As Safir Logo
المصدر:

أكل الولد التفاحة

المؤلف: قبيسي رياض التاريخ: 2006-02-08 رقم العدد:10315

أكل الولد التفاحة. فعل وفاعل ومفعول به. هذه جملة مفيدة. جملة ترددها يومياً معلمات الصفوف الابتدائية ويصغي اليها التلاميذ بوصفها أولى قواعد المنطق في اللغة العربية. منطق السببية الذي يقول إن لكل فعل فاعلا ومفعولا به. منطق بديهي ينسحب على كل ما جرى ويجري وسيجري في الكون برمته، اللهم الا في لبنان. في لبنان بلد »الحربقة« و»البهلوانيات« والشطارة والجرة المسروقة ثمة أفعال لا فاعل لها، وفاعل لم يفعل شيء، ومفعول به يجهل الفعل الذي ارتُكب به والفاعل الذي ارتكب الفعل. في لبنان ثمة تفاحة تُأكل »منها لحالها«، »هيك« ببساطة تُأكل التفاحة من دون أن يمسها أحد حتى ولو نملة صغيرة. في لبنان الكثير من التفاح لكن الولد لا يأكل ولو تفاحة واحدة. في لبنان ثمة أشباح تسطو على بساتين ومخازن التفاح، وملائكة تعيث بها فساداً، وعفاريت تعصر التفاح لتشربه عصيرا، أو »لتمصه« بواسطة الشاروقة. في لبنان »غريب« لا يمل من سرقة الجرة الممتلئة عن آخرها بعصير التفاح المنتج على أيدي العفاريت. جرة لم تقرر بعد ان »ترجع لأصحابها« أو ان تتحطم في أحضان »الغريب«. »غريب« قادر على ادارة الأولاد كما يريد، وعلى بث الفتنة بينهم. أولاد لم يقرروا بعد ان يصيروا رجالا. أولاد هم الذين يزرعون التفاح من دون أن يأكلوه، من دون أن يسمح لهم ان يأكلوه. أولاد يتذكرون أحيانا ما تعلموه في الصفوف الابتدائية، أن الولد أكل التفاحة، أن الولد من الطبيعي أن يأكل التفاحة قبل ان يعصرها العفريت أو يسطو عليها الشبح. يتذكرون أحيانا أنهم هم الذين زرعوا التفاح، انهم أحق بأكل التفاح، انهم يجب ان يأكلوا التفاح قبل ان يصبح عصيرا وموضع نزاع بين »الغريب« والعفاريت. يزرع الولد التفاحة، يعتني بها ويرويها ما احتاجت من مياه. تنضج التفاحة فيرسلها الى المخازن البعيدة. ولسبب ما وتبعا لظرف خاص يزور الولد المخازن ويشاهد بأم عينه جمال وروعة ما زرع. يسيل لعابه ويشتهي أكل ما زرع، قبل ان يتذكر ان تفاحه ليس للأكل وإنما للعصر. في لبنان الولد لم يأكل التفاحة. ربما، ولكن في لبنان الولد »يقش الأخضر واليابس« بعد ان يتمكن بمفرده من أن »يسكر حارة« أو أكثر. وهذه أيضا جملة مفيدة.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة