عندما أعلن رئيس اللقاء الديموقراطي النائب وليد جنبلاط عن وصول أسلحة، تمّ ضبطها من قبل عناصر الجيش، ثم أفرج عنها لأنها تعود الى المقاومة، ظنّ كثيرون أن ما أعلنه يأتي في سياق الخطاب السياسي الذي يتداوله هذه الايام، ولم يفطن احد الى أن كرة الثلج ستبلغ الحجم الذي بلغته، وفي سرعة قياسيّة. جاء بيان قيادة الجيش ليعطي مصداقية أكبر لما أعلنه زعيم المختارة، وإن كان قد صحح مقولة أن الاسلحة لم تأت من سوريا، بل كانت داخل الاراضي اللبنانية، وكادت المسألة ان تنتهي عند الحدود التي بلغتها، لو لم يبادر تيري رود لارسن الى الطلب من الحكومة اللبنانية، تفسيرات حول هذا »التطور المثير للقلق، والذي يعتبر انتهاكا سافرا لقرار مجلس الامن الرقم 1559«. أبعد مما هو معلن، هناك سؤال كان موضع تداول خلال اليومين الماضيين، وراء كواليس دبلوماسيّة، حول الجهة المخابراتية التي سرّبت خبر الاسلحة، وهل هي لبنانيّة؟ إذا كان الجواب إيجابا، فمعنى ذلك أن الاجهزة قد تحررت من »عقدة الماضي«، وأصبحت لبنانية الولاء والقرار والتوجه وفق المبادىء والقناعات التي ينادي بها فريق 14 آذار، وبالتالي لم يعد من الجائز تكرار اللازمة حول التقصير، والجهوزيّة، والعدد غير الكافي، وما الى ذلك من حجج اخرى تليت على مسامع المواطنين بعد تظاهرة الاشرفيّة، والاجتياح التخريبي الذي طاول بعض شوارعها؟. أما إذا كان مصدر المعلومات يعود الى إحدى السفارات، وأحد الاجهزة التابعة لها، والناشطة على الساحة، فهذا يؤشر الى الأدهى، ويعني أن وراء تسريب الخبر، افتعال ديناميّة سياسيّة دبلوماسيّة، محليّة دوليّة قد يكون من أهدافها إعادة تعويم القرار 1559، لجهة التشديد على ضرورة وضع كامل بنوده، ومندرجاته موضع التنفيذ. أيا تكن الوسيلة، فالغاية قد حققت أهدافها، وأيّا تكن الجهة التي سرّبت خبر قافلة الاسلحة، فإن الضجة المطلوب إثارتها، قد أثيرت حتى بلغت مسامع الامم المتحدة التي سارعت الى التدخل من خلال ما اعلنه ممثل الامين العام، لمتابعة تنفيذ القرار 1559، تيري رود لا رسن، الذي طالب الحكومة اللبنانية بتقديم تفسير رسمي حول حقيقة ما جري. حاولت وزارة الخارجيّة أن تتعاطى مع الموضوع بسريّة مطبقة، وفي بلد لا مكان فيه للسر، إلاّ ان الموضوع، في بعض وجوهه، وابعاده قد تخطاها، لأن التفسير الذي طالب به لارسن، إنما طلبه من رئيس الحكومة فؤاد السنيورة، ومن الحكومة التي تضم شريحة كبيرة من الوزراء تمثل قوى 14 آذار، والحريصة على وضع القرارات الدولية موضع التنفيذ، بينها وربما في مقدمتها القرار 1559. وياتي بيان قيادة الجيش ليزيل الكثير من العوائق والعقبات أمام »التفسيرات« المطلوبة، لأنه لم ينف الخبر، بقدر ما يؤكده، من دون الدخول في التفاصيل الميدانيّة، او الاجرائيّة. وبمطلق الاحوال فإن الامم المتحدة، لها مصادرها المختلفة للتأكد من حقيقة ما يجري، وكأن الهدف من اهتمام لا رسن، تحريك جملة ملفات دفعة واحدة، متصلة بشكل، او بآخر بالقرار 1559، منها: ضرورة ترسيم الحدود بين لبنان وسوريا، وإقفال المعابر غير الشرعيّة، ووقف تسلل السلاح والمسلحين، ومعالجة السلاح الفلسطيني خارج المخيمات، وحل الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية، الى إجراء الانتخابات الرئاسيّة، وسائر البنود الاخرى المدرجة في هذا القرار؟!. بالطبع لا يوجد ما يؤشر الى عودة سريعة للارسن الى بيروت، على الرغم من ان جهات دبلوماسيّة لا تستبعد في ان يحصل ذلك في أي وقت، إذا ما دعت الحاجة، وبالتالي فإن الحدث لا يقتصر على أن يأتي، او لا يأتي، بل تصميمه على التحرك، ولو من موقعه في الامم المتحدة، تحت شعار إعادة الروح الى القرار الدولي، 1559 والسعي الجدي الى وضعه موضع التنفيذ، مدعوما بمظلة دوليّة يوفرها مجلس الامن. يتزامن ذلك مع الذكرى السنوية لاستشهاد الرئيس رفيق الحريري، ومع التصعيد الخطابي الذي شهدته ساحة الحريّة، حيث صدرت مواقف قيل فيها بأنها تجاوزت كل المحظورات، وأطاحت بما كان يعتبر من الثوابت، او الخطوط الحمر، سواء ما يتعلق بالموقف من النظام السوري، او من العلاقات بين البلدين، او ترسيم الحدود، او سائر المواضيع الساخنة الاخرى. ولعل السؤال الذي يطرح نفسه: هل أن هذه المواقف قد جاءت وليدة اللحظة، وأنبتتها موجة من الانفعال، أم انها كانت معدّة عن سابق تصور وتصميم، ومنسّقة بشكل جيد مع الامم المتحدة، والولايات المتحدة الاميركيّة، وبعض الدول الكبرى في مجلس الامن؟. الجواب غير المباشر، جاء على لسان وزيرة الخارجية الاميركية كونداليسا رايس التي رأت أن القرار 1559 يجب ان يطبّق بالكامل، »ولا يمكن في النهاية ان يكون لديك نظام سياسي يحاول فيه الأفراد أن يكون في الوقت عينه جزءا من النظام السياسي، وان يحاولوا في نفس الوقت الإبقاء على ميليشيا مسلّحة؟!«. أما الجواب المباشر فقد جاء من خلال مواقف النائب وليد جنبلاط الاخيرة، والتي ألحّ فيها على إيجاد مخرج لسلاح »حزب الله«، مطالبا بتنفيذ اتفاق الطائف الذي يتحدث عن حل الميليشيات، محاولا من خلال ذلك العودة الى موقف سبق ان أعلنه البطريرك نصرالله صفير عندما قال إن القرار 1559، غير بعيد عن الطائف الذي ارتضاه اللبنانيون؟!. إلا ان الجديد في موقف جنبلاط، هو الربط بين سلاح الحزب وتدفق شحنات الاسلحة اليه عبر الحدود اللبنانية السوريّة، وبين ارتباطه بالحلف الايراني السوري، وهذا ما يحرك الكثير من الشجون والحساسيات، إن على المستوى المحلّي، او على المستوى الدولي، خصوصا بالنسبة للولايات المتحدة، و»الترويكا الاوروبيّة«، إلمانيا، وبريطانيا، وفرنسا، عندما يتعلق الامر بسوريا، او بإيران، وهذا ما أشار اليه لارسن صراحة في اولى ردّات فعله على نبأ شحنة الاسلحة، بالقول أن سوريا لم تمتثل بعد لكل ما هو مطلوب منها في القرار 1559. لم يعرف ما إذا كانت زيارة وزير خارجية إيران منوشهر متقي الى بيروت، تتصل بشكل او بآخر بهذا الملف، لكنها تزامنت في الوقت الذي كان يتفاعل فيه على أكثر من صعيد، ولا يستبعد أن يكون مادة حوار ونقاش أثناء لقائه مع قيادة »حزب الله«، او حتى أثناء اجتماعاته مع بعض المسؤولين والفعاليات، لأن المسألة ينظر اليها على أنها محاولة جديّة لوضع الدعم الايراني السوري للحزب في دائرة التصويب والاستهداف، ان على الصعيد الاعلامي، او الدبلوماسي. كما يضع خطوط إمدادات الحزب بالسلاح من إيران، او من سوريا، تحت رقابة صارمة، وذلك في محاولة لإصابة أكثر من هدف برمية واحدة، كالبدء بوقف الامدادات عن الحزب، وفتح المزيد من الملفات مع سوريا، من اتهامها بعدم الامتثال الى القرار 1559، او مطالبتها بإقفال المعابر غير الشرعيّة، ووقف تسلل السلاح والمسلحين، وترسيم الحدود مع لبنان، الى سائر المطالب الاخرى التي من شأنها أن تؤدي في حال نجاح سياسة الضغوط الى تحقيق هدف رئيسي، ألا وهو فك ارتباط التحالف القائم بينها، وبين إيران، وهذا المطلب، إنما هو أميركي غربي بإمتياز؟!. وبقدر ما يسعى الوزير منوشهر الى مدّ أطراف التحالف اللبناني المؤيد للحلف الايراني السوري بجرعة من المعنويات، خصوصا بعد الافصاح عن شحنة الاسلحة التي وصلت من الحدود السورية اللبنانية، فإن تحالف قوى 14 شباط ينتظر من الامم المتحدة، او الولايات المتحدة جرعة دعم مماثلة لتنفيذ المطالب التي ينادي بها، فهل يأتي بهذه الجرعة تيري رود لارسن من خلال إعادة تعويم تنفيذ القرار 1559 بكامل مندرجاته، أم القاضي الدولي سيرج براميرتس من خلال تصويب المزيد من أصابع الاتهام ضد سوريا؟!.