من بلدة الدامور التي رأت فيها النور عام 1909 إلى عزلتها في دير للراهبات في يسوع الملك حيث توفيت منذ أيام، كانت مسيرة الأديبة والناقدة الّلبنانية روز غريّب مسيرة هادئة، اكتست هدوءها من رصانة المرأة وفكرها العلمي. ولعلّني لا أبالغ إذا قلت إن ما من طفل لبنانيّ من جيل الستينيات والسبعينيات لم يتفتّح وعيه على الناقدة والروائية والقاصّة روز غريّب؛ أقلّه في قراءة بعض نصوصها المُدرجة في كتب القراءة العربية المقَرَّرة في المناهج المدرسية. هذه المرأة التي أثرت المكتبة العربية بإنتاجها الغزير والتي تختصر، بسنين عمرها تاريخًا عربيًا كاملا.... حصلت على الماجستير في النقد الأدبي من الجامعة الأميركية في بيروت عام 1945 ثم مارست التدريس في كلية بيروت الجامعية (الجامعة اللبنانية الأميركية حالياً) من عام 1942 لغاية عام 1944، ومن عام 1962 لغاية 1975. تنوّع نتاجها بين النقدي والأدبي، وصدر لها أكثر من خمسين كتاباً للأطفال واليافعين. هذه اللمحة السريعة تشير إلى ريادة هذه المرأة في الإقبال على التعلم الأكاديمي وعلى ممارسته. تلميذة »أنيس المقدسي« و»قسطنطين زريق« حفظت لأستاذيها كلّ امتنان وتقدير. وكأنها ترجمت امتنانها وتقديرها إلى أسلوب علمي كان أستاذاها قد دأبا على تعليمها إياه في البحث، في النقد الأدبي، في كتابة السيرة. الرائدة الناقدة الأدبية الرائدة استخدمت أسلوبها العلمي لتسهم في تحرير النقد من طابعه الذوقي الذاتي أو الانطباعي الذي لم يكن قد تحرّر تماماً من مقولة »أشعر الشعراء النابغة إذا رهب والأعشى إذا طرب وزهير إذا غضب« المعبّرة.. تلك المقولة التي تحيل إلى النقد التأثري العربي القديم الذي اقتصر على جمع أخبار الأديب وحوادث حياته، أو تطبيق الأساليب البلاغية القديمة على النصّ. أول كتبها النقدية الصادر عام 1952 والذي كان بعنوان »النقد الجمالي وأثره في النقد العربي« أسّس مفهومها للنقد بمعناه التحليلي. إذ رسم الكتاب اتجاهها العلمي في النقد الذي أفاد من التحولات التي كانت قد طرأت على مفاهيمه بدءاً من الربع الأول من القرن العشرين، لا سيما أن هذه التحولات استعانت بتطور العلوم الإنسانية في الغرب، كعلوم اللغة والأصوات والاجتماع والجمال والأنتروبولوجيا والاتنولوجيا وغيرها، وما ترتب على ذلك من وعي بالفرق بين تاريخ الأدب من جهة، وبين نقده من جهة؛ وذلك في موازاة حركة تجديديّة في الشعر والقصة والرواية كانت قد بدأت بالنموّ متأثّرة بالانفتاح الثقافي الإيجابي على الغرب وعلى أساليب أدبائه وطرقهم الفنّية المختلفة. لكن الناقدة الفذّة اشتهرت بكتابة قصص للأطفال في زمن ومجتمع يعتقد أهله على حدّ تعبيرها أنه عمل حقير لا قيمة له، فيترفّعون عنه. أحبّت الأطفال وبدأت قصتها معهم عندما طمحت إلى سدّ الإهمال الناتج عن عدم الالتفات لهم من قبل المؤلفين. وجدتُني تقول خلال حوار أجريته معها بتاريخ 28 آب 2002 »مدفوعة إلى معالجة أنواع أخرى غير النقد الأدبي كانت لدى المؤلّفين موضوع إهمال. مثلاً، الأغاني