As Safir Logo
المصدر:

فالتر بنيامين.. والفن في عصر التكنولوجيا

الفنان المصري جورج بهجوري (مواليد العام 2391)
المؤلف: الحجار احمد التاريخ: 2006-03-24 رقم العدد:10352

لوحظ في المدة الأخيرة، ان بعض الكتاب العرب بدأوا بالاهتمام بأعمال الفيلسوف الالماني فالتر بنيامين، إذ ترجمت دراسته »شارل بودلير شاعر غنائي في حقبة الرأسمالية العليا« (عن دار ميريت)، وعربت مقالته الشهيرة »الفن في عصر الاستنساخ الآلي«، ومقالته عن الترجمة، ودراسته عن »الحكاية والرواية« وكتبت عنه دراسات كثيرة. وليس الاهتمام به بمعنى اكتشافه، بل لأن أفكاره تعايش القضايا التي تثار الآن. بنيامين الذي تلقى تعليمه في جامعة برلين عام 1912، وركز اهتمامه في الدرس على الأدب والفلسفة، فكان أول عمل منهجي له دراسة عن الشاعر الالماني هولدرلين 1915، بدأ بها طريقا طويلا في الأدب الالماني الذي نبغ في نقده، وفي جماليات القرن التاسع عشر التي أفرد لها بعض دراساته، ومنها دراسته بعنوان: »مفهوم النقد في الرومانسية الالمانية«، وتأثر بأعمال جورج لوكاتش، وتعرف الى بريخت في عام 1929، ثارت عليه الاوساط الثقافية بسبب أفكاره حتى رسالته التي تقدم بها لجامعة فرانكفورت للحصول على الدكتوراه، رفضت وكانت بعنوان: »أصول دراما الباروك الالماني«. وانضم بعد ذلك الى مدرسة فرانكفورت، وتعرف في تلك الفترة على ماكس هوركهايمر وتيودور أدورنو، غير ان المعهد كان قد هاجر الى الولايات المتحدة هربا من البطش النازي والافكار الغوبلزية (نسبة الى وزير الدعاية النازية غوبلز)، بينما فضل بنيامين الهجرة الى باريس، وكتب دراسته الشهيرة: »الفن في عصر الاستنساخ الآلي«. السلف الحاضر تنبع أهمية بنيامين من تنبؤه بأثر التكنولوجيا على الفن، ودور وسائل الاتصال في تغير الطابع التفردي للفن، وبالتالي فهو السلف الحاضر في زمن العولمة، فرغم مرور ستين عاما على كتاباته، لا تزال الأعمال المهمة التي تقدم صورة للفن المستقبلي. لقد توصل بنيامين الى فهم عميق لوقع التغييرات التي تعتري المجتمع البشري، وكيف تتفاعل وتؤثر بعضها في بعض لتوليد اشكال جديدة في الفن، فيبدأ دراسته »العمل الفني في عصر الاستنساخ التقني« بقوله انه »عندما اخذ ماركس على عاتقه مهمة نقد الشكل الرأسمالي في الانتاج، كان ذلك الشكل ما زال في مراحله الأولى وقد تنبأ ماركس بتطور الرأسمالية وتوحشها لكنه تنبأ ايضا بدمارها«، وهو ما لم يحدث حتى الآن بطبيعة الحال. يضيف بنيامين ان التغيرات التكنولوجية، التي نمت في ظل الأنظمة الرأسمالية، كان لها أثرها الكبير في معنى الفن، فمثلا تصادف اختراع التصوير الفوتوغرافي مع تنامي الأفكار الخاصة حول ضرورة الأصالة في الفن. وعلى نحو مبدئي كان العمل الفني دائما قابلا للاستنساخ، فقد جرت محاكاة أعمال الفنانين الكبار من قبل اناس آخرين لأغراض الربح، او حتى من جانب هؤلاء الفنانين أنفسهم من اجل نشر أعمالهم او توزيعها، اما النسخ الآلي للعمل الفني فقد مثل شيئا جديدا. ويرصد بنامين تطور نسخ الأعمال الفنية، بدءا من عملية الصب لدى الاغريق وغيرهم، الى عملية الطبع على الحجر، ثم فنون الحفر على الخشب الذي اصبح النسخ الآلي من خلاله ممكنا لأول مرة. ومنذ اختراع التصوير الفوتوغرافي، فإن عملية النسخ للصور تسارعت بوتيرة كبيرة اصبحت قادرة من خلالها على التنافس في عملية التحديث. افكار بنيامين المعاصرة جعلت الكتاب يستحضرونه في كتاباتهم عن الفن في زمن العولمة، فالكاتب الالماني شتيفان فايدنر يلاحظ في مقالة له في مجلة »فكر وفن« (الالمانية المترجمة الى العربية) ان وسائل الفن وأشكاله قد تغيرت في عصر العولمة. لم تعد أدوات الفن المعاصر هي الفرشاة واللوحة او الازميل والرخام، بل التصوير الفوتوغرافي والفيلم. ويعد هذا التطور بحسب فايدنر تسلسلا ايجابيا للاكتشاف الذي صاغة بنيامين في العشرينيات في مقالته »العمل الفني في عصر الاستنساخ التقني«. لقد تبين لبنيامين ان الفن الذي يمكن استنساخه بأي كم وبأية كيفية، يفقد هالته، أي جاذبيته وسحره وقيمته وطابعه الخاص. وقد استحدث مفهوما إجرائيا استتب وشاع في الدراسات السوسيولوجية للفن، وهو مفهوم »العبق«. اذ تدخلت تقنية انتاجه لتؤثر في قيمة العرض، ويتضح على نحو واضح حين تحاول السينما نقل عمل ادبي من خلال تقنية السينما الى المشاهد، فإنها لا تقدم النص الأدبي كما هو، حيث تنتفي المسافة بين النص من خلال وعيه المتخيل، وإنما تقدم صورة قابلة للترويج لدى المشاهدين الذين ربما لم يقرأوا النص الأدبي. والحال ان هذه الطريقة في انتاج الأعمال الفنية، لا سيما السينما، تؤدي الى تصفية العنصر التقليدي في الموروث الثقافي، فحين تعيد السينما انتاج التاريخ السياسي والاجتماعي والثقافي، فإنها تبعثه وفق المنظور الخاص للعصر الحاضر، الذي تسيطر عليه قيم اخرى، غير تلك التي كانت سائدة في هذا التاريخ. انه »العبق« الذي يتبدل، وهذا نلاحظه من خلال المقارنة بين ممثل المسرح، وممثل السينما، فالأول يقوم بكل المجهود من خلال اللقاء الحي، بينما الثاني تقدمه الكاميرا من خلال لغة بصرية تقوم على المونتاج، واستخدام عدسات التصوير من زوايا معينة، فممثل المسرح أقرب للقيم الشعائرية للفن التي تقوم على المعايشة، بينما يلتقي ممثل السينما بالجمهور من خلال الكاميرا، فيظهر تفرد ممثل المسرح بحضوره الفني، بينما حضور الممثل يقوم على تقنيات السينما، وقد تنبهت شركات الانتاج السينمائي لهذا، فتقوم بعمل »هالة« اجتماعية للممثل السينمائي من خلال أجهزة الدعاية، لكي يصدق المشاهد ما يراه على الشاشة، وتحول النجم الى أسطورة معاصرة، من خلال بناء مصطنع لشخصية الممثل خارج الاستوديو، يكون همها الوصول الى المستهلكين. ونتيجة لهذه القيم الجديدة في الفنون المعاصرة، فإن الفن قد تحرر من أساسه الشعائري، الذي كان يتميز به. وكانت الفنون قد بدأت بالتخفف من هذا التفرد في عصر النهضة حتى قضي عليه تماما في العصر الحديث من خلال وسائل الاستنساخ الآلي، إذ ساهمت وسائل التكنولوجيا في تغيير هذا الاستقبال الفردي ليتحول لاستقبال جماهيري مرتبط بالعلاقات المدينية التي يعيش فيها الإنسان المعاصر. ووفقا لمفهوم بنيامين، يمكن لكثير من الفنون ان تفقد تبعا لمعايير العولمة هالتها ولا تصبح فنا حقيقيا، إذ تشترط العولمة التجوال واللامكانية (التخلي عن الجذور) وخلخلة السياقات (نزع السياق والتاريخ الأصلي للعمل الفني). التناغم يناقض بنيامين في نصه المذكور كتابات ادورنو وهوركهامير، فإذا كان هذان الأخيران في منتصف الأربعينيات قد قدما دراسة نقدية للانتاج الصناعي للمواد الثقافية باعتبارها ظاهرة شاملة تهدف الى تحويل الانتاج الثقافي الى سلع، وبالرغم من رؤيتهما الثقافية، الا انهما لا يفطنان الى البعد الذي يتعلق بالتلاحم والتناغم بين الفن والتكنولوجيا، وذلك أنهما ثمنا الفن تثمينا مبالغا فيه فاعتبراه عاملا ثوريا، وهو ما منعهما من استكشاف الابعاد الأخرى لهذا التلاحم كما يلاحظ ارمان وميشال ماتلار في كتاب »تاريخ نظريات الاتصال« (المترجم عن دار مركز دراسات الوحدة العربية). ولكن بنيامين أوضح ان المبدأ الذي يتحكم في إعادة الإنتاج، وبيّن بالتفصيل كيف ان السينما بما هي فن لا يمكن ان تقوم الا بالاعتماد على مبدأ إعادة الإنتاج، لا الإنتاج لمرة واحدة. وإذا كان ادورنو وهوركيهامير قد طبعا فكر اجيال كثيرة من المثقفين من خلال تحليلاتهم للثقافة والحضارة التقنية، فإن تأثيرهما قد تراجع مع نهاية السبعينيات من القرن الماضي. في المقابل، عرفت كتابات بنيامين عودة قوية الى الساحة الفكرية في الثمانينيات، خصوصا عمله الموسوعي »شارل بودلير شاعر غنائي في حقبة الرأسمالية العليا«. لقد التفت بنيامين الى جانب في الفن، لم يلتفت إليه الكثيرون، إذ بيّن ان الفن ممارسة اجتماعية، وهو سلعة ايضا، يشترك في انتاجها ناشرون لتباع في السوق كي تحقق ربحا، ولذلك فإن الوسائط التي تخلقها وسائل الاتصال الحديثة تؤثر في رؤية الفنان وفي تشكيل عمله الفني، ومهمة الفنان ان يعيد النظر في أشكاله الفنية، وفي قوى الإنتاج الفني المتاحة له، حتى يستطيع ان يطور فنه. فالفن والأدب اللذان كان لهما على وجه الخصوص في القرن التاسع عشر طابع فردي، وكانا يتوجهان للفرد ذاته، تم دمجهما في القرن العشرين بالاتصال الجماهيري بما يسميه هوركهايمر وأدورنو »الصناعة الثقافية«، فلم يعد الفن مقصورا على هاوي الفن الذي يجمع الكتب النادرة، وإنما أصبح بفضل وسائل الاتصال الحديثة متاحا للجميع، فالحفل الموسيقي الذي تحضره مجموعة من البشر، يمكن ان يسمعه الملايين عبر الأقمار الصناعية في جميع أطراف الأرض. وساعد الاستنساخ في تنمية النزعة الاستهلاكية لدى الجماهير، وأصبح بمقدور الإنسان العادي ان يحصل على الأدوات التكنولوجية ويتطلع لكي يؤدي دورا في السينما، او يظهر في الصحف او يمارس دور الكاتب في الصحيفة، مما أدى الى ظهور تقييم جديد للكفاءة الفنية لدى المبدع. على ان مقالة بنيامين عن الحكاية والرواية تأتي في سياق كتاباته عن الفن في عصر الاستنساخ الآلي، ترصد الانتقال من العهد القديم الى العصر الحديث من خلال الوقوف على أسباب موت شكل أدبي وولادة آخر، فإنها الى ذلك صورة لعموم أداء بنيامين النقدي غير المقيّد الى التقاليد الفلسفية السائدة في عصره. فموت فن رواية الحكايات، أي الشكل الذي امتهنه الحكواتي، وولادة الرواية، يحددان انتقالا تدريجيا من العالم القديم الى العالم الحديث، فالحكواتي صاحب حرفة تنتمي الى ثقافة وعهد تتوافر فيهما موهبة الإصغاء وجمهور المستمعين. والقدرة على الإصغاء إنما تتجلى من خلال انغماس جمعي في أداء مادي وروحي، بحيث يكون الإنسان في تآلف تام مع الطبيعة. اما صعود الرواية، على ما يرى بنيامين، فهو من الأعراض المبكرة لهبوط قيمة الحكاية على أعتاب الأزمنة الحديثة. غير ان هذا الصعود ابعد ما يكون عن الغلبة الظافرة لشكل جمالي على آخر. قصة الحكاية الرواية في تنظيرات بنيامين مثل كتابات امبرتو ايكو عن »مستقبل الكتاب« في زمن الانترنت. والحال ان الرواية، بحسب بنيامين، »شكل من اشكال الملحمة«. وهي اذا ما بدت كأنها ترث الحكاية، فإنها لا تستأنف، بل لا تستطيع استئناف المهمة التي نهضت الحكاية بأعبائها. فظهور الرواية، وانتشارها، من علامات استحالة تولي مهمة كهذه. لذا فبدلا من تزويد القارئ بحصيلة خبرة الإحاطة بالحياة، فإن جلّ ما تمنحه هو فرصة لاقتفاء معنى الحياة، وهذا إعراب أولي عما يراود القارئ من اضطراب، ذلك »المقبل على رؤية نفسه يعيش حياة مكتوبة«. معنى الحياة نفسه لاحظه بنيامين في كتابه عن بودلير، اذ لاحظ التحول الاجتماعي في باريس بعد بولفارات جورج هوسمان، صانع باريس الحديثة، ومن خلال قراءته لتجربة الشاعر شارل بودلير. فهذا الأخير عاش تجربة التحول في باريس، واخذ منها مواضيعه وتصوره الحداثي للعالم، راقب ناسها وثقافتها، ولاحظ ان هوسمان بعد بولفاراته أرسى الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية على أسس جديدة، استدعت أعدادا بشرية هائلة تدعى الجموع، ينتمي اليها »الإنسان الغفل«. هكذا الثقافة تناغم لا إلغاء، او تحول في تحول، كل جنس ادبي يعيش بقرب الآخر، مثلما يعيش المسرح قرب السينما برغم اختلاف جوهرهما.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة