في عيد الحب سنة 2005 تسلّم رفيق الحريري هدية قانية بدلاً من وردة حمراء. هكذا غدر به قاتلوه، وجعلوا الحياة غير قادرة على إمهاله في العمر طويلاً بعدما أعطته من خزائنها كثيراً وبلا حساب. عاش على هذه البسيطة ستين سنة فقط أمضاها في كفاح عنيد مع مصائره القاسية ومع نهايته الفاجعة. وتعوّد خلال تلك الأيام فقدَ الأحبة، وتحمّل آلامه بصبر وثبات، فقد توفي ابنه حسام الدين بحادث سيارة في الولايات المتحدة الأميركية سنة 1991، ثم توفيت والدته سنة 1995، ولم تُثنه آلام قلبه عن الاندفاع المتواصل في سبيل أهدافه. *** رهبة الموت لم يعرف لبنان في تاريخه المعاصر جنازة مثل جنازة رفيق الحريري. ولم يتفجّع اللبنانيون على رحيل شخص مثلما فُجعوا برحيل رفيق الحريري. ومع ان لبنان شهد اغتيالات شتى، غير ان اغتيال رفيق الحريري كان أعظم هولاً من أي اغتيال آخر. في سنة 1950 اغتيل رئيس الوزراء اللبناني رياض الصلح في عمان وسارت في جنازته جموع كثيرة. وتكرّر المشهد، بصور مختلفة، في جنائز كمال عدوان ومحمد يوسف النجار وكمال ناصر في سنة 1973، وفي جنازة معروف سعد سنة 1975، وكمال جنبلاط سنة 1977 وبشير الجميل سنة 1982، ورشيد كرامي سنة 1987، والمفتي حسن خالد في سنة 1989، والرئيس رينيه معوض سنة 1989. لكن، لم يبلغ إجماع اللبنانيين على شخص مبلغ الإجماع الذي حظي به رفيق الحريري بعد موته. ومن غرائب الامور في لبنان ان الحريري نفسه كان موضع خلاف محتدم بين اللبنانيين. وثمة الكثير من القوى السياسية ومن الشخصيات التي طالما اعتبرته مسؤولاً عن ارتفاع الدين العام إلى أرقام لا يستطيع الاقتصاد اللبناني أن يتحمّلها، والتي بلغت نحو 38 مليار دولار. ومع هذا، ما إن سمع الناس خبر اغتيال رفيق الحريري حتى تدفق سيل من العواطف البشرية المكتومة والمكلومة والغاضبة كما لم يحدث أبداً من قبل. ما السرّ إذن في طوفان هذه المشاعر الفائضة؟ ولماذا خمدت فجأة لغة التجريح التي لم توفر حتى الإنجازات الكبرى لرفيق الحريري؟ ولماذا انقلب بعض معارضيه، خلال أقل من أربع وعشرين ساعة، من الهجاء اللئيم إلى الندب وكأنهم أبناؤه؟ أهي رهبة الموت أم الشعور بالإثم؟ سرّ الرجل لم يكن رفيق الحريري مجرد رجل أعمال ناجح فحسب، فرجال الأعمال الناجحون كثر في لبنان. ولم يكن مجرد رجل سياسي ذي حضور باهر، فالحياة السياسية في لبنان تحفل برجال السياسة من أصحاب الجاذبية والأنصار. وليس رفيق الحريري مجرد رجل عصامي تحلّى بالدماثة والخُلق والبساطة وكانت له فضائل لا تُحصى في أعمال البر وفي صنائع الخير فقط، إنما رفيق الحريري هو هذا كله معاً. ومع ذلك فإن هذه العناصر التكوينية لشخصيته لا تفسّر هذه البراكين العاطفية التي تفجّرت، مرة واحدة، حزناً عليه. ولعل هذه المرارة التي غمرت مشاعر اللبنانيين كلهم، وربما العرب ايضاً، كانت نتيجة لفقدان الأمل. فالحريري كان يمثل، بلا ريب، أملاً كبيراً في لبنان، ولا سيما بعد أن انحطت النخب السياسية اللبنانية انحطاطاً مذهلاً. وكان الحريري يمثل لجيل الشباب على وجه الخصوص، آخر حلم لهم بالمستقبل، وآخر سند يقيهم شقاء الهجرة واللجوء الى دول الغرب. وحينما اغتيل رفيق الحريري، بتلك الصورة الفاجعة، تهاوى الأمل والحلم والمثال مرة واحدة، وشعر كل لبناني أن معبده تداعت حوائطه، وأنه بات في عراء وصقيع لم يعهدهما من قبل، وتصدعت مكامن الألم في وجدان الجميع، وعبّرت عن نفسها في ذلك الوداع المهيب. البدايات الأولى عاش رفيق الحريري طفولته في عائلة بسيطة مثل معظم عائلات صيدا، فلم تكن عائلته تمتلك ثلاجة او غسالة او موقد بوتوغاز او غرفة طعام. وكان يعمل في عطلاته المدرسية في قطاف الحمضيات في بساتين صيدا، ثم في قطاف التفاح في سهل البقاع بعد نهاية موسم الحمضيات. وعلى الرغم من ذلك، فقد أنهى المرحلة الابتدائية في مدرسة فيصل الأول المجانية التابعة لجمعية المقاصد الإسلامية في صيدا، وتابع دروسه الثانوية في ثانوية المقاصد ايضاً، ونال التوجيهية المصرية في سنة 1964. ثم التحق، مثل معظم أبناء الفئات »المستورة« بكلية التجارة في جامعة بيروت العربية سنة 1965، وراح يعمل، في أثناء دراسته، محاسباً في »دار الصياد« نهاراً، ومصحّحاً في جريدة »الأنوار« ليلاً، ليتمكن من إعالة نفسه. من المحاسبة إلى المقاولات خمسون ليرة لبنانية فقط (أي ما يساوي 20 دولاراً في تلك الأيام)، جعلته يجتاز الحاجز بين الثروة والفقر. فقد كان يعمل في مجلة »الحرية« التي أشرف عليها آنذاك محسن ابراهيم ونفر من القوميين العرب أمثال محمد كشلي وياسر نعمة. وحينما طالب بزيادة في أجره الشهري مقدارها خمسون ليرة لم تتمكن المجلة الفقيرة من تلبية طلبه الملحاح، فصمّم على تغيير حياته المادية سريعاً. وعندما لاحت له فرصة السفر الى السعودية بعدما قرأ إعلاناً عن إحدى الوظائف في جريدة »النهار« لم يتردّد، وغادر بيروت على الفور الى مدينة جدة. وهناك تنقل في أعمال شتى: معلم للرياضيات في »ليسيه جدة«، ومدقق للحسابات في شركة ناصر الرشيد، ومحاسب في شركة نقولا عيسى عكاوي. لكن ذلك كله ظل أدنى بكثير من طموحه، وأراد ان ينتقل من عالم الدفاتر وحسابات الأموال الى عالم المال مباشرة. وهذه الفرصة جاءته على يدي رجل الأعمال الفلسطيني زين مياسي. الحريري وفلسطين أثّرت فلسطين كثيراً في وجدان رفيق الحريري وفي عقله معاً. فهو أولاً من مدينة صيدا التي اشتهرت بالمواقف القومية لأهلها وبقربها الجغرافي من فلسطين. وهي ثانياً مدينة استقبلت الكثير من اللاجئين الفلسطينيين الذين وفدوا إليها سنة 1948. وأبعد من ذلك، فقد انتمى رفيق الحريري، منذ شبابه الأول في جامعة بيروت العربية، إلى حركة القوميين العرب التي أسسها الفلسطينيان جورج حبش ووديع حداد، والتي كان تحرير فلسطين الهدف الجوهري لهذه الحركة. ثم إن أول من أدخله الى عالم المقاولات كان الفلسطيني زين مياسي، فعمل لديه في الرياض خمس سنوات متواصلة، وظل يناديه بلقب »المعلم زين« حتى بعد أن صار الحريري أحد أكبر أثرياء العالم العربي. ومع ذلك لم ينس أصدقاءه القدامى وأترابه قط. وعندما أسس شركة »أوجيه لبنان« ومؤسساته التعليمية والاجتماعية الأخرى استدعى الكثير من أصدقائه وأوكل إليهم مسؤوليات كثيرة. وعلاوة على جورج حبش ووديع حداد وزين مياسي فقد تزوّج امرأة فلسطينية على رقي وخُلُق كبير. إنها نازك عودة التي رافقته في مسيرته الحياتية والعملية. اكتشف رفيق الحريري عالم المقاولات على يدي رجل الأعمال زين مياسي. ومنذ أن تكشفت له أسرار المقاولات وخفايا الأسواق حتى أدار ظهره للمحاسبة وقرر أن يلج ميدان الأعمال. فأسس في سنة 1971 شركة صغيرة باسم »سيكونيست«. وتمكّنت هذه الشركة، بعد ست سنوات من الكفاح في عالم المقاولات، من أن تفوز مناصفة مع شركة فرنسية تدعى »أوجيه«، بعقد لبناء قصر المؤتمرات في الطائف مع ملحقاته الملكية. واستطاعت شركته أن تنفذ المشروع خلال زمن قياسي لم يتجاوز التسعة أشهر. وبعد هذا النجاح جرى دمج »سيكونيست« بشركة »أوجيه«، وصار اسمها »سعودي أوجيه«، وامتلك الرئيس الحريري أسهم الشركة الجديدة، وحاز الجنسية السعودية، ومُنح لقب »شيخ«. متعدّد اللغات يتكلّم الرئيس الحريري الانكليزية والفرنسية بطلاقة. والمعروف أن الذين درسوا في مدارس جمعية المقاصد في لبنان لا يتقنون اللغات الأجنبية جيداً. فمن أين للرئيس الحريري هذه الطلاقة، ليس في الانكليزية وحدها، بل في الفرنسية أيضاً؟ لقد تعلّم الرئيس الحريري اللغتين على نفسه أولاً، ثم على أيدي أساتذة مختصين بهذا الحقل في ما بعد. وإن دلّ هذا الأمر على أي شيء فإنما يدل على روح المثابرة لدى الرئيس الحريري، وعلى إرادة الإنجاز، وعلى التطلع نحو التقدم، وعلى ولوج العصر وروح العصر ومتطلبات العصر. وبهذه الإرادة والمثابرة صار الحريري جزءاً من حقائق الحياة السياسية في لبنان وفي العالم العربي، لا بصفته رجل أعمال، بل لكونه رجل سياسة في المقام الأول، ورجلاً قدّم الكثير لأبناء شعبه في المقام الثاني، فهو الذي أنشأ في سنة 1983 »مؤسسة الحريري« للإنفاق على تعليم الطلاب تعليماً عالياً، وتقديم المنح لهم في سبيل متابعة دراساتهم في الجامعات الأجنبية. وقد قدّمت هذه المؤسسة مساعدات لنحو 36 ألف طالب جامعي، وكانت تنفق نحو 80 مليون دولار سنوياً في هذا السبيل. رجل السياسة والإعمار لم يكن لرفيق الحريري أي حضور سياسي في لبنان قبل سنة 1980. على أن ظهوره في الميدان السياسي بدأ عقب الاجتياح الإسرائيلي للبنان في سنة 1982 حينما أسس شركة »أوجيه لبنان« وأوكل إليها مهمة شاقة جداً هي إزالة الركام الذي خلّفه الاجتياح الإسرائيلي في بيروت وصيدا. وكانت تكلفة هذه المهمة كلها على عاتق الرئيس الحريري. وبالفعل تمكّنت هذه الشركة، وخلال زمن قصير، من تنظيف العاصمة وبناء أرصفتها وإنارة شوارعها، وإصلاح شبكات المياه والكهرباء والهاتف، ثم قامت بعملية تأهيل وتحديث وتجميل شاملة لمدينتي بيروت وصيدا، فضلاً عن تأهيل مدينة طرابلس بعد الدمار الذي أصابها في المعارك الداخلية سنة 1983. إلى ذلك بدأ النجم السياسي للرئيس الحريري بالصعود التدريجي، وفي ظل الغضبة الشعبية العارمة التي تفجّرت ضد اتفاق 17 أيار (1983) الذي رأى فيه اللبنانيون (ومن خلفهم السوريون) اتفاق إذعان فقد تمكّن رفيق الحريري من لعب دور شخصي في إقناع الرئيس اللبناني آنذاك امين الجميل بإلغاء اتفاق 17 أيار 1983 مع إسرائيل. وحينما حصل من الرئيس الجميل على نص رسمي في هذا الشأن بادر فوراً إلى السفر إلى دمشق برفقة جان عبيد، وعبرا طرقات برية خطرة، وقدّما للمسؤولين السوريين حصيلة جهدهم. وكانت تلك »الوثيقة« الأساس التي تقرر، بناء عليها، عقد مؤتمر جنيف في أواخر سنة 1983 الذي حسم نهائياً مسألة إلغاء اتفاق 17 أيار وأكد عروبة لبنان. كان رفيق الحريري أحد مهندسي مؤتمر لوزان في سنة 1984. ومنذ ذلك الوقت صار احد صنّاع القرار السياسي في لبنان. وغداة الفراغ السياسي الذي أحدثه أمين الجميل في نهاية ولايته سنة 1988 عندما منع انتخاب رئيس جديد للبلاد، بادر الحريري إلى التحرك مع الاخضر ابراهيمي، وتمكنا من تحقيق الاتفاق على عقد مؤتمر الطائف في سنة 1989 الذي مهد السبيل أمام إنهاء الحرب الاهلية في لبنان. منذ مطلع عقد التسعينات في القرن العشرين أصبح رفيق الحريري قطباً لامعاً في الحياة السياسية اللبنانية. وبهذه الصفة وباقتراح من الرئيس حافظ الأسد اختاره الرئيس الياس الهراوي لتأليف الحكومة التي شكلها في 31/10/1992. وارتبطت هذه الحكومة بعنوانين بارزين هما: الشركة العقارية لإعادة إعمار الوسط التجاري لمدينة بيروت (سوليدير)، وخطة النهوض الاقتصادي التي بلغت تكلفتها 12 مليار دولار، وأنجز في سياقها بناء مطار جديد في بيروت سنة 1996 قادر على استقبال ستة ملايين راكب في السنة. رجل البرّ والمبادرة لم يرث رفيق الحريري اي موقع سياسي مثل أبناء العائلات التقليدية في لبنان، فوالده كان مجرد إنسان بسيط امتلك بعض الاعمال الخاصة، لكنه فقدها في اوائل الخمسينات وتحوّل الى العمل لدى الآخرين. ولم يؤلف الحريري حزباً سياسياً حينما اصبح رجلاً ذا اقتدار مالي، ولم يشكل اي ميليشيا عسكرية حتى حينما دمّرت ميليشيا »القوات اللبنانية« مشروعه الإنمائي في منطقة كفرفالوس. وأبعد من ذلك، فلم يكن لديه مشروع سياسي للوصول الى السلطة في لبنان، فهو استقطب الشبان ليس لإرسالهم إلى المتاريس القتالية، كما فعلت الميليشيات، بل لإرسالهم الى الجامعات الكبرى في العالم. لو لم تندلع الحرب في لبنان، ربما لم يسمع احد باسم رفيق الحريري إلا كرجل ثري، وربما لم تقده مصائره إلى السياسة قط. وفي اي حال، وعلى الرغم من تقلبات الاحوال، فإن الحريري لم يكن، بالفعل، رجلاً غنياً، إنما كان رجلاً متواضعاً لكنه يملك أموالاً كثيرة. ولعل من المحال تفسير مسلك الحريري المندفع الى اقصى درجات الإحسان والمساعدة من غير ان نحاول فهم أخلاقياته ذات النزوع الواضح الى الالتصاق بنشأته الاولى في صيدا الفقيرة. وعلى سبيل المثال، فقد طلب إليه ان يتبرع ببعض المال لإعادة بناء مدرسة فيصل الاول، وهي المدرسة التي تعلم فيها المرحلة الابتدائية، فما كان منه إلا ان تبرع بنصف ما كان يمتلك في تلك الفترة اي 350 ألف ليرة لبنانية، في الوقت الذي لم يكن قد بنى بيتاً لعائلته في تلك المدينة. ومن المعروف انه أنفق من ماله الخاص على الشؤون التربوية والاجتماعية وعلى أعمال البِّر ما لا يقل عن 3 مليارات حتى سنة 2004 بما في ذلك مشروع كفرفالوس التعليمي والطبي، وهذا مبلغ كبير جداً بالمقاييس اللبنانية. الرجل الرابع يحتلّ رفيق الحريري المكانة الرابعة في قائمة أغنى خمسين عائلة عربية بحسب مجلة »أرابيان بيزنس« التي صدرت في دبي في اوائل سنة 2005. وتقدر ثروة عائلته بنحو 2,5 مليارات دولار، وهي تأتي بعد عائلة ناصر الخرافي من الكويت (2,9 مليارات دولار)، وعائلة العليان من السعودية (8,6 مليارات)، وعائلة بن لادن من السعودية ايضا (7,6 مليارات). ويعمل في مؤسسات الحريري نحو 25 ألف شخص معظمهم في السعودية، وبعضهم في فرنسا وانكلترا وسويسرا والولايات المتحدة الاميركية ولبنان وبعض الدول العربية. ويدير اعماله مديرون مقتدرون اشتهر من بينهم فؤاد السنيورة ومصطفى رازيان اللذان توليا ادارة بنك البحر المتوسط في لبنان والبنك السعودي اللبناني اللذين يمتلكهما الحريري. وفي ما بعد أصبح فؤاد السنيورة رئيساً للحكومة اللبنانية (2005). وانصرف الدكتور رازيان الى أعماله الخاصة. التجربة اللبنانية لا ريب في ان رفيق الحريري هو الذي أعطى، بالفعل، الاشارة لبدء النهوض الاقتصادي في لبنان عقب توقف الحرب اللبنانية في سنة 1990. ومنذ البداية اعتقد الحريري ان من غير الممكن استقدام استثمارات ورساميل الى بلد لا يمتلك الحد الادنى من البنى التحتية الضرورية. لذلك عمل بقوة على اعطاء الاولوية لاعادة إعمار بيروت، وإعادة تأسيس البنى التحتية كلها كالطرقات والجسور والهاتف والكهرباء والماء، وبناء مطار بيروت الدولي الجديد، فضلا عن المدارس والمستشفيات. وكان رفع الركام من مدينة بيروت. في حد ذاته، مهمة بالغة الصعوبة علاوة على تأمين النظافة في كافة المدن اللبنانية المخرّبة او المهملة. وكانت إعادة احياء الوسط التجاري في مدينة بيروت معجزة في حد ذاتها، فقد عاد هذا الوسط الذي تناوبت عليه أهوال الحرب طيلة ستة عشر عاما أبهى مما كان بكثير. وقد أصرّ الحريري بنفسه على إصلاح كل حجر وكل بلاطة وكل عمود وكل باب او قنطرة كي يستعيد هذا المكان ألقه البصري وتاريخه القديم. فجرى إصلاح المباني حجراً حجراً، واستبدل ما هو مخرّب باللون نفسه وبالنوع نفسه، وأُعيد وضع جميع الاشياء في اماكنها القديمة. ولعل السراي العثمانية الجميلة، التي هي مقرّ رئاسة الحكومة، أبدع شاهد على هذا الإنجاز الذي أُضيفت إليه عبارة أرادها رفيق الحريري ان توضع فوق المدخل، وهي: »لو دامت لغيرك ما اتصلت إليك«. مجموعة الحريري تملك مجموعة الحريري أراضي وعقارات في واشنطن وبوسطن وتكساس ونيويورك ولبنان وزيمبابوي ومعظم أسهم عمارة »تكساس تاور« المشهورة في هيوستن. ومن بين مديري مجموعة الحريري في الولايات المتحدة الاميركية تشارلز بيرسي رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ سابقاً، ومن مستشاريها ألفرد أثرتون ووليم روجرز وسلوى شقير روزفلت. ويمتلك رفيق الحريري مجموعة »ميغ« التي تستخدم 15 ألف موظف. وتضم هذه المجموعة كلاً من: البنك السعودي اللبناني وبنك البحر المتوسط والشركة العربية العالمية للتأمين وإعادة التأمين والشركة المتحدة للاعلان والنشر والطباعة وشركة الخدمات المعلوماتية وشركة الحاسب ومجموعة البحر المتوسط للخدمات وشركة المصنوعات الخفيفة. تملك مجموعة الحريري في موناكو وحدها استثمارات تفوق 200 مليون يورو. كما يبلغ رأسمال مجموعة البحر المتوسط نحو 110 ملايين دولار. وتملك المجموعة 30$ من أسهم »البنك الفرنسي للشرق« التابع لمجموعة »أندو سويس«. كما يملك الحريري نفسه 5$ من اسهم »بنك سويس« و3$ من اسهم »بنك باريباس«. وتساهم مجموعة الحريري في شركة طومسون الفرنسية. ويملك الحريري إذاعة الشرق في باريس وتلفزيون المستقبل في لبنان وجريدة »المستقبل« في بيروت، وامتياز جريدة »صوت العروبة«، وهو عضو في مجلس ادارة »بنك اندو سويس« والبنك العربي وشركة باريباس المالية. وكان الحريري اشترى في سنة 1979 جميع أسهم شركة »سعودي أوجيه«، ثم أسس شركة »أوجيه انترناسيونال« في باريس التي امتلكت »سعودي أوجه« 99$ من أسهمها. وفي سنة 1980 أسس شركة »أوجيه لبنان« التي تولّت، كما هو معروف، إعادة تأهيل بيروت وصيدا وطرابلس. ومن أهم المشاريع التي قامت »سعودي أوجيه« بتنفيذها: ÷ فندق انتركونتيننتال في مكة المكرّمة. ÷ مركز الشروق الحكومي في الظهران. ÷ مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف في المدينة المنورة. ÷ المركز الحكومي في الرياض (3 مليارات ريال). ÷ مشروع »ألفا« في الرياض الذي يضمّ مجلس الشورى والديوان الملكي. ÷ فندق »المسرّة« الدولي في الطائف. ÷ المدينة الحكومية في الدمام. ÷ قصر المؤتمرات في دمشق. رجل العلم والسلم والتواضع يروي رفيق الحريري قطوفاً من الذاكرة ربما تشير، او تفسر، كيف ظلّ هذا الرجل شديد الدماثة والتواضع مع أنه أصاب من الثروة ما لم يستطع اي لبناني آخر أن يصيبه. فهو يقول إن والدته كان تعجن خبزها في البيت، وتغسل الثياب بيديها، اي ان العائلة لم تكن تملك غسالة، حتى أن المكواة لديهم لم تكن كهربائية بل تعمل بالفحم. وفوق ذلك لم يعرف وجود الثلاجة في البيت، فالطعام يوضع في قفص يُدعى »النملية« ويعلّق في السقف. وكانت العائلة تتناول الطعام على الأرض، فلم تكن لديهم طاولة للطعام بل »طبلية«، وكانت غرفة الطعام هي نفسها غرفة النوم، وعندما ينتهي الجميع من الأكل ينظفون المكان وينامون فيه. ويمضي الحريري في سرد أشتات من ذاكرته فيقول إنهم لم يمتلكوا البوتاغاز أبداً، وكانوا يسخّنون مياه الاستحمام بوقد الأخشاب. وحتى حينما عمل في قطاف التفاح أو الليمون لم يكن أجره اليومي ليتجاوز الخمس ليرات لبنانية، أي نحو دولارين يومياً. وعندما نجح في الشهادة الابتدائية أراد والده أن يهدي إليه ساعة يدوية، لكنه لم يتمكن من ذلك لضيق ذات اليد. وفي ما بعد اشترى رفيق الحريري اول ساعة يدّ له بالتقسيط من محلات »دبانة« التي كان يعمل لديها، وكانت من ماركة »تيسو«. إن منتهى طموح رفيق الحريري عندما غادر لبنان الى المملكة العربية السعودية كان ان يتمكن من سداد الدين الذي تركه وراءه وكان يبلغ نحو عشرة آلاف ليرة لبنانية (4 آلاف دولار)، وان يوفر مبلغاً مثله يشتري به شقة وسيارة. غير انه عندما اصبح لديه مليون ليرة لبنانية اصيب بفقدان التوازن لفترة قصيرة وعاد الى طبيعته المتواضعة. ولأنه بقي ملتصقاً بأصدقاء الفتوة أمثال عدنان الزيباوي وعبد اللطيف الشماع، ولأنه بقي وفياً لتفصيلات حياته القاسية، لم ينس، على الاطلاق، ملاعب طفولته والناس في مدينته، فانبرى الى الاهتمام بالعلم وبمؤسسات التعليم فأنشأ منذ سنة 1978 »المؤسسة الاسلامية للتعليم العالي« في صيدا، ثم أنشأ المجمع الثقافي والطبي في كفرفالوس سنة 1980، وقدم عدة مدارس لتعليم ابناء مدينة بيروت وصيدا مجاناً مثل »ليسيه عبد القادر« في بيروت وثانوية رفيق الحريري في صيدا سنة 1984، ثم ثانوية رفيق الحريري الثانية في بيروت سنة 1986، فضلاً عن تقديمه مئات ملايين الدولارات للجامعات. ولهذا تبارت الجامعات في تقديم الاوسمة له، وانتخب عضواً في مجلس امناء الجامعة الاميركية في بيروت سنة 1985، وحاز وسام جوقة الشرف والدكتوراه الفخرية من جامعة بوسطن سنة 1986، والدكتوراه الفخرية من جامعة نيس سنة 1988، والدكتوراه الفخرية من كلية الحقوق في جامعة بيروت العربية سنة 1994، والدكتوراه الفخرية من جامعة جورجتاون سنة 1996. كما منحته مؤسسة »معاً من أجل السلام« الايطالية جائزة رجل السلام في سنة 1993، وتسلّم في برشلونة جائزة الامم المتحدة للمستوطنات البشرية في 13/9/2004 لجهده في إعادة إعمار لبنان، علاوة على عشرات الاوسمة من ايطاليا والفاتيكان والسعودية وفرنسا والبرازيل والارجنتين والمغرب وكوريا الجنوبية ولبنان. وبهذا المعنى اصبح الحريري رجلاً لامعاً وله كلمة مسموعة على الصعيد العالمي. وبهذه الصفة قابل البابا يوحنا بولس الثاني في الفاتيكان في 24/2/1997 لمدة 35 دقيقة ليخرج ويعلن في أثر هذه المقابلة ان البابا سيزور لبنان في 10/5/1997. الرحيل الدامي عاش رفيق الحريري ستين عاماً فقط. لكنها ليست مجرد ايام تجري وراء ايام... كانت ستين سنة عاصفة بالآمال والدموع والمنجزات الجبارة، حتى ليحسب المرء ان ذلك كله يحتاج أعماراً فوق أعمار لتحقيقها. رحل رفيق الحريري منذ سنة بصورة فاجعة. لكن صورته في اذهان الكثيرين ممن عرفوه وأحبّوه هي صورة الرجل العصامي الكريم الذي وهب الآلاف من أبناء شعبه مكارم لا تمحى أبداً. يتطلع الناس في لبنان اليوم الى ان يكون للموت التراجيدي الذي اصاب رفيق الحريري معنى كبير. والمعنى الوحيد الذي يتطلّع إليه هؤلاء هو حرية هذا البلد الذي عانى طويلاً من تسلط الميليشيات الطائفية والاجهزة السلطوية والمخابراتية معاً.