As Safir Logo
المصدر:

فيلم بوسني يفوز بالدب الذهبي في مهرجان برلين »غربافيتشا«.. الاغتصاب قبر مفتوح للبنات أيضاً

ميريانا كارانوفيتش وليون لوسيف في مشهد من فيلم »غربافيتشا« البوسني
المؤلف: الخزاعي زياد التاريخ: 2006-02-23 رقم العدد:10327

كما كانت المفاجأة في دورة العام الماضي من »مهرجان برلين السينمائي الدولي«، حين اختارت لجنة تحكيمها الفيلم الجنوب أفريقي »يوكارمن« الذي أقتبس أوبرا بيزييه الشهيرة، وهو الفيلم الذي لم يكن في حسبان أحد من النقاد والصحافيين كي يُكرّم بدب ذهبي، فاجأت نظيرتها في هذا العام حضور الدورة السادسة والخمسين للمهرجان في تكريم الشريط البوسني »غربافيتشا« للمخرجة ياسميلا زابنيتش التي رفعت بزهوّ دبها الذهبي، مستغلّة حفل الختام الباذخ كي تناشد أوروبا عدم إغفال العقاب الذي يجب أن يطال القتلة، وقالت: »الحرب في البوسنة انتهت منذ ثلاث عشرة سنة، إلا أن مجرمي الحرب رادوفان كاراديتش وراتكو مالاديتش ما زالا يعيشان بحرية في أوروبا اليوم! لقد أشرفا على عمليات اغتصاب مئتي ألف من النساء البوسنيات ولا أحد مهتمّ بإلقاء القبض عليهما«. هذه الغصة من الانتقام الناقص ستظهر في شكل مضمر في حكاية البطلة أسماء (أداء رائع لماريانا كارانوفيتش التي عُرفت عالمياً بتعاونها مع المخرج اليوغسلافي الذائع الصيت أمير كوستاريتسا في »حينما ذهب أبي في رحلة عمل« (1985) و»أندرغراوند« (1995)، التي ستتحايل على لجاجة طلب ابنتها سارة (12 عاماً) في الحصول على شهادة حكومية تثبت أنها ابنة شهيد، لتشارك أقرانها في رحلة مدرسية لن تدفع أكلافها. تسعى الأمّ إلى تأمين المال اللازم لتتفادى مراجعة المؤسسة الحكومية الخاصة بإصدار مثل تلك الشهادة المطلوبة. تفشل أولاً في إقناع السيدة المسؤولة عن المنح الحكومية بإعطائها قرضاً، ولا تفلح رفيقاتها سوى في جمع مبلغ زهيد، لتواجه في نهاية المطاف مهانة الترجّي وتعمل نادلة في مقصف ليلي، فيما تحافظ على مهنتها الأساسية كخياطة. الاغتصاب أسماء تُخفي أمراً، لا تتجاسر على البوح به. إنه عذابها الشخصي الذي يحاصرها في خلواتها ومنامها. هي ليست وحيدة، بل مستوحدة بإرادتها. فحين تمر بعلاقة حب قصيرة مع الشاب بيلدا الذي سيُخسرها عملها المضني بعدما يسرف في ضرب مرؤوسها الذي حاول الاعتداء عليها، ستحصل منه على القبلة اليتيمة والحقيقية في خريف عمرها. كل شيء في حياة أسماء مقتطع عن مساراته الطبيعية: رحلتها اليومية في الحافلة لا تنتهي دوما الى وجهتها، فمرة تصادف رجلاً يدفع في وجهها سلسلة عنقه الذهبية وهي تحمل شارته الطائفية التي تذكّرها بوجعها وترغمها على الهروب، وأخرى يقطعها حادث. علاقتها مع رفيقتها وجارتها تنفصم وسط الشارع حينما تشكوها ابنتها سارة (الشابة لونا ميجوفيتش) وسلوكها العنيف. قريبتها العجوز الميسورة سترفض رجاءات أسماء في مساعدتها مالياً. وأيضاً حين تطلب من رئيسها في المقصف سلفة سيضع في المقابل ثمناً باهظاً. وعندما ظنت ان وحدتها ستنتهي مع وجود بيلدا سيُصعقها هذا بخبر قراره بالهجرة. لا مُسعف يداريها من ضغط الحكاية المضمرة في داخلها. فقرار وأدها متوافر بين يديها فقط. والامر الوحيد الذي سيحقق لها أمانها الداخلي وطهارة ذاكرتها هو الاعتراف، لكن لمَن، ومتى؟ للأولى: لا أحد يستأهل سرد الحكاية القاسية سوى الابنة المتنمّرة، المنتفضة على سائدها اليومي، التي لن تتأخر في القفز فوق المحظور الأخلاقي (صداقتها للفتى سمير الذي سبق أن عيّرها بأنها ليست ابنة شهيد أثناء لعبة كرة قدم مشتركة للجنسين وانتهت بمقابضة جسدية بينهما، ولقائهما في جلسات الغرام في عمارات خط التماس التي دمّرتها الحرب). وللثانية: تلك اللحظة النارية التي ستوجّه فيها الصبية الرعناء مسدس حبيبها في وجه الام أسماء، وتهددها برصاصة، إن لم توفر الشهادة المعضلة. عندها، ستعي البطلة حجم الخسارة التي تغلّفت بها حياتها مع سعيها الدؤوب إلى طمر عارها الشخصي في داخلها (لا تساهم أسماء في جلسات البوح التي تُنظم لنساء سراييفو، وتتمسك بصمتها وهي تستمع الى فواجعهنّ، وكأن نأيها سيحميها من مهانة الاعتراف). في لحظة مجنونة ستنتفض أسماء وتهجم على وليدتها لتعاقبها مرتين: بالضرب المبرح، وبكشف المستور الشخصي. فسارة ابنة سفاح من مغتصب صربي لم تتجرّأ الأم على إجهاض الجنين الدنس. فقتل النفس أكثر أثماً من جريمة اغتصابها. لحظتئذ تكتشف الشخصيتان أن قدرهما الثنائي مرتهن بمفاصل ثلاثة: أ الحب الذي يقف نقيضاً للجرح الذاتي، والإحساس بالظلم من الجريمة التي أفلتت من المحاسبة الجماعية. ب الحقيقة التي تلبست وجهين متناقضين، فما خبرته الأم من رعب الاغتصاب ومن ثم الحمل وأخيراً ولادة طفلة النطفة النجسة، لن يصلح كي تكون حكاية وحسب لهذه الأخيرة حينما تزف لحظة المصارحة. فالقضية بالنسبة إلى سارة هي إقرار بهوية ناقصة وفضح التباسها الذي تعقد بسبب الاشتراط الاجتماعي وأخلاقياته. هذا الكائن الذي تربى على الايمان بانها ابنة شهيد حرب أمة واجهت الاقصاء العرقي، ستعرف أنها صناعة لحظة من الوحشية التي تفرضها حروب الطوائف. ستمسك الصبية شجاعتها وتكشف للجميع عن عار تتشارك به مع عشرات آلاف الضحايا الساعين الى المصالحة بينهم وبين مجتمعهم. أما علامتها الفارقة فستكون حلاقة شعر رأسها. ج المحيط، فالشخصيتان تعيشان في شقة متواضعة تقع في حي »غربافيتشا« الذي استعارته المخرجة زابنيتش (ولدت في العام 1947 ودرست في أكاديمية فنون سراييفو قبل أن تنتقل الى الولايات المتحدة مع نهاية الحرب لتؤسس مسرحاً للدمى هناك. حقّقت أول أفلامها عام 1995) عنواناً لباكورتها السينمائية. وتحمل أرضه وبناياته وزواريبه وساحاته وزوايا شوارعه وصمات جرائم الحرب، إذ حاصرت القوات الصربية المنطقة الواقعة على خط التماس مع القوات البوسنية وحوّلتها الى معسكرات تعذيب واغتصابات جماعية. في هذا المحيط الرمز، ستتعامل البطلة أسماء مع سرها كاستكمال للأسرار واللوعات التي تحفظها بنايات الحي ذات الطراز المعماري الاشتراكي المتقشف، وفوق أرض هذه البقعة المدنّسة بالأهوال، ستندفع أسماء الى البوح بأصل سارة اللعين. ف»غربافيتشا«، التي تعني حسب زابنيتش »المرأة ذات الحدبة«، أرض آثام عليها أن تستمع الى اعترافات النساء الضحايا، وتخفف مواجعهن، وترسم فوق »حدبتها« نزف خزيهن الذي فرضه مجرمو حروب. لذا، كانت كاميرا زابنيتش دائمة التجوّل في الشوارع (جهد معتبر من مدير التصوير كريستيان مايير)، فالحي بطل ثانوي يعضد حكاية البطلتين، ومن دون فهم تاريخه ستصبح هذه الأولى خاوية الفحوى والغرض. شريط شجاع إن فيلم »غربافيتشا« قد لا يكون فيلم جوائز، إلاّ أنه بالضرورة أحد أهم أشرطة مسابقة برلين من حيث قوته الدرامية وشجاعة المخرجة الشابة زابنيتش في إعادة الاهتمام بقضية إنسانية كادت الهموم اليومية ومصاعبها أن تتكفّل في نسيانها. إنه نص اجتماعي، مختزل في عدد شخصياته، شحيح في أحداثه، مباشر في حواراته التي تصل الى أقصى حدود الكلام العادي، مقنن في مواقع تصويره إذ لم يخرج عن دائرة الحي نفسه، إلا أن هذا العمل المتبسط في خطابه، يحمل أيضاً صبغته السياسية المتوارية خلف جريمة اغتصاب الأم أسماء، وهي قضية الفيلم الأساسية التي تثير الغضب والأسى معاً. (برلين)

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة