As Safir Logo
المصدر:

في أعماله الجديدة يورّط الجمهور بدنيّاً ويضعه على المنصة توفيق الجبالي: المسرح التونسي ليس متفوقاً وعروض قرطاج العربية خارج العصر

الجبالي نحن في مجتمع تخريبي
المؤلف: عيسى راشد التاريخ: 2006-02-24 رقم العدد:10328

الجبالي ليس اسماً بارزاً في المسرح التونسي وحسب، فلعل له أثره في المسرح السوري أو اللبناني، وما نعرفه في المسرح السوري على الأقل أنه كلما جاء الجبالي إلى دمشق أثار زوبعة من الجدل لا تنتهي إلا بظهور بعض أثره على الخشبة، وهو قدم في دمشق وبيروت »كلام الليل« و»المجنون« الذي أعده عن جبران خليل جبران. غير أن أذكياء المسرح كانوا يغافلوننا على نحو آخر؛ يشاهدون عروض الجبالي في المهرجانات ويقررون التأثر بها. ولكن من يجرؤ على التأثر ب»لصوص بغداد« التي قدمت في »أيام قرطاج المسرحية« أخيراً؟ وهي على ما هي عليه من جرأة تخالف الرائج »الوطني«؟ هنا حوار مع أحد ركائز المسرح التونسي على هامش عرضه الأخير. ليس من عادتك الخروج عن حدود العلبة الإيطالية، لا تحب الاعتداء على حيّز المتفرج. في عرضك الأخير »لصوص بغداد« خرق لهذه القاعدة؟ {بالفعل، كان عندي هذا التحفظ، ولا أخشى الآن أن يبدو لديّ تناقض، فالزمن في حركية دائمة، فقد لاحظت أن المتفرج مستريح في مقعده، ما خلق نوعاً من السلبية في رؤيته للعرض المسرحي. ولعل هذا، بالإضافة إلى ثقافته التلفزيونية كمشاهد، جعلنا نكسر هذه المقولة. وهذا ما جعلنا نعيد النظر في قسمة الفضاء. أحببنا أن نورط الجمهور، أكثر من أن نزعجه بدنياً. في الفترة الأخيرة قدمت ثلاثة أعمال كلها تقريباً في المنحى نفسه؛ »هنا تونس« التي تواجه المتفرج بشكل مباشر وبدنيّ، وتجعل الحل بيده هو، ليس هناك أي غرض في الاعتداء على المتفرج بدنياً، ولكن ذهنياً نريد أن نجعله في وضع المتفرج الذي يعبر عن موقفه سواء بالرفض أو بالقبول. في هذه التجربة لاحظت أن الجمهور التونسي لديه نوع من التحفظ لأنه غير معتاد على أن يبدي رأيه. فالراحة المعتادة والخلط الذي يحصل له ذهنياً بين وضعه في المسرح ووضعه في البيت أمام التلفزيون وفي الحقيقة، أمام فرجة العنف وحقيقة العنف، بين الواقع المعيش والواقع الخيالي. في »هنا تونس« أدرجت بعض المشاهد التي تستفز الجمهور في موقعه. حاولنا أن ندخل في سياق فضاءٍ آخر مع المتفرج ذهني وبدني أحياناً، كما رأيت في »لصوص بغداد«. سبق أيضاً أن قدمت عرض »الفلسطينيين« انطلاقاً من نصوص جان جينيه، أحببت أن نجعل منه صورة عن القرابة بين جينيه والموضوع الفلسطيني، لم أجد حلاً أفضل من أن أسلب الجمهور موقع المتفرج؛ وضعته في مكان لم يعتد أن يكون فيه، أي على منصة المسرح فهو إذاً اعتلى وأخذ مسؤولية التبليغ، أصبح هو المبلِّغ، واقفاً في وسط التحرك المسرحي، حتى لا أقول الفرجة المسرحية. المتفرج البدائي، الكسول، يتضايق من ذلك فهو قد جاء من غير دعوى، حتى لو كان الموضوع يهمه نظرياً في تاريخه، فمشاعره من غير تورط بهذا الموضوع. هل شعرت بجدوى الأسلوب الجديد؟ {طبعاً، خاصة في »الفلسطينيين«. في »لصوص بغداد« بينما يقوم الممثلون بأعمال شغب بين المتفرجين، يتخيل هؤلاء أن رجال الأمن وراءهم قد دخلوا الصالة، ما يضعهم في إحراج وخوف، وأول ما يفعله المتفرجون النظر خلفهم لاستكشاف طريق الهرب. هذا جديد على جمهورنا، فتجارب من هذا النوع حدثت بأشكال متعددة في أمكنة أخرى، لكن جمهورنا معتاد على السلبية، لا يعبّر في الأمكنة العامة، وحينما تورطه وتطلب منه رأيه المباشر بسرعة، لن تجد عنده الخبرة في رد الفعل أو الجواب الصحيح، أو أنه يكون سطحياً في تعامله مع الأشياء، أو يتحفظ وينكمش، فأنت أعطيته مادة جعلته يشك في نفسه إلى حد، أو جعلته يعيد النظر في دوره. هل كان التحوّل باتجاه الصالة، وباتجاه إشراك المتفرج في العرض، ناتجاً عن تعاطي موضوعات سياسية ساخنة كالموضوع العراقي والفلسطيني؟ { لا. أنا لا أعتبر نفسي أطرق أبواباً سياسية بل ذهنية، وحسب الضرورة والحاجات الشخصية أولاً، وحسب الطارئ الذي نحس به، إذا تصادف هذا مع قضايا سياسية مطروحة فحبذا. مكونات وأهداف العمل بالنسبة لي تكون دائماً من داخل المسرح، دائماً أفكر بأسئلة حول وضع المسرح؛ هل ما زال المسرح أداة تعقيب؟ تخاطب؟ ترفيه؟ معاملة ذهنية؟ تخريب..؟ كيف يجيب مسرحك؟ ما المرجح بالنسبة لك بين هذه الخيارات؟ { نحن الآن في مجتمع تخريبي، وحينما تقول إن الفن يخرّب تكون متواطئاً مع مجتمع يخرّب، لأن التخريب من دون بناء لا يصلح، نحن نهدم من أجل أن نبني ما هو أفضل، مجتمعنا يهدم لأن لا حل أفضل لديه، هل المسرح فقط تخريب؟ من البديهي أن يطعن في مجموعة من القناعات، ولكن ليؤسس ماذا؟ في الأعمال الثلاثة الأخيرة التي قدمتها السؤال المطروح هو إلى أين نحن ذاهبون بهذا التخريب؟ ما هو المرجع والمثال والمشروع الحضاري الذي نمضي باتجاهه. في »لصوص بغداد« أولاً انتهاك لحضارة إنسانية، أناس ينهبون مسرحاً، فينهبون حضارة، هذا هو الطرح. لم يكن بالذات موضوع العراق هو المطروح كما تراءى للبعض، لم أكن أحكي عن العراق كما يطرح سياسياً اليوم، أو كما يطرح في التلفزيون، خلفية العراق تخصّنا؛ هناك تخريب منظم وله تاريخ، وهناك تخريب يومي عادي يخص مجتمعاً يعتبر نفسه خارج هذه المنظومة التخريبية، ولكن مجتمعنا يقوم بنفس الأعمال (التخريبية) ولكن بشكل هادئ، غير مباشر، غير معلن، وغير منظم. الاستشهاد عن بعد الذين حملوا على مسرحيتك الأخيرة، قالوا بسبب تقديمك ل»المقاومين« بطريقة كاريكاتيرية؟ { هذه قراءة فقيرة ومحدودة للعمل، أنا لم أدخل في هذه الترهات، ولا أحمّل نفسي رأي شخص عراقي، كما لا أقول إن الموضوع لا يخصني، ولكن هذا التناول لم يكن مطروحاً على المسرح، نحن قلنا هذا المسرح الذي خُرّب، وحتى في الإهداء قلنا لقد نهب المسرح العراقي من أثاثه وتجهيزاته، كما نهبت مسارح أخرى في فلسطين، وحرقت مسارح في غزة، هذا النهب متواصل سواء كان النهب في متحف في بغداد أو في مسرح في غزة أو إغلاق مسرح تونسي، عندي هذا الخط الذي هو قتل الحضارة والإنسانية، وهذا هو الفن، والمُغيرُون على هذه المسارح سواء كان اسمهم غربا أو شرقا، سودا أو بيضا، هم الشيء نفسه بالنسبة لي، ولا أسلط حكماً أخلاقياً بحقهم، إن كانت هذه مقاومة أو غيرها، عندي رأي كمواطن في ما يجري في بغداد، ولكن العرض لم يتناول هذه الإشكالية، هم يتخيلون ذلك، لأن الفكر الواحد لا يقرأ الأشياء إلا بمنظار واحد، منظار سيئ، مع أو ضد، والأمر ليس هنا. أنت قدمت واحداً من الانتحاريين، وأغلب الظن أنه انتحاري فلسطيني، قدمته كأنه ذاهب مجبراً إلى تفجير نفسه؟ { أنا لديّ وجهة نظر عن ذلك وعن الانتحاريين، وحتى لو لم أصب في تشخيص هذا المشهد، لكن المسألة مطروحة؛ الانتحاريون كحالة إنسانية قصوى علينا أن نتساءل كيف تجري، كيف يصل المرء ليقتل نفسه؟ طواعية؟ إيمان؟ غسل دماغ؟ أي ما هي المكونات النفسية والفيزيولوجية التي تدفع الإنسان ليرمي نفسه للموت؟ سؤال موجود، ولست وحدي من يطرحه، حتى الناس المعنيون بالقضية مباشرة في فلسطين المسألة مطروحة لديهم، ثمة من يبعث ابنه ذا الأربعة عشر عاماً إلى الموت بالتأكيد المسألة فيها جدال، فلماذا نمنع عن أنفسنا حتى فكرة التساؤل. أنا تحيرني هذه المسألة ولا أتمنى أن أبعث ابني للموت. أنا عرضت في مدن تونسية كثيرة، وفي الجنوب التونسي، حيث مكونات السكان هناك عروبية قليلاً، زعلوا هناك من المشهد، تحدثوا عن الاستشهاد فقلت لهم إنكم تتحدثون عن الاستشهاد عن بعد، هل تستطيعون إرسال بناتكم، قالوا لا. كيف إذاً تقترحون عن بعد هذا الحل، إنها وجهة نظر غير مسؤولة. هذا سؤال من الأسئلة ولا أعتقد أنه ممنوع ولا محرم، أن نسأل ماذا يجري هناك؛ هل هذا غسل دماغ أم إغراءات مالية؟ هل تقصدت في العرض إظهار التوازي بين الانتحاريين في فلسطين وخاطفي الرهائن في العراق؟ { لم أدخل في موضوع حول العراق، ولم أجعل نفسي طرفاً في هذا النقاش، هناك أشياء غير واضحة، وأشياء نراها عبر التلفزيون، والمكونات غير واضحة حتى للعراقيين، فما بالك بالنسبة للبعيدين من أمثالنا. من يكوّن فكرة جامدة عن الموضوع لا يتقدم في وجهة نظره ويبقَ متعصباً لفكرة واحدة، ولكن من هو ضد الإرهاب لا يعني أنه مع الاحتلال، والعكس كذلك. أنا لم أُدخِل عناصر في العرض تمس بوجهة نظر حول ما يجري في العراق، لصوص بغداد هم لصوص وليسوا لصاً واحداً، سواء كان اللص بوش أو صدام أو الإرهابي أو المواطن التونسي البسيط الذي يدخل إلى المسرح فيخرّب، أو يفسد عرضاً مسرحياً أو يقطع شجرة. هناك الإرهاب والعنف الخفي الذي يمسنا نحن كمواطنين توانسة، التونسي الذي حينما يتعلق الأمر أن يكون جزءاً من الأحداث لا يعرف ما هي الحقائق فعلاً عنده نظرة سطحية للأشياء، ويعتبر أن ما يحصل من عنف هناك هو غير معني به، الخطر بعيد عنه، بينما نحن في الواقع جزء من هذه الأخطار، لأن الأخطار هي نفسها تواجهنا هنا وفي العراق وفلسطين. أنا ليس لدي ادعاء بأن لدي وجهة نظر، وبالطبع يمكن أن يكون لدي، ولكن لا ينبغي أن تكون هي محل المشهدية والطرح. الشيء الذي يمكن أن يعطي انطباعاً بأنني أتحدث عن العراق هو استعمال الشريط الصوتي فأنا أخذت الإعلانات الحربية، جمعتها وجعلتها خلفية، كالتونسي الذي يستمع ويشاهد الأخبار ثم يمضي لينام في بيته. بدا العمل في النتيجة ضد الأصولية ويقول بوضوح بأن الحجاب سيلقى على الجميع، النساء بحجابهن التقليدي والرجال بلثام المقاومين؟ هل هذا صحيح؟ { صحيح. الأصولية متعددة ومتنوعة الأشكال. الحجاب هو غلق الباب أمام المستقبل. الأصولية تكمن في الانغلاق، في التعصب، في اللا مشروع. في إبقاء الشارع فارغا.. { هذا صوت اللص الآخر الذي يساعد في إبقاء الشارع فارغا، هذا الصوت هو للأميركي الذي أول ما احتل بغداد طالب المواطنين بأن يذهبوا إلى بيوتهم. ولكن الصورة هذه لا تتعلق ببغداد فقط، ربما الحاكم هنا يهمه أن المواطن التونسي يمضي إلى بيته، الشارع ليس ملكاً للمواطن، في أي مدينة أو عاصمة عربية الشارع ليس ملكاً للمواطن. الذي عنده دبابة يضع الدبابة والذي لديه حرس يضع حرساً. والذي عنده حرب أهلية يستعمل قوانين الحرب الأهلية، والذي ليس عنده يستعمل حلول الحرب الباردة. فإذاً الخمار ليس إسلامياً فقط، الإسلام لديه خماره وانغلاقه الخاص، والحزب الواحد له خماره، والبعث لديه خماره أيضاً، القضية ليست فقط في الخمار الإسلامي وحده، فمن السهل أن تقول ذلك، هذا اتهام أوليّ، ولكن وراء الخمار الإسلامي خمارات أخرى موجودة ومتنوعة، الخمار هو صورة، وفي العرض ألبست حتى الرجال خمارات، فالانغلاق وقلة المعرفة وقصر النظر والتعصب وهذه الأشياء مكونات تشبه بعضها وتتوالد من بعضها، الناس الذين في العرض احتلوا المسرح صعدوا إليه وطردوا الممثلين منه ونهبوا أشياءه لم يجدوا ما يفعلون بها، لأنهم ببساطة لا يمتلكون مشروعاً، فقط ثقافة تدمير وموت بدون فكر لما بعد. في تجربتك الكوميديا حاضرة دائماً وتبدو شرطاً لازماً في مسرحك، البعض يربط بين حضور الكوميديا وبين كونك تستثمر مسرحاً خاصاً، باختصار يرمون إلى أن الكوميديا لديك عنصر تجاري؟ { هذا كلام فارغ. من يتهمنا بالتجارة كان عليه أن يعثر لنا عن مصادر تمويل. لا أتصور أن الكوميديا هنا موجودة لغرض تجاري، »كلام الليل« كعمل أصبح عملاً جماهيرياً، بحكم تجربته الطويلة مع الجمهور التي بدأت العام 89، هذا العمل الآن هو النسخة الحادية عشرة من »كلام الليل«، هذا كوّن جمهوراً، إرادة العمل لم تكن تجارية ولكن كانت مطروحة على أساس كيف نكسب جمهوراً جديداً للمسرح دون أن نفرّط بأهدافنا الفنية الشخصية، فوقع بالتوازي في »كلام الليل« بلورة خطاب مسرحي حاول إحداث بوابات جديدة في المسرح التونسي وفي مسرحنا، وتعامل مع اللغة والمخزون الثقافي بشكل فيه نوع من روح السخرية المطروحة. هذا فصل من فصول الفكاهة، أداة من أدوات التبليغ لا المتاجرة والحيلة، نعرف أن كثيرين يعملون كوميديا للتحايل، هذه أشياء تخصهم، لا نتصور الكوميديا لدينا عنصر تحايل على الجمهور أو استجداء الجماهير والأموال، وحتى لو كان ذلك مطروحاً بصفة خفية فإن قيمة العمل هي محل الحكم. أعيد الآن طرح »كلام الليل« بهذا الشكل بعد أن أنهيته العام 97 لكي أنهي مؤسسة »كلام الليل« إن جاز التعبير، فهي كانت عملاً جماهيرياً ومطلوباً من الناس، هناك انطباع عند التوانسة وغيرهم بأن هذا العمل يعايش الحقل السياسي والاجتماعي التونسي، هذا انطباع، إيهام ربما، لأنني لا أتصور لنفسي دوراً كهذا، دور المعلق السياسي أو المسرح السياسي، ولا أعتقد بوجود نوع المسرح السياسي، النشاط السياسي غير النشاط الفني، أنا أولاً على المسرح مسرحي ولست مواطناً سياسياً، ومع ذلك قلت هذه فرصة، لكي أطوي صفحة »كلام الليل« التي نشأت في ظرف اجتماعي وثقافي، انتهينا من هذه المرحلة ويمكن أن ندخل مرحلة أخرى، عندما أصبحت كلام الليل مؤسسة جاء من يكسر ويهدم هذه المؤسسة، وهم لصوص بغداد، الذين هم الوقائع اليومية وخيال العنف، فلو دققنا النظر في قيمة النصوص التي قيلت في هذا العمل لعرفنا أن فكرة الكوميديا ليست مطروحة في المستوى الأول الذي قيل عنه، أي التهريج، وقد قيل فعلاً هذا الكلام وجرى إطلاق كلمة التهريج، وهذا حكم ساذج جداً. فضاءات أقل هل يتعرض مسرحك للرقابة والمضايقات الأمنية؟ { أحياناً. ولكنها ليست قرارات سياسية بل بعض الاجتهادات الأمنية التي لا تؤثر. نحن أيضاً لدينا كلمتنا، فحتى الأمن يعطينا بعض التوجيهات لا نطبقها، وكذلك الرقابة حينما تعطيني توجيهات أرفضها، لو كان لكل المسرحيين التوانسة اجتهاد وجرأة على أخذ فضاءات وتنشيطها لكان الوضع أحسن، ولكن عدد الفضاءات (الأمكنة) صار أقل بدل أن يزيد، مثل »مدار«، دور الثقافة التابعة لوزارة الثقافة أغلقت مثل دار »بن رشيق«. و»التياترو« في كل هذا للناظر من بعيد ينعم بالبحبوحة والرفاهية لمجرد أنه مستمر، وهذه وحدها تصبح تهمة. بالنسبة إلى نص »لصوص بغداد« هل هو مكتوب على الخشبة أم وراء الطاولة؟ { أنا دائماً أكتب على الطاولة، وعلى وجه الدقة على الكمبيوتر، هناك مشاهد بطبيعة الحال مكتوبة بصرياً ومشغولة على الخشبة، لكن في الغالب أنا من يكتب النص قبل الصعود إلى الخشبة. تحدثت عن تدهور وإغلاق بعض صالات العرض في تونس، هذا يدفعنا إلى الحديث عن تجربة المسرح التونسي، في السبعينيات ظهر ما يسمى المسرح الجديد في تونس، خلال ثلاثين عاماً بقيت الأسماء التي تعتلي المسرح هي نفسها، أما من جيل جديد؟ أليس هنالك تجارب شابة؟ { المسرح التونسي هو أشخاص وليس مؤسسات، الجيل الذي تحكي عنه هو النواة الصلبة وهو موجود، والطليعة التي فيها الفاضل الجعايبي ورجاء بن عمار ومحمد إدريس وعز الدين قنون ما زالت هي نفسها. الرأي السيئ يقول بأن هؤلاء متسلطون على الوضع المسرحي، ولا يتركون للمواهب أن تنطلق، ولكن الرأي الآخر يقول لهم من يمنعكم أن تأخذوا كاراجاً وتحوّلوه مسرحاً؟ فالجيل الذي نشأ في السبعينيات لم يعطه أحد شيئاً حينها. هناك نوع من التواكل، سياسة الدولة في المسرح سيئة لأن وزارة الثقافة تموّل المسرحيين بالنزر اليسير، صدقة ولكنها تضمن نوعاً من التواصل لا التفوق. هذا أوجد للأجيال التي جاءت إلى المسرح عن طريق المعاهد والأكاديميات بيئة مهنية تمارس الاحتراف، ولكن دون أن تحمل هموم الاحتراف وهموم المسرح والتساؤلات الكبرى، إنها تحمل التساؤلات المعيشية اليومية، تجد مئة مسرحية منتجة سنوياً، ولكن قلما تجد ما يستحق النظر. المسرح التونسي يمكن أن ينتهي للرداءة المعتادة في المسارح العربية، فكرة تفوق المسرح التونسي انتهينا منها، لم يكن يوماً متفوقاً، مثله مثل السينما، هذه خدع مضت، لأن قيمة المواطنة هي التي تخلق المواطن الفنان المتفوق والسامي، والمواطنة عندنا في الدرك الأسفل، لذلك يخلق الفنان الهين محدود الأفق. باعتبار »أيام قرطاج المسرحية« صورة مصغرة عن الوضع المسرحي العربي كيف ترى إلى صورة هذا المسرح؟ { أنا شاهدت كل العروض العربية في قرطاج الأخير، كلها تدل على أننا خارج العصر، وأننا ما زلنا نجتر أشياء لا طائل من ورائها، انظر العرض العراقي، ولا أحب أن أسمي، ولكن ما قدمته العروض العربية يدل على أننا خارج العصر ولن تأخذنا إلى أبعد من موقعنا الصغير. نحن خارج العصر فعلاً، هذا ما نراه عبر آليات التفكير في تلك العروض، ما زلنا في مرحلة التبشير في عودة النص، وفي تكفير الآخرين، ولا إتقان لدينا للغة المسرح كما هي اليوم، شيء غريب؛ عندك كمبيوتر في بيتك وتأتي للمسرح لتقدم بلغة القرون الوسطى؟! تدخل للمسرح وأنت تحمل مشكلات القباني وجورج أبيض لا يمكن أن تخلق مناطق الشغب، كمسرح تقليدي برجوازي، محافظ، فلكلوري يستجدي الشفقة، أشعر بالمهانة إزاء ذلك. رأيت في إسبانيا مؤخراً مسرحية كويتية، تشعر حقاً بالإهانة لأنك في المسرح. مهرجان قرطاج هو مهرجان رسمي وهو مضطر على ما يبدو لأن يتعامل مع جهات رسمية تقدم مسرحاً رسمياً، هل تعتقد أن وراء هذه العروض، في الظل، مسرحاً مختلفاً؟ { هذا هو السؤال الذي طرحناه فعلاً، لنأخذ مثلاً المسرح المصري؛ ففيه فعلاً حرفيون، ولكن في أي خانة تضعه مسرحياً؟! رغم بعض الاجتهادات والمحاولات التي تسعى للخروج من النفق. المسرح العربي إما أناس مهنيون ولكن لا دعوى لهم بالسؤال المسرحي، ويمارسون حياتهم الاعتيادية ولهم مسالكهم الخاصة، أو هو مسرح بدائي صغير ومقام على تجارب غير معرفية ولا جدية، هذه هي الحلقة المفرغة التي ندور فيها. قرطاج حتى يتجدد ويحيا ويدخل إليه جينات جديدة يجب أن يفتح المجال ويتخلص من ورطة العقدة العربية الأفريقية، يذهب إلى »المتوسط«، ليخلق أي شعار آخر، أي أهداف أخرى، حتى يتمكن من الخروج من هذه الورطة والفخ الذي هو فيه. ففي المغرب بالتأكيد عروض أحسن مما شاهدنا، وهناك بعض العروض التونسية لا تستحق البرمجة، يجب أن يكون للعرض قيمة معينة ويحدث جدالاً ونقاشاً، والأمر نفسه يجب أن يسري على مهرجان القاهرة. أنا نصحت إدريس ببعض العروض مثل اللبناني »مارش« والأردني »مصابة بالوضوح« فلعلها تتضمن الحد الأدنى من المسرح. لكن وضع المهرجان لا يتعلق بإدريس دون غيره بل هذا وضع عام. لكن لا ينبغي لقرطاج أن يختار عروضاً كالتي اختارها، فيمكن أن لا يشارك بلد عربي إذا قدم عرضاً لا يستحق، أو أن المهرجان يحجب المشاركات حتى لو كانت جميعها لا تستحق. بإمكانه أن يقيم مهرجاناً فارغاً ويكون قد قدم صيحة استنكارية أحسن من الأخذ بالخاطر، هذه اللقاءات الفارغة لصحافيين ونقاد فارغين وأناس بلا دور في المهرجان، لمة عربية زائدة، وتبذير للأموال العمومية، يفترض بالمهرجان أن يرتفع بالمسرح إلى فوق، ويطرح الأشياء الحقيقية. هناك صعوبات حقيقية، والمسرح انتهى. الآن ليس سوى عهر وتزلف، إما للسلطة أو الجمهور أو الفلوس أو التلفزيون. أنا صدمت بردّ الفعل حول »لصوص بغداد« فالعرض نفسه ينبئ بالتدمير وبنهاية المسرح، أنا لا أدافع عن »لصوص بغداد«، ولكن الموقف السلبي للبعض تجاه العرض يشير إلى أنهم غير قادرين على قراءة مثل هذا العرض لأنهم في عصر آخر. كل شيء مفهوم: القمع وانعدام الحريات وانتهاك المواطن وعدم احترامه، ولكن الناس المؤهلين عليهم أن يقلبوا هذا الوضع كل في موقعه، لماذا لا يفعلون؟ من يمنع الناس أن يقدموا مسرحاً جيداً؟ لأنهم متورطون في قضايا ثانوية وفي أشياء تافهة مهنية وخلافه. (تونس)

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة