لقد حاول إدوارد سعيد في عمله الكبير »الاستشراق« أن يدرس ما أمكن من الظواهر وحقول المعرفة التي خلق فيها العلم الغربي وبغطرسة »شرقاً«، ليس موجوداً في الواقع بل صُنع على طاولات الكتابة وغرف البحوث الغربية. بيد أني لم ألاحظ أبداً أن إدوارد سعيد تناول علم اللغة وبالذات الفرع المسمّى بالإيتيمولوجي، أي علم أصل الكلمات والذي أسماه عبد الحق فاضل في »مغامراته اللغوية« بعلم التأصيل أو التأثيل. فهذا العلم الذي وضع علماء اللغة الأوربيون أساسه الحديث بارى الاستشراق في الغطرسة وحرف الحقائق والسكوت عنها فقط لكي يتماهى في الجهود الضخمة التي بذلها المؤرخون واللغويون الألمان ومن ورائهم جل علماء الغرب لإثبات نظرية الشعوب واللغات الهندو أوربية. وهذه النظرية أصبحت موضع تساؤل في العقود الأخيرة مع أن أول من حاول نقضها هو عالم اللسانيات والأمير الروسي تروبتسكوي. فالآثاري كولن رنفرو قدّم في كتابه »الأركيولوجيا واللغة« ملاحظات مهمة تضع نظرية الشعوب واللغات الهندو أوربية موضع تساؤل. بيد أن الإنجاز الكبير في هذا المجال والذي جاء متزامناً مع عمل أدوارد سعيد هو ماقدمه الباحث اللساني الأميركي مارتن برنال في كتابه »أثينا السوداء«. وهذا الكتاب مع كونه استفاض في دراسة الجوانب الثقافية التي أراد فيها أن يثبت أن المكوّنات الأساسية التي شكلت الثقافة الهلينية جاءت من مصر والحضارات السامية، الا أنه لم يتحدث كثيراً عن التأثير اللغوي الكبير للغة المصرية القديمة واللغات السامية في اللغة الأغريقية. وقد ذكر في أحد الفصول أن ربع المفردات الإغريقية مأخوذة من اللغات السامية القديمة والربع الآخر من اللغة المصرية القديمة، الا أنني لم الاحظ أمثلة تناسب أهمية الموضوع. وقد كان من ضمن دراستي في اللسانيات أن بحثت في أصل الكلمات، وكنتُ كل مرة أبحث فيها عن الأصل الأول لكلمة ما أجد أن الإيتمولوجيين وضعوا سداً منيعاً يحيط باللغة اليونانية القديمة بحيث لا تجد الا لماماً أصلاً لكلمة يتعدّى الحدود التأريخية لهذه اللغة. فما عدا الكلمات المرتبطة بالعهد القديم والمأخوذة من اللغة العبرية، لا تجد مطلقاً كلمات أخرى يبحث في أصلها الآتي من العراق القديم أو سوريا أو مصر القديمة. ولا أجد سبباً يمنع علماء اللغة من تقصي أصل الكلمات سوى الحالة الاستشراقية المتغطرسة التي طبعت هذا العلم في القرنين الثامن والتاسع عشر بل حتى النصف الأول من القرن العشرين. فالبحوث العظيمة التي قام بها علماء الآثار كانت كلها مكتوبة باللغات الأوروبية الثلاث: الإنكليزية والفرنسية والألمانية وفيها أفردوا الكثير من بحوثهم لفك رموز الخط المسماري والكتابة الهيروغليفية وكتابات اللغات السامية القديمة. ولذا كان من السهل على علماء الأيتيمولوجي أن يتقصوا أصل الكلمات كي يصلوا الى موطنها الأول الذي انتشرت منه بعد ذلك في لغات متعددة. وانا أتحدث عن ذلك لأنني وجدت أن الباحثين الإيتيمولوجيين يفردون صفحات كاملة للتوصل الى أصل كلمة ما، بل يبحثون في كل الأصول الممكنة لكلمة ما، لكنهم لا يبحثون أبداً في إمكانية ورود هذه الكلمة من أصل سامي أو سومري أو مصري. وعلى الرغم من أن الاستشراق الروسي ومن بعده السوفييتي كانا يختلفان عن الاستشراق الغربي ويتسمان بسمة إنسانية، الا ان الأيتيمولوجيين الروس كانوا يحذون حذو الإيتيمولوجيين الغربيين في محاولة طمس الحقائق اللغوية. وهنا أردت أن أورد حادثة أثارت انتباهي في فترة دراستي للماجستير في إحدى الجامعات في مدينة سانت بطرسبورغ (لينيننغراد). فقد كان من ضمن المواد المقررة علينا في تلك الفترة هي مادة تأريخ الكتابة، والغريب أن الكتاب المقرر ذكر جميع أنواع الكتابة ولم يذكر الكتابة المسمارية، التي كانت هي أول كتابة عرفها التأريخ الإنساني. ويبدو أن تأثر علم اللغة الروسية المباشر بالعلماء الألمان في اللسانيات كان هو العامل الذي جعل علم الإيتيمولوجي الروسي ينحى منحى استشراقيا غربياً. فبالرغم من الجهود الضخمة للروس في مضمار علم اللغة الأ أن ثلاثة ارباع البحوث والكتب الخاصة بعلم اللغة الروسي كتبت أصلاً من قبل علماء لغة وباحثين ألمان، لا بل أن المعجم الإيتيمولوجي الرئيس للغة الروسية كتب من قبل إيتيمولوجي ألماني إسمه ماكس فاسمر وتمّت بعد ذلك ترجمته الى اللغة الروسية مع إضافات من قبل الباحث والأكاديمي السوفييتي تروباجيف. اللغات المهجورة وأنا أعتقد أن السبب الرئيس للمنحى الاستشراقي في البحوث الإيتيمولوجية في أوروبا ما عدا مسألة التأثر بالعلماء في المجالات الأخرى هو أن تقصي أصل الكلمات قاد الباحثين الإيتيمولوجيين الى حقائق خطيرة لم يصدّقوها في حينها. فمعظم المفردات التي تنتمي الى طائفة »المفردات الأساسية« مثل الأرض، السماء، الموت، الحياة.. الخ لم تكن من أصل هندو أوربي. كما أن مفردات تعتبر مركزية في الثقافة مثل الألوان والمفردات الخاصة بأمور الزراعة هي بمعظمها ليست من ءصل هندو أوربي. ولما كان الباحثون في حينها في أعلى درجات الإعجاب والتقديس للغاتهم بحيث إن اللغة الألمانية كانت بموقع اللغة اللاتينية والعربية من ناحية كونها مقدسة وكذلك الفرنسية والإنكليزية الى حد ما، فإنهم، كما أعتقد، لم يريدوا ان يسيروا بعيداً في هذا الاتجاه ليجدوا امامهم درباً واحداً يفضي الى الحضارات الكبرى التي كانت مجاورة لما يُسمّى بالشعوب الهندو أوربية، الا وهي حضارات العراق القديم وسوريا ومصر القديمة، تلك الحضارات التي جرت فيها صياغة المفردات الأساسية والمفاهيم المهمة بحيث إن ملحمة جلجامش لم تضع فقط توصيفاً لمفاهيم الموت والحياة بل ناقشتهما بعمق يبزّ أعتى الوجوديين المعاصرين. فإرجاع الكلمات الى إصول رافدية أو مصرية هو رفع من شأن تلك الشعوب التي بقي آرنست رينان والفلاسفة الألمان ومن خلفهم الجوقة الأوروبية برمّتها يشتمونها بكرة وأصيلاً في كتبهم التي كانوا يعتقدون حينها أنها علمية وموضوعية. والمعضلة الثانية التي يبدو أنهم واجهوها حين تعمّقوا في البحث في أصل الكلمات هي أنهم أعتبروا لغات البلطيق وهنا اقصد اللغتين اللاتفية واللتوانية وليست الإستونية لأنها تنتمي الى عائلة اللغات الاوجرو فنلندية هي أكثر اللغات الهندو أوربية التي حافظت على المفردات وبناء الجملة في اللغة الهندو أوربية الأولى المفترضة. لكن أحد البحوث الحديثة للساني أميركي اسمه أنديس كاولينس أظهر أن هنالك تقارباً كبيراً بين اللغة السومرية واللاتفية في كثير من المفردات الأساسية والمفردات المهمة الأخرى مثل المفردات الزراعية والرعوية ومفردات القرابة. ولذا فقد وجد العلم الإيتيمولوجي الغربي نفسه ثانية في بداية الطريق ذاته الذي يقوده في النهاية الى الحضارات الكبرى الأولى في العراق وسوريا ومصر. ولقد لاحظت أن اللغة الروسية واللغات السلافية الأخرى قد أخذت الكثير من المفردات من لغات البلطيق، قياساً الى عائلة اللغات الجرمانية أي الألمانية والإنكليزية والسويدية وغيرها. ولذا فإن معرفة تقارب اللغتين اللاتفية والسومرية يحل الكثير من الألغاز الخاصة باللغة الروسية ومصدر الكثير من الكلمات المهمة فيها. فكلمات روسية مثل DEN وتعني يوماً هي في اللاتفية DIENA في حين أن كلمة مشابهة في السومرية هي DANNA والتي تعني 12/1 من اليوم. كلمة AREOL الروسية تعني نسرا وهي في اللاتفية ARANIS أما في السومرية فهي URIN والأمثلة كثيرة. بيد أن جميع الأمثلة في مسرد هذا الباحث تخصّ كلمات مركزية في اللغة، تتعدى المفردات الأساسية الى استعمالات أخرى. السبب الثالث كما أعتقد هو أن أي محاولة لإرجاع أصل الكثير من الكلمات الى مشارب رافدية ومصرية سيقود منطقياً الى القناعة بتأثر اللغة اليونانية القديمة بتلك اللغات وهذا ما كان العلم الأوروبي لا يريد له ان يحدث. فالنظرة الى اليونان القديمة كانت حينها تتصف بالرومانسية القصوى، بحيث أن الفكر الأوروبي الحديث برمته صيغ ليتماهى في الحضارة الإغريقية التي أصبحت مهرباً إلحادياً على الأقل في الجانب الفلسفي منه من المسيحية التي قتلت غير مأسوف عليها. فالفلسفة الحديثة منذ ديكارت مروراً بكانت وبقية الفلاسفة الألمان والإنكليز بنيت على أساس الفلسفة اليونانية، وأقرب مثال على ذلك هو الفلسفة النيتشوية القائمة على العنصرين الأبولوني والدينوسيوسي، كما تم بناء المسرح والموسيقى والعلوم الطبيعية على أساس العلم الأغريقي القديم. ولذا فقد بذلت جهود جبارة لإلحاق اليونان بالشجرة الهندوأوربية وبموازاة ذلك تمّ محق أية معلومة أو محاولة تبرز التأثير السامي والمصري في اليونان القديمة. هذا الأمر يذكّر حقاً بما استفاض ميشيل فوكو في الكتابة عنه الا وهو استخدام المعرفة كسلطة، الأمر الذي لم يحاول فرانسيس بيكون البحث فيه من ناحية استخدام الإنسان للمعرفة كسلطة على أخيه الإنسان بل استخدام المعرفة كسلطة للسيطرة على الطبيعة. ولقد حاولت أن أصنّف الجوانب التي جرى فيها طمس وتجاهل الحقائق اللغوية فيما يخص أصل الكلمات في النقاط أدناه: يتقصّى الباحث أصل الكلمة فيصل الى الأصل اليوناني ويتوقف عنده، مع أن الكلمة تملك أصلاً أقدم. فكلمة KANON وتعني قانون أو قاعدة يجري تقصّي البحث في أصلها حتى يصل الباحث الى المفردة اليونانية، التي تعني أصلاً قصبة القياس ومنها جاء إسم المدفع في الكثير من اللغات منها السويدية والفرنسية التي أخذتها من اللاتينية وتعني فيها أنبوباً وهي مأخوذة من الإغريقية. وقد ورد ذلك في خمسة معاجم أيتيمولوجية إحداها إنكليزي والآخر سويدي والثلاثة الباقية روسية. لكن كلمة قانون اليونانية مأخوذة أصلاً من كلمة قناة الآرامية وتعني قصبة وقد ورد ذلك في معجم الألفاظ السريانية في المعاجم العربية وهو من تأليف البطريرك مار إغناطيوس أفرام الأول. ومنها جاءت تسمية الرمح مجازاً بالقناة لأن السنان يركّب عليها. وهناك أمثلة أخرى تصنف تحت هذه الفئة منها EARTH المأخوذة من كلمة مشابهة باليونانية، بيد أن الكلمة اليونانية مأخوذة على الأرجح من كلمة AGAR السومرية بمعنى حقل. ومن الجدير بالذكر بخصوص معجم الألفاظ السريانية في المعاجم العربية أن العلامة إبراهيم السامرائي أفرد له فصلاً في كتابه »بين السريانية والعربية« انتقد فيه بعض مواقع الخلل في هذا المعجم، ومنها أن المؤلف لم يفرق بين الكلمات التي من أصل سامي مشترك والكلمات العربية ذات الأصل السرياني. وأعتقد أن هذا الأمر مهم جداً في الدراسات الإيتمولوجية؛ لأننا نجد الكثير من الكلمات الروسية هي من أصل سلافي مشترك؛ ولذا فلا يمكن إرجاعها الى اللغة البولونية التي تأثرت الروسية بها في بعض المواقع، أو أن نرجع بعض الكلمات السويدية الى أصل الماني أو إنكليزي في حين أنها من أصل جرماني مشترك لهذه اللغات مأخوذ من اللغة الجرمانية الأولى. يستخدم الباحث تعبير »من أصل غير معروف« لكلمات تعتبر أما من فئة الكلمات الأساسية أو أنها كلمات مركزية في اللغة. فكلمة حرب في السويدية مثلاً هي KRIG وهي مأخوذة من الألمانية ومن قبلها من اللاتفية. ولما لم يجد الباحثون أصلاً لها في اللغات الهندو أوربية التجأوا الى مصطلح »الأصل الغامض« في حين أن الكلمة مأخوذة على الأرجح من المفردة السومرية KARASH والتي تعني موقعاً عسكرياً. يصل الباحث الى الأصل العربي أو العبري للكلمة ويتوقف. لكن الكلمة العربية أو العبرية مأخوذة بدورها من اللغات السامية لما بين النهرين أو من اللغة السومرية. فكلمات مثل مترجم، سلطان، سمسم، فيل هي جميعاً ذات أصول أما أكدية أو آرامية او سومرية. وقد ارتكب اللغويون العرب القدماء الخطأ نفسه وكانوا معذورين بالتأكيد وتصوّروا أن الكلمات التي لم يجدوا لها أصلاً عربياً هي من أصل فارسي. ولم يميط اللثام عن ذلك الا العلامة طه باقر في كتابه »معجم الدخيل في العربية« الذي أرجع الكثير من الكلمات التي كنا نتصوّر أن أصلها فارسي الى أصول سومرية وأكادية وآرامية. فكلمات مثل زعفران، أباب، إرجوان، بستوكة، سنديان، شونذر، لوبياء.. وغيرها هي أصلاً سومرية. وأخيراً فإن تأثير الفكر الاستشراقي المتغطرس واضح على البحث الإيتيمولوجي. ففي الكثير من المعاجم الإيتيمولوجية ترد عبارة »الكلمة من أصل شرقي« أو »الكلمة من لغات بلاد البحر المتوسط« وهو توصيف غير علمي؛ لأن الشرق لا يتكلم لغة واحدة، وتحيط البحر المتوسط بلاد تتبع لأربع أو لربما خمس شجرات لغوية. وتدخل ضمن هذه الفئة كلمات مثل بجع، فلفل.. وغيرها. في نهاية مقالي هذا أردت أن أورد مثالاً على كيف أن البحث يتعدى حتى حدود الغطرسة ويصبح أمراً مضحكاً. ففي جميع المعاجم الإيتيمولوجية المعروفة اليوم يرد أن أصل كلمة نحاس COPPER مأخوذة من كلمة قبرص. في حين أن قبرص سُمّيت بهذا الإسم لأن النحاس كان يجلب منها. ويورد العلامة طه باقر في معجمه حول الدخيل في العربية أن كلمة نحاس (صفر) مأخوذة على الأرجح من كلمة زيمبر السومرية بالمعنى نفسه.