإسلامي مما اوقعه في تناقض بين علمانيته وبين أسلمة عروبته، ومن هذه الزاوية استطاع زكي الأرسوزي ان يكون متجانساً اكثر مع طروحاته العربية، علماً بأن الأرسوزي وعفلق تنازعا التسمية البعثية. ويقدم الكتاب دراسة مقارنة بين سعادة وعفلق مبيناً التأثير الاجتماعي والثقافي العام عليهما وعن مدى تأثير الفكر الأرثوذكسي على طروحاتهما، وعن ارثوذكسية طروحاتهما في توحد الفكر القومي وتباعد الفكر الاجتماعي والعقائدي، وأخيرا تأثيرها الكبير على مساحة العالم العربي، بحيث ان القومية العربية مقبولة عموماً لكنها في التفاصيل تقف عند حدود تقسيمات سعادة بين المغرب العربي، ووادي النيل، والجزيرة العربية مع الخليج، وسوريا الطبيعية التي هي قلب العالم المصاب بجرح نازف هو فلسطين المحتلة من قبل العدو الصهيوني.