العربية المدرسيّة التي لا بدّ منها في الحفلات. التمثيليّات كذلك. فرأيتُ من واجبي السعي لسدّ هذا النقص إما بوضع كلمات جديدة لألحان قديمة أو بمحاولة خلق الجديد في الكلمات والألحان، كذلك في التمثيليّات، كنا نلجأ إلى الترجمة أو نقترض تمثيليّات من مصر. تمثّل همّي آنذاك في سدّ النّقص، بشتّى الوسائل. وعلى هذا الأساس، تمكنّتُ من إصدار مجموعة »أغاني الصغار« التي لا تزال حتى اليوم تستعمل في المدارس«. اصطلاح الأضداد عاشت روز غريّب بصدق مع ذاتها. ولعلّ ذلك شكّل عاملاً من عوامل تألقها كناقدة وكأديبة. هي التي كان لها مفهومها الخاص للكتابة عبّرت عنه قائلة: »الكتابة بالنسبة لي كانت لمكافحة عادة أو تقليد مضرّ تألّمت منه؛ خاصة أن النقد الاجتماعي، ليس لمجرد النقد بل للإصلاح والتطوير وسدّ حاجة، بات متأصلا فيّ. فأنا مؤمنة بحديث شريف يقول: »من رأى منكم منكراً فليقوّمه بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وهذا أضعف الإيمان.« ...ثم، شيئاً فشيئاً، غدت الكتابة جزءاً من نفسي؛ تبرّعت بها...«. مفهومها للكتابة نبع من رفضها الزيف بمختلف أنواعه ودرجاته، وسواء أكان على المستوى الذاتي أم العام. لم تتزوّج روز غريّب. ليس لأنها ضدّ الزواج، بل لأنه لم يُتح لها مجال الاختلاط في زمانها كما هو عليه الأمر اليوم. ولأنها لم تلتق بالرجل الذي يمكنها معه الحرص على مفهومها للزواج. في بلادنا قالت لي »يمارس الزوجان الصبر الجميل ويلتهيان بستر المظاهر لأنهما تعوّدا كتم مشاعرهما والتظاهر بغير الحقيقة. امتنعتُ عن الزواج لأنّي أكره التمثيل، وادّعاء عاطفة لا أشعر بها. أكره التذلّل والخضوع الأعمى الذي ينتظرونه من الزوجة«. تأرْجح روز غريّب بين النقد كعلم وبين الأدب كفن حمّلته للراوية في قصتها »حيرة« من مجموعتها القصصيّة »خطوط وظلال«. لكن حيرتها هي التي كانت مولعة بالعلوم لاعتبارها أنها آنذاك في عصر علوم لا عصر آداب انتهت بالتصالح مع الذات قبل أي شيء آخر. »تمكنّتُ من التغلّب على موقفي بعد صراع وحقّقت ما يسمّونه اصطلاح الأضداد في نفسي« هذا ما أفادتني به، مضيفةً أن العلم والأدب يلتقيان في مناهج التعليم العالي على صعيد واحد. وأنه بتعاونهما الوثيق يتمّ الإبداع. ما جعلها تتخلّص أخيراً من عقدة الافتتان بالعلوم حين جابهت صعوبة الخلق الفنّي والابتكار في مجال الأدب. الصدق مع الذات ومع الآخر جعلها تتمتّع بروح الاستقلالية؛ وقد انعكس ذلك أيضاً على أسلوبها النقدي. بحيث كرّرت في أكثر من كتاب في النقد الأدبي »أن لا إطلاق في النقد«. وعندما طلبتُ منها تبرير ذلك أجابتني بأنها لا تتبنّى هذه النظرية النقدية أو تلك لأنها شائعة، أو لأنها حديثة أو رائجة. وبأن روح الاستقلالية جعلتها مرنة، وراضية كذلك عن مبادئها لأنها مرتبطة بالرضى عن الذات، من النواحي الخلقية والإنسانية والعلمية كافة. وفي كتابها »في منظار النقد« تقول: »النقد، في أبسط تعريف له، نظرةٌ عميقة في الصَّنيع الفنّي أو الأدبيّ، تستتبع تفهُّمه، أو استهجانَه، بناءً على مقياس ذاتي أو مقتبَس، يعتمده الناقد«. الكلام على روز غريّب قد يطول. إذ بالإضافة إلى نتاجها الغزير، تستحق نشاطاتها في مجال الصحافة وأدب الأطفال، فضلاً عن نشاطها النضالي النسائي، أن تُشبع دراسة وتأملاً. لكن توديع روز غريّب لا بدّ أن يأخذنا إلى شخصيتها الفذّة. إلى المرأة التي عاشت سنواتها الأخيرة وحدها من دون أهل أو أصدقاء. حياة هادئة، بطيئة الحركة، حزينة الإيقاع. تشغل وقتها بترتيب مؤلفاتها السابقة ومراجعتها بحسّ نقدي لا يزال شابًا. وكأنها بعلاقتها مع مؤلفاتها، هي المرأة التي لم تتزوج ولم تنجب، بدت كالأم التي ترعى أولادها مهما بلغ بها وبهم العمر. صحيح أن روز غريّب ابتعدت عن الأضواء. لكن ابتعادها بتقديري كان اختيارياً لأن الأضواء قد تنتج نجوماً. لكن نجم هذه المرأة الرائدة سطع بكفاحها الخاص ومثابرتها وصدقها مع ذاتها وترفّعها عن كلّ ما هو مبتذل. هي التي تعلّمت الاعتماد على النفس على الرغم من كلفته على المرأة في مجتمعنا عموماً، وعلى العازبة خصوصاً. ولعلّ أكثر ما يؤلمني قولها في لقائنا المذكور: »تعلّمت الاعتماد على النفس، مع ما في ذلك من متاعب ناشئة عن رغبة الناس في استغلال المرأة العازبة وسعيهم لحرمانها من المكاسب والامتيازات التي يتمتع بها الرجل. يقولون هذه امرأة منفردة، ليس لها مَن يدافع عنها ويشدّ أزرها؛ وعلى هذا، يمكننا الاستفادة من وضعها... وما زلت عند موقفي مع تقدمي في السنّ، خاصة أنني غير قادرة على متابعة ايرادات كتبي التي يتلاعب بها الناشرون...«. ينصفها التاريخ روز غريّب التي أجابتني بأن الدولة لم تنصفها، استقت الرضى من الذين أسمتهم قادة الفكر في المجتمع، وتحديداً أولئك المنتمين إلى الأوساط الجامعية. فلم تنكر مساعدتهم لها وتقديرهم لجهودها، لا سيما الأجانب منهم. إذ كانوا بنظرها أكثر وضوحاً من أهل البلاد. كما أنها لم تنكر أنه كان هناك تجاوب، إجمالاً، بينها وبين القرّاء. فما يهم الإنسان الذي يحاول إثبات وجوده بخدمة مجتمعه من وجهة نظرها، هو أن يُوفَّق إلى بثّ أفكاره بعد إخضاعها للدّرس والإيمان بصحتها. روز غريّب التي اعترفَت بأنها عاشت حياة انفراد ربما كانت السبب في عدم إثارة الضجّة حولها، لم تكن حزينة. لأنها لم ترغب بهذه الضجّة يوماً، والدليل هروبها الدائم من الأضواء... المرأة التي عاشت حرّة ومستقلّة سعدت باستقلاليتها، كما سعدت بتصالحها مع ذاتها. قالت لي: »في حياتي أمور كنتُ أقدمها على غيرها. فقدّمت تحقيق الذات على غيره من الأحلام أو الأمنيات. استخدمتُ مواهبي ومقدرتي لأغراض علمية واجتماعية وأنا راضية بذلك«. أودّعك روز غريّب، أودّعك أيتها الأم المدرسة وأنا لا يسعني إلا الإعلان عن حبك الكبير الذي بحتِ لي بسرّه: أعني حبك للكتابة التي كانت حتى آخر نبض في حياتك، إلى جانب الطبيعة والعلم، حبّك الكبير. إذ إن حب الأشخاص لم يواز، بنظرك، حبّها. لكنني أودعك مجدداً وأقول لك نحبك روز غريّب. وإذا كان حبنا لم ينصفك فلا بدّ للتاريخ أن يفعل ذلك.