أنت علماني؟ تسأل رانيا بلهجة حادة مستغربة. يحرك صديقها وليد رأسه بالايجاب، ويضيف محاولا التخفيف من استنكارها، لو أن كل لبناني فهم ما هي العلمانية، وطبقها، لما ساد الجو الطائفي الاستبدادي العنصري الذي نعيشه. تقاطعه رانيا قبل أن يسهب في حماسته وتشرح بطريقة تدفع الى مناقشة ساخنة »العلمانية ليست الا فكراً غربياً، آمن فيه فرويد ونيتشه وهيغل وماركس الذي اعتبر أن الدين أفيون الشعوب«. يبتسم وليد لرد زميلته الواثق، ويسعى ليوضح أن العلمانية أيضا هي فصل الدين عن الدولة، بمعنى أن لا يتدخل رجال الدين بالشؤون السياسية ويتم تطبيق القانون الوضعي. تعقد رانيا حاجبيها وكأنها لم تفهم تماما، وتقرر المواجهة بمقولة أخرى »يلفت ماركس الى أن الانسان هو الذي يخلق الدين وليس العكس وهذا مغاير لما نصت عليه الديانات السماوية، التي لا تفصل الدين عن الانسان لأنه عنصر في المجتمع وبالتالي مواطن في الدولة. يعقب وليد مصري (الذي يدرس علم النفس لكنه مولع بالفلسفة) »لكن ميخائيل نعيمه، وجبران خليل جبران حملوا بدورهم ذرات العلمانية، ويسأل: »ألم يحن الوقت لنستسلم للحداثة والكف عبر محاربة العلمانية؟« العلمنة حل للتوارث الطائفي تطوي نهى أبي نجم زاوية احدى صفحات كتاب »لبنان والطائف« للدكتور عارف العبد لتكمل قراءتها لاحقا، وتلفت الى أن على صعيد لبنان قد تكون علمنة مجتمعنا المتداخل هو الحل لتصارعه، لاسيما وأننا نجد كل طائفة من الطوائف ال19 تسعى بوضوح وقح الى بسط سلطتها على أكبر مدى ممكن من هذه الدولة المتعبة. نهى، التي تعمل في شركة معلوماتية، لا تؤمن بأنه يمكن للمجتمعات أن تحقق تطورها في ظل نظام ديني طائفي، »لماذا لم تستطع أي من الدول الاسلامية أن تصبح في مصاف الدول المتطورة، التي بدورها تركت المجال السياسي العام للمختصين وحصرت استشارات رجال الدين؟« تسأل نهى وتجيب نفسها، »لأن هذه الدول العربية والاسلامية تلزمها تشريعات الفقهاء في جوانب الحياة كافة«. يبدو رأي نهى التي طالما أيدت التيار الوطني الحر لمبادئه العلمانية مخالفا تماما لمعتقدات سامر. هو يتجاهل القائل بأن الدين لا يتعارض مع العلمانية ويرى أنه لا يمكن للدين أن يساهم في تراجع بلد ما، متسائلا، ماذا عن تركيا؟ محى كمال أتاتورك الدولة العثمانية في العام 1923، وأنشأ جمهورية علمانية، ومازالت، بالرغم من محاولاتها الحثيثة للدخول في الاتحاد الاوروبي، تعد متخلفة. ويشير سامر عبد الرازق الى أنه هناك حملة في تركيا لالغاء تعليم الثقافة الدينية والأخلاق بالمدارس، ويبدو غير مقتنع أن هذه الدروس تهدد الوحدة الوطنية بأي شكل من الأشكال. أما عن لبنان فسامر مناصر لتوارث السلطة بين الطوائف، يقول «في ال80 كان الموارنة هم الاقوى في لبنان، وبالتالي، ازدادت أهمية الدور الذي لعبه البطريرك. في بداية 2000 وبعد التحرير من الاحتلال الاسرائيلي، أمسى الشيعة هم الأقوى، وباتوا في الصفوف الأولى للدولة. وأصبح السيد حسن نصرالله هو الأكثر نفوذا في لبنان، متوازيا مع الشهيد رفيق الحريري الذي كان أعداؤه أكثر من محبيه، لكنه أخذ مجده بعد رحيله، وبات السنة هم »أم الصبي« وهكذا دواليك، لكن لن يأتي دور العلمانيين أبدا في ظل تقاسمنا نحن أبناء الطائفية للسلطة. سامر يعلن عدم رغبته ببسط العلمنة لنفوذها، لأنها ستحرمه من تمثيله السياسي. »العلماني ملحد«؟ »العلمانية، يعني عولمة؟ أنا ضدها، أنا أؤمن بالله، ولا أعترف بكل من يؤمن بغيره أو بعدم وجوده«. تقول لمى محسن وهي تسوي ربطة حجابها الأبيض وتخفي أطرافه تحت ثوبها الشرعي الكحلي الذي يلامس الدرجات الاسمنتية. هي لا تميّز بين ملحد وعلماني، بالنسبة لها انهما وجهان لعملة واحدة. لمى التي توقفت عن الدراسة بعدما أنهت سنتها الجامعية الثالثة في اختصاص الأدب العربي، تؤكد أنها لا تنضوي تحت لواء أي حزب لكنها فتاة سنية ملتزمة وفخورة باشعار ذلك، وتستغرب كيف لا يجد دعاة العلمانية في القرآن الكريم، الذي يشرح كل المسائل الكونية والوجودية والعلمية، إجابات لكل علامات الاستفهام التي تحيط بهم. يعترض بشير عبود، طالب اللاهوت، على الرأي الذي يجمع بين العلمانية والالحاد، ويركز أن هذا ليس الا جهلاً، »ماذا سيكون جوابهم لو عرفوا أن هناك رجال دين علمانيين؟ هل يكفروهم؟ ما رأيهم بغريغوار حداد؟« ويعرّف بشير العلمانية بما قاله محمد عبده »لا دين في السياسة ولا سياسة في الدين« وقول آخر »الدين لله والوطن للجميع«. يبدو بشير محايدا تماما، »أنا مسيحي، لكن يزعجني أنني ان لم أرغب في اشهار ديني وطائفتي للجميع، سيقوم مأمور النفوس بالواجب عني!« هند الغادي التي تعيش في لندن، وتقضي اليوم الأخير من اجازتها في بيروت، تبدي دهشتها من التقسيم الطائفي هنا، ومن المفاخرة بذلك أيضا. هي لم تكن تدرك أن اخراج القيد اللبناني يحمل مذهب حامله، مشبهة ذلك بأرقام السجين الذي يرفعه أمام صدره عند التقاط صورته! وتقول انه ان سألها أحدهم في بريطانيا بطريقة عنصرية عن طائفتها يحق لها مقاضاته بموجب القانون المدني، حيث لا يحمل المواطن الا بطاقة الجامعة لتعرف عنه، وجواز سفره الذي لا يذكر شيئا حول ديانته، وتُترك الخانة المخصصة لذلك شاغرة اختياريا. وبالرغم من موافقة هند على ضرورة علمنة المجتمع، الا أنها تدعو الى احترام الآخر المتدين، وتأمين الحرية الكاملة لممارسة شعائره. وبالمقابل على الأفراد أن يتنافسوا على اثبات مواطنتهم وقوميتهم، كما يتنافسوا على كسبهم رضا خالقهم. ضمن المياه الطائفية! حسن ف. الذي يعمل في احدى الدوائر الرسمية، يرفض كل ما سماه الاستخفاف بمنطق التمثيل الطائفي في لبنان، لا سيما الذي يطبق في مجال التوظيف. ويشرح حسن، »أريد أن أتكلم بطائفية مجردة، فأنا أعيش في بلد دستوره مرتكز على النظام الطائفي، يوزع المقاعد النيابية بالتساوي، بين المسيحيين والمسلمين، ونسبيا بين طوائف كل من الفئتين. »هذا التقسيم يعتبره حسن قمة في العدالة والديموقراطية، لا يمكن أن نكذب على بعضنا والقول بالغاء الطائفية السياسية، واعتماد الكفاءة والاختصاص في الوظائف العامة والقضاء والمؤسسات العامة، والمختلطة والمصالح المستقلة.« يضيف حسن »أنا شيعي، ما الذي سيضمن توظيفي بدل الماروني أو الدرزي، غير طائفتي«. »من يقلب بين المحطات التلفزيونية ويشاهد نشاط رجال الدين السياسي، من الزيارات الى البطريرك الماروني، نصرالله بطرس صفير، اللقاءات عند السيد حسن نصرالله، الى المفتي محمد قباني يفهم مدى تجذر (وليس فقط تدخل) الدين في الدولة«، كما يعلق يوسف بغضب. برأيه، بتنا ننتظر يوم الأحد لنسمع العظة التي اما تهنئ أو تدين نشاطاً سياسياً حصل خلال الأسبوع، ونجد المصلين ينصاعون للخطب في المساجد يوم الجمعة، ولا ننسى بيانات مجلس البطاركة الموارنة! يوسف الذي كان ناشطا في أحد الأحزاب اليسارية، يقر بدور رجال الدين باخماد الفتن الطائفية على مر كل السنوات والمراحل الماضية، لكن برأيه كان لهم دور بارز في اشعالها أيضا، وتدخلهم مستمر، حيث تبدو لتصريحاتهم الكلمة الفصل في مسائل حساسة كالعلاقات مع سوريا، سلاح المقاومة والوجود الفلسطيني. علي زواوي، أستاذ الرياضيات، يرى أن ذكر اسم الطائفة والمذهب على اخراج القيد، ما هو الا تدخل في خصوصيات الفرد، واذا كان لا بد من ارساء قواعد النظام الطائفي الى أبد الأبدين، فلا ضير من طائفة للعلمانيين، والاعتراف بحصصهم الادارية والسياسية، »ولأنها لا تهدد اتباع ديني، قد أفكر في الانضمام اليها«. مجرد أن ينشئ العلماني طائفة له، فهو يخالف ما يؤمن به، تقول ألين نصرالله، »أنا أؤيد العلمانية طالما أنها لم تتحول الى طائفة، فالطوائف في لبنان ليست الا فرقاً تتعصب لنفسها ولا تعترف بالآخر ولا ينقصنا من يتعصب لعلمانيته ضد الله« الذي تعتبره أهم ما في حياتها. هي تردد »أنا ابنة الله، ولا شيء أجمل من لفظة مؤمنة«، في حين تبدو الطائفة لفظة بشعة جدا لها وتذكر أن ما تقوم به أبشع، حيث تتصرف كل منها وكأنها دولة قائمة بذاتها. عماد أمين، الذي يدرس البرمجة الالكترونية في أحد المعاهد القريبة من منزله في بعبدا، ويعمل بدوام جزئي في مطعم، يشعر أنه لا يوجد انسان غير طائفي في لبنان، ويكذب من يدعي العلمانية، كثر ينادون بها، لكنهم لا يمارسونها، لأنها مزروعة في نفوسنا. الحل يبدأ منا، قبل نظامنا، وطائفتنا، وقبل أن نؤسس طائفة اللاطائفة، التي لا مكان لها بيننا، لأننا نحن لا نريد أن نتغير«.