انحسرت أزمة اسواق الاوراق المالية في الخليج وامكن تجنب الاسوء المتمثل في انهيار شامل للبورصات تنعكس آثاره انعكاسا مديدا في الاجتماع والسياسة. لقد حملت الازمة سمات المنطقة وخصوصياتها بأكثر مما يبدو للوهلة الاولى اذ اعتبرت مشكلة مالية صرفة. وتختلف الازمة الخليجية عن تلك التي وقعت في جنوبي شرقي آسيا وروسيا في العام 1998 وفي البرازيل والارجنتين في العام الذي تلاه. ففي الحالات المذكورة ارتبطت الازمات في الاسواق المالية بمشكلات في المجال الاقتصادي »الحقيقي« (انهيار قطاع العقارات في تايلاند ما فجّر فقاعة اسهم البورصات في المنطقة برمتها تضخم الدين العام الروسي وتفاقم سيطرة »بارونات« المال بما حال دون اطلاق دورة انتاج فعلي رأسمالية تحل مكان السوفياتية السابقة انهيار الريال البرازيلي بسبب خلافات بين السلطة الفدرالية وحكام المقاطعات حول حصصهم ومساهماتهم في الميزانية المركزية ما جعل السلع في الارجنتين المجاورة المعتمدة على الدولار الذي حل مكان العملة الوطنية البيزو منذ اوائل التسعينيات، تصاب بالكساد الشديد لتنتقل الازمة من البرازيل الى الارجنتين... الخ). هذه الاسباب لم تكن قائمة في الخليج الذي ينعم ببحبوحة الطفرة النفطية الثانية، مع ذلك بلغت خسائر اسواق المال في المنطقة حوالى 300 مليار دولار لتهبط قيمة الاستثمارات في البورصات الخليجية من 1,1 تريليون دولار في خريف العام الماضي الى ما يقارب 800 مليار دولار الآن. إذاً، ما الذي اجتاح البورصات الخليجية وخصوصا يوم »الثلاثاء الاسود« في الرابع عشر من آذار الحالي، عندما تحولت كل مؤشرات الاسعار الى اللون الاحمر، علامة الهبوط؟ في عودة الى الماضي القريب، يمكن القول ان تأسيس اسواق الاوراق المالية في الخليج في النصف الثاني من التسعينيات جاء قبل اعوام قليلة من احداث 11 ايلول 2001 في الولايات المتحدة ومن غزو العراق بهدف تعزيز استقلالية الاقتصاد عن الدولة. الهجمات في مانهاتن وواشنطن جعلت الاستثمارات العربية موضع رقابة شديدة في الاسواق الاميركية والغربية عموما، ما دفع اصحابها الى سحبها من هناك والبحث عن فرص استثمارية جديدة بالتزامن مع الصعود الكبير لاسعار النفط. كان اصحاب رؤوس الاموال الذين تتضخم مواردهم بفعل ازدياد سعر برميل النفط من 15 دولارا في العام 1998 الى ما يزيد على الستين دولارا في العام الحالي، امام خيارات قليلة فاختاروا توظيف اموالهم في بورصاتهم المحلية، وفي بورصات مشابهة من ناحية الشفافية القانونية في مصر والاردن على سبيل المثال. غير ان البورصات لا تختلف كثيرا عن جوانب اخرى من الحياة الاقتصادية والسياسية في الخليج. فالنفوذ الواسع لافراد الاسر الحاكمة يتحرك من دون ضوابط تذكر. وفي مجال يتطلب الشفافية والمراقبة الدائمة كعمل اسواق المال، انعكس تدخل افراد الاسر الحاكمة والمحيطين بهم في المضاربة اليومية ارتفاعا شديدا وغير مبرر في اسهم الشركات التي يساهمون فيها. وتم تجاوز كل الاطر التي وضعتها هيئات الاسواق المالية الحديثة الظهور كسوق دبي المالية وسوق ابو ظبي للاوراق المالية اللتين بدأ العمل فيهما في حزيران من العام 2000، وسوق دبي للاوراق المالية الدولية (DIFX) المخصصة للاستثمارات الاجنبية التي انشئت في ايلول 2005، حيث شهدت هذه الاسواق وغيرها تدفق كمية هائلة من الاموال السائلة بحثا عن ارباح سريعة في عمليات مضاربة محمومة، لم تكن البنية التحتية القانونية او الاستيعابية لهذه الاسواق مستعدة لها، ما انتج الظاهرة المعروفة في عالم الاسواق المالية باسم »الفقاعة« التي ترتفع فيها القيمة التداولية للسهم ارتفاعا كبيرا عن قيمته الدفترية عند تسجيل دخوله البورصة. وتفيد شركة »إعمار«، على سبيل المثال، التي يُعتبر سهمها هو السهم القيادي في سوق دبي، انها حققت ارباحا صافية تصل الى 040,3 مليارات درهم اماراتي، اي 180 في المئة في السنة المنتهية في 31 كانون الاول 2005، مقارنة ب691,1 مليار درهم في العام 2004. وبغض النظر عن الحجم الخرافي لمشاريع الشركة المنتشرة في العديد من البلاد العربية، من اقامة مجموعات من الابراج السكنية والجزر الاصطناعية والمجمعات التجارية، فإن قسما مهما من هذه الارباح تأتّى من المضاربة في اسواق الاسهم. مهما يكن من امر، فإن عمليات المضاربة التي وجدت تشجيعا من الحكومات الخليجية، سرعان ما اصبحت رياضة وطنية اصابت لوثتها قطاعات واسعة من المواطنين الذين تدفقوا الى الاسواق من دون خبرة ولا معرفة كافية فوقعوا ضحايا مضاربين اقنعوهم بامكان تحقيق ارباح سهلة في لعبة تشبه العاب الفيديو حيث يجلس المستثمر في مقعده الوثير في السوق مراقبا الشاشة الالكترونية ومزودا المضارب بتعليمات البيع والشراء. ينبغي التوقف هنا عند ملاحظات تتعلق بطبيعة اقتصادات الخليج. فإنشاء اسواق الاوراق المالية والاسهم يرتبط عادة بانجاز خطوات اساسية على صعيد التطور الرأسمالي للدولة المعنية. وترافق ظهور اسواق المال الخليجية مع تقدم دول المنطقة نحو تحرير اقتصاداتها والانضمام تباعا الى »منظمة التجارة العالمية« (انضمت الامارات العربية المتحدة الى المنظمة في العام 1996 في حين تأخر انضمام المملكة العربية السعودية الى كانون الاول 2005)، التي تطلب عادة قدرا من حرية التعامل في الاسواق استنادا الى الفلسفة الليبرالية الاقتصادية التي ترفض اي تدخل صريح من الدولة في عمل السوق وتحض على جعله يحقق توازنه بقواه الذاتية (قوانين العرض والطلب، »التصحيح الذاتي«...). لكن من المبالغة القول ان اقتصادات الخليج قد وصلت الى هذه المرحلة. فالطابع الابوي »البطريركي« للسلطات في دوله، حتى تلك التي تتمتع السلطات المختلفة فيها بقدر من التبلور والاستقلال كالكويت، يستقي شرعيته من توزيع الدولة لعائدات الثروة الوطنية الحاصلة من تصدير النفط بالدرجة الاولى. وغني عن البيان ان توزيعا »ابويا« عادة ما يكون خاضعا لاعتبارات استنسابية وغير مرتبط بقوانين وانظمة. وتتعارض هذه الطريقة في توزيع الريوع مع مفهوم الانتاج الرأسمالي الذي يحدد درجة الاستفادة من الثروة وفقا للموقع من العملية الانتاجية ووفقا للمساهمة فيها. من هنا يمكن فهم