As Safir Logo
المصدر:

»العالم مسطح: توماس فريدمان« العولمة هل هي مسار أميركي؟

المؤلف: زين الدين احمد التاريخ: 2006-01-06 رقم العدد:10290

»أميركا كانت ولا تزال حتى الآن، أكبر ماكينة في العالم لصنع الأحلام«. توماس فريدمان بدت علائم الدهشة والاستغراب على محيا الصحافي الاميركي المعروف توماس فريدمان عندما كان في طريقه لإنجاز المقابلات التي اوردها في كتابه الاخير، وهو يرى امامه الشارع الموصل الى شركة »انفوسيس« (اهم شركة تكنولوجية هندية) التي قصدها لهذه الغاية، وقد حفرته الاخاديد، وسارت عليه الابقار »المقدسة«. كانت الصورة سريالية ولا معقولة وهي تدمج في هذه المشهدية عناصر متباينة ومفارقات عميقة. ازمنة وأمكنة غير متكافئة، ازمنة عقائدية ولاهوتية، بدائية وموغلة في القدم، تتعايش الى جانب هذه الشركة ومثيلاتها التي تنتمي الى عالم حديث يهيمن عليه فضاء ديجيتالي معولم، وآليات اقتصادية معقدة ومتطورة. اكتشف فريدمان إزاء هذه المفارقة الجانب المضيء والمتفائل من هذه الصورة الغرائبية. حسب ان مسار العولمة الذي لا رجعة عنه، سيطوي هذه المسافات الحضارية، ويخفي هذه الندوب الدميمة. وجعلته نظرته المتفائلة وإيمانه بحتمية هذا المسار وشموليته الكونية، اكثر ميلا الى ردم الهوة بين ماضي الهنود وحاضرهم لصالح الاندماج بتيار العولمة. وعدّ إبدال الهنود العاملين في مجال المعلوماتية اسماءهم لتتوافق مع تقاليد عملائهم الاميركيين في تسمية انفسهم، كأن يتسمى الهندي رابندرات باسم جوني، وانديرا باسم كارين.. عدّ هذا الابدال، كما إخفاء الهنود لهجاتهم المحلية واصطناع لهجة الزبائن الاميركية، ضرباً من الذكاء العملي، وأمارة على النجاح المهني. ولو امعن النظر في هذا الموضع عن كثب، لوضع اصبعه على جرح الهوية الوطنية والشخصية. وما مبعث هذا الجرح إلا الاستلاب عن الواقع، وعدم الثقة بالذات وقدراتها، وطمس خصوصيتها ومكانتها. لكن علينا ان نلاحظ ان العولمة كانت محصلة المسار العنيد للتقنية ورأس المال لإزالة كل الموانع والحدود. وان الرأسمالية، التي شكلت رأس الجسر لعبور العولمة، اصطدمت بالاختلافات الثقافية واللغوية والايديولوجية وبالانظمة القانونية المتباينة. اصطدمت بالعالم كما هو في الحقيقة. العالم المليء بمصادر الاحتكاك من عادات وتقاليد وإيمان ديني وفخر وطني، وتعدد في الهويات الوطنية والقومية. ولأن العولمة تنحو الى التكامل بين التكنولوجية الرقمية الجديدة والمهارات والعادات والعمليات الجديدة التي يتطلبها التطور، وتفرضها امكانيات التعاون والمشاركة، لبلوغ اقصى ما يقدمه هذا التطور، فإن معالجة الخلل بين المجتمعات المتفاوتة النمو والثقافات، ودرجة قربها او بعدها عن مسار العولمة، غدت من الموضوعات الاشكالية المضنية، حيث لم يعد ميسورا إعادة ترسيخ هويات محلية باقية خارج اشكال الفضاء المعولم. لكن دون ان تلغي هذه الصعوبة جذور هذا الصراع، او بالاحرى جذور هذه الممانعة، في عدم تنازل المحلي عن خصوصيته امام العالم والكوني. ويضاف الى صعوبة هذا الدمج بين الخصوصي والعمومي وبين الوطني والاممي وخصوصا لدى مقاربة العديد من مفكرين وصحافيين عرب ومسلمين موضوع العولمة ما يحف هذا الموضوع من نزوع ارتيابي، وخشية من مفاعيل العولمة الكاسحة والمعادية لإرث فكري وأخلاقي عاش بمقتضاه ابناء هذه الارض، خشية من خارج يفترس الداخل، ويذيب شخصيته وقوامه. وتتفاقم هذه المحاذير وتنطبع بمخاوف سياسية، حين تتماهى العولمة بالبؤرة التي انطلقت منها وهي الولايات المتحدة الاميركية خصوصا والغرب عموما. وتأتي هذه العدائية على خلفية استعمارية وتصفية حسابات سياسية تاريخية، وحسابات راهنة تتجلى في النزوع العسكري عند المحافظين الجدد الاميركيين. وهذا التماهي بين العولمة واميركا لم يغب عن بال منظر سياسي يهودي هو يارون إزراحي نقل عنه توماس فريدمان في كتابه الاخير »العالم مسطح« قوله: إن الوظيفة المهمة التي تجند قوة الناس للتأثير على العولمة هي جعلها اكثر تعاطفا وإنصافا وتوافقا مع الكرامة الإنسانية، بدلا من ان تُبدد في معاداة اميركا الحمقاء، او تترك في ايدي المعادين لأميركا فقط. ويمكن ان تتحول من معاداة العولمة الى كيف نخوض غمار العولمة ونتقدم بها. بل يذهب فريدمان نفسه الى ضرورة وجود حركة مناهضة للعولمة ذات اجندة متماسكة لمكافحة الفقر وتسليط الضوء على فساد الحكام، واحترام حقوق الملكية والمساءلة والشفافية. الإمبريالية الجديدة لذا لم يتوان هؤلاء المفكرون والصحافيون إزاء هذا التماهي بين اميركا والعولمة ان يصفوا الاخيرة بأنها نوع من الامبريالية الجديدة التي يقودها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ومجموعة البلدان الصناعية الثماني. بل يؤرخ فريدمان في كتابه المذكور لبداية ظهور حركة مناهضة العولمة عام 1999 في سياتل عند انعقاد مؤتمر التجارة العالمية. ولكنه يعيد دوافعها في رأيه الى دوافع اليسار القديم لاستعادة بعض اشكال الاشتراكية. وهو في موضوع آخر، حين يتحدث عن الفجوة بين الأمم الغنية والأمم الفقيرة، يقر بأن بعض القوى المعينة تعيش خلف العولمة، او على هامشها مثل سكان الارياف وأزقة المدن في الهند وافريقيا والدول النامية التي تعاني من سوء التغذية والاصابة بالايدز، وغياب البنى التحتية. وهي بلدان تنمو فيها الجرائم والعنف وغياب الخدمات. وثمة اشخاص يعيشون في المنطقة الوسطى بين العالم المعولم او المسطح، حسب عنوان كتابه، وغير المسطح. اولئك يحوزون القدرات لكنهم يفقترون الى الادوات والبنى التحتية. فهم يعيشون على مقربة منه وينتفعون منه احيانا، ولكنهم لا يعيشون بداخله بسبب تآكل حكوماتهم وفسادها وسوء الادارة، لذلك يعيشون في حالة غضب ونكوص احيانا الى طوائفهم وعصبياتهم الدينية والعرقية والقبلية. لا يمكن ان يستبيح المحبطون والثائرون والارهابيون، المتضررون من العولمة، بشكل او آخر، اي فضاء، وأي خارج دون تحديد، او ان يستهدفوا اية قوى عالمية كيفما اتفق. لا بد لهؤلاء من تحديد هدف او مسار هو دوما باتجاه الأفق الاميركي. وإذا اخذنا بكلام مايكل هاردت وانطونيو نيغري في كتابهما الرائع »الامبراطورية« حينما يصفان ما بعد الحداثة اي العولمة بأنها ظاهرة اميركية، فإن تحديد الهدف يكون متوفرا وصائبا ودقيقا، وإن لم تكن الولايات المتحدة حسب الكاتبين تحتل المركز، لأن من طبيعة العولمة المفتوحة ان تمنع هذا التمركز، الا انها تحتل مع ذلك مكانة مرموقة تعلو فيها عن مكانة سواها من الدول الأخرى النافذة والقوية. وأميركا، بماهيتها وجذورها التاريخية، تجسد فكرة الحدود والجهات المتحركة والمنزاحة. فهي الدولة او الامبراطورية التي تقوم فوق القوميات، ويمنحها الدستور التأسيسي الذي قرأه بعمق هاردت ونيغري في كتابهما المسوّغ الحقوقي لتوسيع آلياتها السيادية، ولا ينفصل معنى اميركا عن طوباوية الفضاءات المفتوحة وغير النهائية. وسبق لهيدغر وغواطاري وقبلهما هيغل، ان قاربوا اميركا كمشكلة فلسفية ومدعاة للتفكير في ماهية الانسانية الحالية. »وليست فضولا جيو سياسيا« حسب عبارة فتحي المسكيني في »الفيلسوف والامبراطورية«، بل عكف المحلل النفساني الفرنسي جورج رومي في كتابه عن رمزية الاحلام، على تحليل صورة اميركا الحلمية عند مرضاه بما هي صبوة شخصية، ومغامرة فرد يسعى لاكتشاف امكانياته المكبوتة بالسفر الى تلك البلاد. أميركا القدوة وأميركا عند توماس فريدمان هي دائما في مقدمة الموجة المبدعة المقبلة. والاميركيون هم الذين يهندسون هذا المعمار الفكري المحوسب والمعولم ويستولدون في جامعاتهم ومختبراتهم المبدعين والعباقرة. وهم الذين يحددون خطوات المستقبل اللامحدود. واذا كان فريدمان يقرّ بالتفاوت والخلل بين الشعوب والدول، فلا مجال في نظره امام الشعوب المتخلفة والنامية الا الاستلحاق بالاقتصاد الاميركي، من خلال تلزيم الاعمال الى خارج الولايات المتحدة الاميركية. اي ان تنقل بعض الاعمال والوظائف المعلوماتية الاميركية الى دول العالم الثالث. فتنتج الشيء نفسه، وبالطريقة نفسها، لكن بعمالة ارخص. والتلزيم يتناول كثيرا من النشاطات المعقدة والبسيطة. من دورة البرمجيات والعمل الضرائبي الى قراءة الصور الطبية المقطعية الى نظام حجز الطائرات. لذلك يجد الصين دولة ذات شأن كلما اقتربت من الولايات المتحدة اقتصاديا رغم انها دولة شمولية، غير ان لديها جهازا بيروقراطيا فعالا، كما يقول. والوصفة التي يقدمها فريدمان للدول النامية لتسير عجلاتها على طريق العولمة لا تختلف عن شروط الخبراء والمؤسسات الدولية الاقتصادية من خصخصة شركات الدولة، الى تحرير الاسواق المالية من القيود، وإدخال تعديلات مالية وتقليص دعم الدولة، والدعوة الى الاستثمار الاجنبي المباشر، وتشريع قوانين عمل اكثر مرونة من الاعلى الى الاسفل دون الرجوع الى الشعب!. ينعى فريدمان الايديولوجيات، ليبقي على البعد الربحي التنافسي. فالأدلجة معادية للتنمية. »ما يهم هو الوظائف والمداخيل لا الايديولوجية، سواء أكانت القطة سوداء أم بيضاء. كل ما يهم هو ان تمسك بالفئران«. ومحصلة ذلك ان الاسواق التنافسية والاكثر انفتاحا هي الوسيلة الوحيدة والمستدامة لإخراج الأمة، اي امة، من فقرها. ويطبق فريدمان هنا مقولة هاردت ونيغري: »الكولونيالي اكثر ايديولوجية لكن الامبراطوري المعولم اكثر ذرائعية«. وبنظرة اكثر ايجابية من قبل يُخضع فريدمان الدين الاسلامي الى بيئته السياسية والاجتماعية. ويرى ان الاسلام في مجتمعات استبدادية يميل لأن يصبح وسيلة للاحتجاج الغاضب، وتكوين الذهنيات التكفيرية والمتطرفة. ولكن عندما يوجد الاسلام في مجتمع تعددي ديموقراطي تركيا والهند تتاح الفرصة للذين لديهم متطلبات تقدمية للحصول على آذان صاغية لتفسيراتهم ومنتدياتهم الديموقراطية، حيث يمكنهم الكفاح من اجل افكارهم على قدم المساواة مع الآخرين. الاطار الديموقراطي يقوّض حدة التطرف والنزوع الى العنف. وهو الاطار الذي يعيد تركيب الماضي لخدمة الحاضر. أما أحداث نيويورك »البنلادينية« فلا يضعها فريدمان في ضوء مفاهيم اسلامية، او قراءة مغلوطة للإسلام كما جرت اقلام المفكرين والاعلاميين الاميركيين. وإنما يحيلها الى دوافع سيكولوجية وسياسية داخل مجتمعات مأزومة تستولد العنف في نفوس الشباب، خصوصا في ظل حكومات عربية وإسلامية مستبدة، وفي ظروف الاحتلال الاسرائيلي. أما المتورطون بالعمليات، وجلّهم من المسلمين المهاجرين الى ديار الغرب، فيُرجع حركاتهم الى انسلاخ المسلمين في اوروبا وأميركا عن اوطانهم الاصلية وعن تاريخهم وماضيهم. وهؤلاء الارهابيون يحملون في رأيه صفات الثوري الكلاسيكي المقتلع من جذوره، والذي تشكل جزئيا في المنفى. ولو لم يكن خاطفو طائرات الحادي عشر من ايلول من الاسلاميين، او حدث الهجوم في السبعينيات، لكانوا اصبحوا راديكاليين تروتسكيين او على غرار قادة بادر ماينهوف الالمانية والألوية الحمراء الايطالية. وهنا يستبدل فريدمان صورة بن لادن بالشيخ تشي غيفارا!. عقب احداث ايلول يصف فريدمان الاميركيين بأنهم يعيشون ذهانا ارتيابيا قائما على الهوامات والمخاوف المفرطة، واجراءات الأمن غير المسوّغة. وبدل ان يصدر الاميركيون عن امل فإنهم يسعون الى تصدير الخوف، خصوصا في عهد الرئيس بوش الذي استغلّ المشاعر التي تدفقت عقب الاحداث لأغراض سياسية لإخفاء معضلات الداخل الاميركي. اذا كان يتعين على الشعوب او الدول المستغلة او المضطهدة لمكافحة سلبيات العولمة ان تسعى الى طريقة ما لمقاومة هذه العواقب السلبية، فإن المفارقة الجوهرية تكمن في ان التصدي للعولمة ومقاومة شروط الاستغلال والتحكّم والاضطهاد لا يكون إلا بإتقان استخدام ادوات العولمة ذاتها. ولا يكون بمنطلقات عنصرية او دينية او اقليمية، بل من داخل قاموس العولمة ولغتها ومصطلحاتها، والتعرّف على سيرورتها لإعادة توجيهها نحو غايات اكثر إنسانية وعدالة. فالقوى المضادة ليست نفيا للعولمة، بل هي جزء لا يتجزأ من دينامية القوى المعولمة وتطورها. وبناء رؤية عالمية، وطريقة حياة، وأحكام جديدة عن الانسان والوجود، على ما يذهب إليه هاردت ونيغري. والعولمة في بعض وجوهها أفضت الى تحرير السلطات والأزمنة والاجساد من نزوعها الى الانضباط والتطبيع. وقد غيّرت من طبيعة العقد الاجتماعي بين البشر والقواعد والادوار ونوعية الاعمال واستراتيجيات الحروب.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة