As Safir Logo
المصدر:

»ديوان الإمام الخميني« في ترجمة مصرية طير السماء ونمل الأرض

المؤلف: بزيع شوقي التاريخ: 2006-02-24 رقم العدد:10328

يسهم المشروع القومي للترجمة الذي يشرف على أعماله وإصداراته الناقد الدكتور جابر عصفور، في سد جزء من الفراغ الكبير الذي تعاني منه الثقافة العربية في مجالات الترجمة والتعريب والتفاعل مع الثقافات الأخرى. وإذا عرفنا أن مجموع ما ينقله العرب الى العربية لا يوازي أكثر من أربعة في المئة مما يترجمه الألمان وحدهم الى لغتهم الأم، لتبيّن لنا مقدار النقص القائم لدينا في هذا المجال ولوقفنا بالتالي على أحد أبرز أسباب تخلفنا الحضاري والفكري والاجتماعي. يكفي أن نذكر في هذا السياق أن فترة الازدهار العظمى التي عرفها العرب في تاريخهم البعيد لم تكن لتتحقق لولا الترجمات الهائلة والمتنوعة التي أمر المأمون بإنجازها خلال فترة حكمه وأنفق في سبيلها قدراً غير يسير من خزينة أمبراطوريته الشاسعة. مدركاً هذه الحقيقة بادر المجلس الأعلى للثقافة في مصر الى تأسيس مشروعه الريادي الهادف الى تمكين القارئ والمثقف العربي من الاطلاع على العديد من ثقافات العالم وإبداعاته عن طريق ترجمة مئات الأعمال الأدبية والفكرية المتنوعة اللغات والمذاهب. لقد أتيح لي أثناء زيارتي الأخيرة الى القاهرة، للمشاركة في أمسيات معرض الكتاب، أن أطلع على الكثير من ترجمات المشروع القومي الموزعة بين الإنكليزية والفرنسية والألمانية والإسبانية والروسية والفارسية وغيرها من لغات الأرض. لكن ما لفتني على وجه الخصوص هو وفرة الأعمال المنقولة عن الفارسية مثل »مواعظ« سعدي الشيرازي وتاريخ الأدب في إيران و»المسافر« لمحمد إقبال وبعض أعمال حافظ الشيرازي وصولا الى ديوان الإمام الخميني الذي شكل بالنسبة لي مفاجأة حقيقية لم أكن أنتظرها. والأمر لا يعود بالطبع الى تجاوز الإمام لموقف الإسلام من الشعر والشعراء، خاصة أن هذا الموقف لم يكن سلبياً بالمطلق، بل الى تمكنه من إيجاد فرصة كافية لكتابة الشعر برغم تعدد انشغالاته وجسامة المسؤوليات التي تحملها سواء في مواجهة نظام الشاه أو في التحضير لثورته البيضاء أو في حربه الضروس مع نظام صدام حسين. كما أن ما تركه الإمام من شعر ليس قليلاً، بالقياس الى كونه لم يتفرغ للتأليف ولم يطرح نفسه على الملأ بوصفه شاعرا محترفا، بل هو يضم عشرات القصائد والمقطوعات التي يتركز معظمها على التأمل في الحياة والكون ومحبة الخالق فيما يدور القليل منها حول السياسة ومواجهة الاستبداد وانتصار الثورة الإسلامية وقيمها الاجتماعية والأخلاقية. أول ما يلفت قارئ الديوان هو عناوين القصائد بالذات حيث تبدو هذه العناوين مستلة من القاموس الصوفي العرفاني الذي تتكرر فيه مفردات العشق والهيام والغناء والنشوة والمشاهدة والمقامات والأحوال وما يشابهها من مكابدات المتصوفة ومناخاتهم. والعناوين بدورها تصب في الإطار ذاته حيث نقرأ في القسم الأول من الديوان عناوين متماثلة تقريبا من مثل: »نور العشق« و»العاشق المحترق« و»سكر الفناء« و»كعبة العشق« و»شرح التجلي« و»محفل المحترقة قلوبهم« و»المخدر« وغيرها من الرموز التي تعتمد الإشارة والتأويل وجدل الباطن والظاهر. ولو أن هذه النصوص وضعت بين يدي قارئ عادي لا صلة وثيقة له بالشعر العرفاني ولغة الصوفيين لهاله أن يجد الإمام »متلبساً« بالحديث عن الخمرة والسكر واللذة والوصال والطرب وغيرها من مرادفات الغزل والشراب. الوريث على أن الإمام الخميني لا يؤسس لهذا النوع من الشعر ولا يبتدعه بل هو يأتي إليه متأخرا كثيرا في الزمن ووارثا لسلالة هائلة من شعراء التصوف الفارسي أمثال عمر الخيام وجلال الدين الرومي وفريد الدين العطار وسعدي وحافظ الشيرازي ومحمد إقبال وكثيرين غيرهم. ولأن التصوف بحد ذاته يقوم أساسا على المعاينة والاختبار والكشف الداخلي وعلى مفارقة الدال لمدلوله ودخوله في عالم ثنائي الدلالات، فقد استطاع أن يفتح أمام الشعر كشوفا جديدة وأبوابا مغلقة وأن يتقاطع معه في غير سمة وموضع. وإذا كان أدونيس قد وجد نسباً مباشراً بين الصوفية والسوريالية في بحثه الذي يحمل الاسم نفسه فإن هذا النسب يتجاوز السوريالية كمدرسة أو مذهب ليشمل الشعر برمّته وليتصل بأساس التجربتين الصوفية والشعرية. في ضوء هذه الفرضية يمكن أن نفهم دلالات الألفاظ والعبارات التي استخدمها الإمام في شعره مقتفياً خطى أسلافه الأوائل، وهو ما يحرص مترجم الديوان محمد علاء الدين منصور على توضيحه في مقدمته الموجزة. فالوجه والمحيّا يقصد بهما تجلي جمال الحق حيناً واللطف الإلهي حيناً آخر. والضفيرتان تعنيان مرتبة الإمكانية، والخال يكنى به عن وحدة ذات الإلهية، والعين ترمز الى شهود الحق، والماء هو الفيض والمعرفة، والسحاب هو الحجاب الذي يمنع المشاهدة، والأفعى هي النفس الأمّارة بالسوء، والبرق هو اللمحات الخاطفة التي تظهر في طريق السالك. إضافة بالطبع الى الدلالات المختلفة للقبلة والكأس والجرعة والسكر والجنون والصدر والشراب والدن وغيرها. يقسم المترجم ديوان الإمام الخميني الى عدة أقسام هي الغزل والرباعي والقصيدة والمسمط والبند والمقطوعات المتفرقة. وإذا كان القسم الأول، كما يبدو من التسمية، يدور على الموضوع والمحتوى المتعلقين بالحب الإلهي فإن الأقسام التالية تقع تحت باب الشكل الشعري المتعلق بالأوزان والشطور وعدد الأبيات وسائر ضروب الشعر الفارسي الكلاسيكي. وقد آثر المترجم أن يرتب القصائد والأبيات والشطور وفق الترتيب الفارسي الأصلي لها في محاولة منه لالتزام الأمانة في الشكل من جهة وللإشارة الى الطبيعة المحافظة لشاعرية الإمام من جهة أخرى. وهو أمر لا يفاجئنا في أي حال لأن الأمر يتصل أساساً بطبيعة رجال الدين أنفسهم الميالة الى التزام القواعد اللغوية والعروضية الصارمة والتي تنأى بنفسها غالباً عن التجريب والمغامرة الشكلية. إلا أن ما يخفف من وطأة هذه الملاحظة هو كون الإمام الخميني لا يطرح نفسه في الأساس كشاعر منقطع لقضية الشعر بل هو يعطي الشعر جزءاً يسيراً من وقته واهتماماته، إضافة إلى أن الشعر الحقيقي يتجاوز بُعده الشكلي الصرف ويخترق حواجز البحور والأوزان ليتلمس أبعاده وكشوفه في مجالات أخرى. وهو ما يظهر جلياً في القصائد الغزلية العرفانية التي تحتل ثلثي الديوان تقريباً بينما ترتد القصائد السياسية والدعوية الى خانة التقليد والتوظيف الإيديولوجي. إن من يقرأ في الجانب الأول قصيدة الإمام »استقبال الحبيب« يتراءى له للوهلة الأولى كأنه ازاء واحدة من خمريات عمر الخيام أو أبي نواس ثم ما يلبث أن يتداخل السكر بالعشق فيخال القارئ نفسه أمام واحد من مجانين بني عذرة: الآن وقد أغلق باب الحانة في وجهي فيحسن أن أشكو للخمار عن همومي أنا قتيل ذاك الساقي وقدح العشق وأنا العاشق الصب لتلك الطلعة البهية أحترق كالفراشة على صدر ذاك الشمع وأنا المجنون أبحث عن البادية في طريق جنوني ثمة مواقف وأحوال مماثلة تتكرر باستمرار في قصائد الديوان ولو عبر صيغ وتعبيرات مختلفة. فنحن ازاء قصائد تدور على نفسها مثل دوران الدراويش وصولاً الى حالة الانخطاف والنشوة النهائية. والطريق الى الحق والمعرفة اليقينية، وفق الإمام الخميني، لا تمر بالضرورة عبر العقل المحدود والعلم المقيد بل عبر إشراقات أخرى تولدها الروح وتضرمها نيران الوله والهيام والتوحد مع المعشوق. ولعل من قبيل المصادفة المحضة أن يتوافق إعلان أبي نواس الشهير حول قصور العلم والفلسفة عن بلوغ اليقين في بيته الشهير »فقل لمن يدعي في العلم فلسفة/ حفظت شيئاً وغابت عنك أشياء« مع إعلان الإمام في خاتمة إحدى قصائده العرفانية: هؤلاء العقلاء وباعة العلم والصوفية لا يسمعون ما تلهج به أفواهنا من أوراد والإمام يعود الى المعنى نفسه في إحدى رباعياته المميزة التي تحمل عنوان »شوك الطريق« والتي ينفي من خلالها قدرة الفلسفة على اجتراح الحقيقة أو المساهمة في كشف النقاب عنها: هذه الفلسفة التي تسمّينها العلم الأعلى وتحسبينها أعلى من سائر العلوم لن تزيل شوكة من طريق السالك العاشق ولو وضعتها على العرش الأعظم غير أن قصائد الديوان كما سبق أن ذكرت ليست على سوية واحدة ولا تحافظ على العمق نفسه بل هي تنحو أحياناً مناحي تقليدية وذات صلة بمناسبات المديح والذم والتبشير السياسي. وإذا كان مديح الإمام لأستاذه وشيخه عبد الكريم الحائري يفلت أحياناً من مزالق المديح العادي نظرا للعلاقة غير النفعية التي تربط بين الطرفين فإن بعض المقطوعات والرباعيات والقصائد تنزلق باتجاه المباشرة والنثر العادي والشعار السياسي التقريري، كقوله في قصيدة »الراية«: هذا العيد هو عيد حزب الله والعدو عليهم بهزيمته لأن راية جمهوريتنا الإسلامية خالدة باسم الله الأعظم كأن ثمة مستويين اثنين وشديدي التفاوت يحكمان قصائد الديوان. وهو أمر يمكن تفهمه بالنسبة الى الإمام المهجوس بالسياسة وتغيير العالم لا عن طريق القصيدة وحدها بل عن طريق الكلمة المباشرة التي تتحول الى ثورة عاتية وعصف جماهيري. ومع ذلك فالشعر الحقيقي ما يلبث أن يلمع كالبرق بين آونة وأخرى حيث يعلن الإمام في إحدى قصائده: في الحلقة أنا طير السماء وفي الدائرة أنا نمل الأرض.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة