يتأسس فكر الهوية في خطابنا العربي المعاصر دائماً ضد الآخر. ونظرتنا الى الأنا تتحكم بنظرتنا الى الآخر، ورؤيتنا الى الآخر تؤثر برؤيتنا الى أنفسنا. ولا فكر أشد تمحوراً حول الأنا وعداء للغيرية مثل فكرنا العربي، ولعل هذا التمحور المرضي حول الأنا وهويتها وتراثها هو ما يفسر غربتنا المستمرة عن التاريخ وتجريمنا الدائم للآخر وعجزنا في نهاية المطاف عن فهم أنفسنا.. إن المطلوب هو خلق مسافة بيننا وبين أنفسنا وردم الهوة القائمة بيننا وبين الآخر. واجب كل فكر عربي معاصر أن يدخل بمجتمعاتنا ومؤسساتنا وثقافتنا الى زمن الاختلاف، لأنه زمن العالم. التفكير في الآخر بدأ مع محمد عزيز لحبابي الذي لم يتوانَ عن تكرار أن الهوية هبة الآخرين والمعية قاعدة التشخصن. لكن مشروع لحبابي ولد بعلّة موت، لأنه ولد في زمن النعرات الدينية والقومية، زمن الانكفاء المريض على الذات. وإذا أردنا أن نلخص فكر الهوية في ثقافتنا المعاصرة، فسنجده يقوم على ثلاثة أقانيم أساسية: نظرية المؤامرة، منطق النعامة وموضعة الآخر. نظرية المؤامرة لنبدأ بنظرية المؤامرة. ولنأخذ مثال طه عبد الرحمن. فوفاء لهذه النظرية التي لا تنتشر قط داخل الأوساط الغوغائية، بل ايضا في أوساط من يدبجون كتبا ويتزعمون اتجاهات فكرية. وفاء لمنطق الهوية البئيس، كتب طه عبد الرحمن المفكر المغربي كتابه: الحق العربي في الاختلاف الفلسفي، وهو يهدف من خلال هذا الكتاب الى فضح ما يصطلح عليه اسم مشروع تهويد الفلسفة العالمية. يبدأ المفكر المغربي كتابه من المقدمة التالية: إنه يشك بداية بعالمية الخطاب الفلسفي ويرى أن قومية معينة تخترق هذا الخطاب. وكل خطاب فلسفي هو في نظره ابن سياق تاريخي واجتماعي ومرتبط باللغة القومية التي كُتب فيها. وهو يأخذ على الفلاسفة العرب القدماء تغاضيهم عن الأخذ بعين الاعتبار خصوصية الفلسفة اليونانية واعتبارهم لها أعلى درجات التعبير عن العقل. لكن موقفه العدائي من ابن رشد مثلاً الذي يعتبر في تراثنا الفلسفي من أكبر المنافحين عن الفلسفة اليونانية وعن ارسطو خصوصا، يرجع الى سبب آخر، وهو انتصار ابن رشد للعقل وتشييده لفكرة الحقيقة المزدوجة التي تبغي تحقيق الفصل بين الحقيقة الدينية والحقيقة الفلسفية. أما المفكرون العرب المعاصرون فهو يأخذ عليهم اعتبارهم للفلسفة الأوروبية فلسفة عالمية. مأخذه ذاك تعبير عن عنف خطاب الهوية وبؤسه في العالم العربي. إنه خطاب يفهم الهوية بشكل لاتاريخاني ودوغمائي، ويرفض كل أشكال المثاقفة والحوار مع الغرب. يقدم طه عبد الرحمن الفلسفة الألمانية كمثال على عملية تهويد الفلسفة، مشتطاً في الحديث عن العلاقة بين الفلسفة الألمانية والعهد القديم، تأثير ميمونيد على لايبنيتز والبروتستانتية كتهويد للمسيحية، وعن دور الفلاسفة اليهود في الوساطة بين الفلسفتين اليهودية والألمانية. ويرى طه عبد الرحمن أن كانط خير مثال عن سياسة التهويد هذه. ففي رأيه عمد كانط الى الإشادة بالأخلاق اليهودية والدفاع عن نوع من التوفيقية بين العهد القديم والاستعمال الخالص للعقل. هذا الفهم الأعرابي لكانط يظل ايديولوجيا وغير علمي. فكانط رفض كل أشكال الشطط الديني أو الميتافيزيقي. نظرة سطحية إلى كتبه في الأخلاق ونقد الدين تكفي للتأكيد على ذلك. صراع الكليات مثلا، ينتصر للفلسفة وللعقل على الكليات الأخرى والمتمثلة يومذاك في القانون وعلم اللاهوت والطب. وتفضح الصفحات الأخيرة لكتاب طه عبد الرحمن الخلفية الايديولوجية المريضة لهذا المفكر. إذ يحاول أن يربط بين مشروع تهويد الفلسفة وبين الصهيونية. وهو يسوق مثالا على ذلك تأسيس مؤسسة في إسرائيل تهتمّ بفلسفة ابن رشد، كما لو أن اسرائيل ليس لها الحق في الاهتمام بفيلسوف كبير كان له تأثير كبير على الفكر اليهودي. وينتهي طه عبد الرحمن إلى الإشادة بهايدغر، معتبراً الأنطولوجيا الهايدغرية مشروعاً لتحرير الفلسفة من التأثير اليهودي. إشادته بهايدغر في هذا السياق ليست مجانية. فنظرة إلى خطاب الجامعة الشهير لهايدغر تكفي لإلقاء بعض الضوء على العلاقة الروحية بين الاثنين، علاقة تفضح عماء كل فلسفة قائمة على الاكتفاء الذاتي ومنحصرة في اطار العرق أو الأمة، علاقة تفضح منطق الشبيه، هذا المنطق الذي يرفض كل شكل من أشكال الاختلاف والغيرية. منطق النعامة أصولية السوق أو ما يصطلح عليه عادة بالعولمة، هي تعبير عن امبريالية العقل أو المركز في تعامله مع الأطراف.. مركز يتخفّى خلف ستار العقلانية والعلموية والعالمية والحرية من أجل فرض نمط حياة وتفكير معينين. مواجهة هذا التحدي لا تتمّ بالركون الى الذات، ولا بالوقوع في فخ الهوية ومواجهة العقلانية باللاعقلانية. لكن العقل العربي يتماهي عن وعي أو غير وعي مع الدور الذي اختاره المركز له. ويبدو واضحاً أن خطاب الهوية هو الوجه الآخر للعقلانية المريضة التي تتحكم اليوم بقدر البشرية، ولا عجب أن تلتقي أهداف الامبريالية مع تلك التي رسمتها الأصولية لنفسها. ويلتقي المفكر العربي بوعي أو بغير وعي مع هذه الأهداف ويعمل من أجل تحقيقها. ولا أدلّ على مثل هذا الفكر واستقالته التاريخية، من موقف الجابري من العولمة. فما هو الردّ الذي قدّمه الجابري على العولمة. يرتدي الجابري بزة عرافة شرقية في أطروحاته العشر حول العولمة والهوية الثقافية ويطلع علينا بخطاب لا يختلف عن عقلية جاهلية القرن العشرين في لغته وتفكيره. يعتبر الجابري أن الوفاء للأموات أهم من الوفاء للواقع، ولنلقِ نظرة على أطروحته الأولى المعنونة كالآتي: »ليست هناك ثقافة عالمية واحدة، بل ثقافات«. يعتبر الجابري بداية أن الثقافة هي المعبر الأصيل عن الخصوصية التاريخية لأمة من الأمم. لكن الثقافة لا تتطوّر ولا تحقق نفسها الا ضدّ مفاهيم من نوع الأصالة والخصوصية. لا خصوصية للثقافة سوى أسئلتها، هناك فقط توجّه يدّعي الأصالة لنفسه، لأنه يتشبث بحقائق الماضي. لكن الأصالة قد تُفهم أيضا كوفاء للحاضر، كوفاء للأحياء لا للأموات، لحاجات الإنسان وأسئلته الملحة. اختزال الثقافة في الأصالة رفض للتعدد وحجب لدور الآخر، وتناسٍ لحركية التاريخ. إن الثقافة الأصيلة هي أشبه بنعامة تدفن رأسها بالرمل. والرمل قد يعني الذكريات إذا استعملنا لغة الجابري الرومانسية، وقد يعني نصوصاً تغتصب التاريخ وعمائم تبتلع الحاضر والإنسان. والقول بأنه ليست هناك ثقافة عالمية بل ثقافات، قول فيه الكثير من التفاؤل المجاني. ذلك أن الثقافة اليوم تنحو نحو العالمية. إبداع من الآخر وتقليد من الأنا. تختفي الأنا خارج التاريخ. أشبه بالمصريين القدامى الذين ظلوا دائماً أطفالاً لأنهم لم يتجاوزوا جدران المعبد. إن الآخر يفرض ثقافته. ليس لأنها الأكثر إنسانية أو تحضّراً، ولكن لأنها ثقافة الأقوى. أما الضعيف فلا ثقافة له، وقد تكون له ذكريات! يصرّ الجابري بأن للثقافة هوية. وإذا اعتبرنا أن الثقافة لا تتجدّد سوى بالنقد والجدل المستمرين، وأحيانا بخيانة المسلمات التي كانت قائمة عليها، سيكون من الخطأ ربطها بهوية معينة. فالهوية منطق انكفائي وعقل جوهراني. وربط الثقافة بالهوية، قومية كانت أم دينية، هو استسلام لاجتهاد السلف. وتقول الأطروحة الثالثة إن الهوية الثقافية لا تكتمل إلا إذا كان مرجعيتها جماع الوطن والأمة والدولة. ويقول الجابري معرفاً الوطن: »الأرض والأموات، أو الجغرافية والتاريخ وقد أصبحا كيانا روحيا واحدا يعمر قلب كل مواطن«. أي معنى للوطن يقدّمه الجابري؟ وأية لغة طلسمية يستعملها؟ الوطن هو الأرض والأموات! ويستعمل الأموات كمرادف للتاريخ. تاريخنا يتلخص في الأموات، فيما أنجزه الأموات. فأين مكان الأحياء من كل هذا؟ وما هي مهمتهم؟ الوفاء للأموات. موضعة الآخر تأسس علم الاستغراب، كنزعة معادية للغرب، ولكل ما له علاقة بالديموقراطية والليبرالية. ربما كان الفلاسفة اليابانيون في اجتماعهم الذي عقد مباشرة بعد هجوم اليابان على قاعدة بيرل هيربور سنة 1942 في كيوتو من أجل مناقشة دور اليابان في العالم، تحت شعار: »من أجل تجاوز الحضارة الغربية« أول مَن أدلى بدلوه في هذا المجال. لقد وضعت اليابان الفاشية نصب عينيها تحرير آسيا وتطهيرها من الروح الغربية. لقد كان هؤلاء الفلاسفة يشتقون أفكارهم من اثنية قومية متأثرة الى حد كبير بالنموذح البروسي وبالتقاليد والمعتقدات اليابانية القديمة Zen. إنهم يعتبرون أن العرق الياباني ينحدر من الآلهة، وأن مهة اليابانيين توحيد آسيا روحياً وسياسياً. هذه الروح الآسيوية التي تتمثل في الاستعداد للتضحية بالنفس، الصرامة في السلوك، القوة، خضوع الفرد للجماعة، تأليه القائد، والاعتقاد بأولوية الروح على العقل. وقد تلخص كل ذلك في الوثيقة التي أصدرتها وزارة التربية اليابانية سنة 1937 تحت عنوان: »المبادئ الأساسية للسياسة القومية«، والتي أكدت تميّز اليابانيين عن المواطنين الغربيين، أولاً بسبب قيصرهم الذي لا يحوم شكّ حول انحداره من الآلهة، وثانياً بسبب روحهم النقية والخالصة، والتي يتوجب حمايتها من التأثيرات المدمرة للحضارة الغربية. ولم تختلف المانيا الهتلرية عن اليابان كثيراً. إذ أنها رأت أن مسؤوليتها تتمثل في الكفاح ضد مظاهر الحياة »اللاروحية« للمجتمعات الغربية كما تمثلت في الجمهورية الفرنسية والرأسمالية الأميركية والليبرالية الانكليزية وفي اليهود الكوسموبوليتيين. إن الأمر أشبه بصراع بين الروح والعقل، بين بطولة الروح واستعدادها للتضحية العمياء وبرودة العقل ورداءته. فالليبرالية ليست أكثر من حرية الإنسان في أن يحيا حياة رديئة، على حد تعبير المنظر النازي آرثور مولر. ولا غرو أن الاستغراب لسان حال الأصولية الإسلامية. فهذا التيار يعمد أيضاً إلى تكفير الغرب، وتكفير كل من ينفتح على ثقافته أو يطلب الإفادة منها. ويرى حسن حنفي أن علم الاستغراب تحليل علمي رصين لثقافة الآخر. جاء ذلك في كتابه الذي يحمل نفس العنوان. والذي لا يملك من التحليل العلمي شيئا، فهو ليس أكثر من مدخل بسيط وناقص الى الفلسفة الغربية. يستعمل حنفي الاستغراب في مقابل التغريب. فالتغريب استلاب وذوبان للأنا في الآخر، أما مهمة علم الاستغراب فهي على حد تعبيره، فك عقدة النقص التاريخية في علاقة الأنا بالآخر. ويتمّ ذلك في نظره عن طريق تحويل الآخر من ذات الى موضوع. لو ألقى حسن حنفي نظرة على فلسفة ليفيناس، ونقدها لمفهوم الذات، والتكوين لدى هوسرل، لكان نأى بنفسه عن استعمال مثل هذا الأسلوب الأحادي البعد الامبريالي المعنى، الذي يطلب إقصاء الآخر، لأن الموضعة إقصاء، منطق شبيه. هذا الفهم للآخر شبيه بفهم المستشرقين للشرق، القائم على نزعة التفوق والسيطرة. كما أن حديثه عن الأنا والآخر يظل دائما حديثا ملتبسا وشبه ايديولوجي رغم الانطباع الموضوعي الذي يمكن أن يوحي به لأول مرة. فلا وجود لأنا خالصة وواحدة ومنتهية ومطلقة، كما أنه لاوجود لآخر واحد وخالص. إضافة إلى أن الأنا تظل دائما متأثرة بالآخر ونفس الشيء يُقال عن الآخر. »فالأنا هبة الآخرين« على حد تعبير الفيلسوف الشخصاني محمد عزيز لحبابي. والغرب ليس كله ذلك المستعمر الذي يحاول فرض ثقافته ووصايته على الأنا. إن »أنا« حسن حنفي تظل أنا جوهرانية، ماهوية ومطلقة، وهذا ما يمكن أن يقربه من التيار الأصولي. إضافة إلى موقفه السلبي من المثاقفة. فهو يتجاهل بأنه لا وجود لحضارة أو ثقافة أو نصوص عذرية، وأنه لا وجود لخصوصية مستقلة عن الخصوصيات الأخرى. إن الثقافة الحديثة كالثقافة العربية القديمة هي نتاج تلاقح وحوار ثقافات مختلفة.