المناشدات الكثيرة التي توجه بها ضحايا الازمة المالية في الاسواق الخليجية الى السلطات في بلادهم للتدخل رفعا لوطأة الخسائر الهائلة التي أصابتهم، خصوصا بين صغار المستثمرين. فهؤلاء لا يستطيعون تصور وقوف حكوماتهم على الحياد في حين انها هي التي ادخلت البورصات الى بلادهم، وهي، قبل هذا وذاك، التي توفر لهم المال للعيش والمضاربة في الاسواق، على السواء. وفي مقابل الاعتراضات الشديدة التي ابدتها مؤسسات الاستشارات المالية القائمة بدور سفراء الليبرالية الاقتصادية، لكل تدخل من قبل الاجهزة الرسمية في عمل الاسواق وترك هذه الاخيرة تعيد نفسها الى التوازن، كانت السلطات تعيش نوعا من الاحراج. فهي تفضل ان يكون مواطنوها »مضاربين لا ناخبين« (وفق تعبير »الفاينانشال تايمز« في 17 آذار الحالي)، اي انها ترغب في جعل العملية الاقتصادية المحض هي محور النشاط العام في بلادها وليس العملية السياسية التي قد تفتح الابواب على التغيير والمطالب الديموقراطية، لكنها في الوقت ذاته لا يمكنها ان تتجاهل دورها »الابوي« من جهة، ولا خطر خروج المضاربات في الاسواق المالية عن السيطرة وتهديد الانتظام الاجتماعي بخلق بؤر من الاستياء على اداء السلطات وافراد الاسر الحاكمة القادرين على التعويض عن خسائرهم بسهولة، من الجهة المقابلة. لقد تعرّض الحكم الابوي لاختبار قاس جعله يقف حائرا بين التسليم بمقولات رأسمالية لا يني يرددها من دون ان يستكمل شروطها، وبين الاحتفاظ بدوره كمسير لمجمل الدورة الاجتماعية والاقتصادية في بلاده. عليه، جاء موقف السلطات السعودية »بدراسة« السماح للاجانب والمقيمين بالتعامل في الاسواق المالية وتقسيم قيمة الاسهم، الذي قلب المسار الانحداري للبورصات الخليجية، موقفا رمزيا الى حد بعيد حيث لا يمكن اعتبار الوعد بدراسة اجراءين غير جذريين، سببا كافيا للتغير الكبير الذي طرأ على الاسواق في اقل من ثلاث ساعات يوم الاربعاء في الخامس عشر من آذار حيث كانت الجلسات الصباحية من التداول تسير في اتجاه المزيد من الخسائر فيما انقلبت الجلسة المسائية الى عمليات لتحقيق الارباح، ليس في بورصة الرياض وحدها بل في بورصات الخليج الرئيسية الاخرى. ازمة اسواق المال الخليجية التي أثرت تأثيرا ملموسا في اسواق القاهرة وعمان وحتى الدار البيضاء عندما قرر المستثمرون الخليجيون سحب السيولة منها لتعويض خسائرهم في بورصاتهم المحلية كانت اقل من انهيار واكثر من »تصحيح« دوري من الصنف المعروف في البورصات العالمية. لقد انفجرت فقاعة المضاربات في رأس المال الوهمي (او المتخيل) المرتكزة على ارضية شديدة الخصوصية في منطقة الخليج والمرحلة الراهنة فيها، وعادت الاسهم الى اسعار اقرب لقيمتها الفعلية. ولعلها ليست مبالغة الاشارة الى ان ما يجري في اسواق الخليج منذ الخريف الماضي، مؤشر له دلالات متعددة في المجالات الاجتماعية والسياسية ناهيك بالنواحي الاقتصادية الصرف، بما يترك خطر تكرار ما حصل في الاسابيع الماضية قائما في حال لم تعتمد سلسلة من القوانين المنظمة لعمليات المضاربة والاستثمار.