As Safir Logo
المصدر:

هاني أبو أسعد يطوّر في »الجنّة الآن« السينما الفلسطينية الاستشهادي أمام الكاميرا يعيد تمثيل موته وحياته الثانية

من اليمين علي سليمان (خالد) وقيس ناشف (سعيد) في مشهد من »الجنّة الآن« لهاني أبو أسعد
مشهد من »الجنّة الآن« للمخرج الفلسطيني هاني أبو أسعد
المؤلف: ج ن التاريخ: 2006-01-05 رقم العدد:10289

بعد جولة سينمائية قام بها في عدد من المهرجانات الغربية، ونال جوائز عدّة، منها جائزة »بلو آنجيل« لأفضل فيلم أوروبي (إنتاج مشترك بين فلسطين وهولندا وفرنسا وألمانيا، 2005) من »مهرجان برلين السينمائي الدولي« بدورته الأخيرة (شباط 2005)، عُرض »الجنّة الآن«، الفيلم الروائي الجديد للمخرج الفلسطيني المقيم في هولندا هاني أبو أسعد، في تظاهرة »عربٌ في سينما العالم« في الدورة التاسعة والعشرين (29 تشرين الثاني/9 كانون الأول 2005) ل»مهرجان القاهرة السينمائي الدولي«، وفي افتتاح الدورة الثانية (11/17 كانون الأول 2005) ل»مهرجان دبي السينمائي الدولي«. هنا كلمة نقدية عن فيلم يروي، بلغة مبسّطة وجميلة وإنسانية، تفاصيل متنوّعة من اليومي الخاص بالفرد في قلب جماعته السياسية والمجتمعية. هل يُمكن القول إن السينما الفلسطينية مستمرّة في توطيد مكانتها الإبداعية في المشهدين العربي والغربي؟ هل يكفي إنجاز عدد قليل للغاية من الأفلام الروائية الطويلة في كل عام، كي يُقال إن هناك شيئاً ما يتكوّن في أفق هذه السينما؟ هل نجحت الأفلام القليلة في بلورة توجّه ثقافي وفني وصناعي لسينما لا تختلف معاناتها الإنتاجية عمّا تعانيه »صناعة« الفيلم العربي أو العالمثالثي؟ أسئلة السينما الفلسطينية الجديدة أسئلة كثيرة تُطرح في سياق التعليق النقدي عن أفلام فلسطينية جديدة، يحقّقها سينمائيون فلسطينيون مقيمون في فلسطين أو مغتربون/منفيون في دول أوروبا وأميركا. خصوصاً إذا تناول هؤلاء مواضيع إنسانية مستلّة من الواقع المعيش والحياة اليومية، أي بعيداً عن لغة البكائيات والخطابية الشعاراتية المبتذلة والمستهلكة كثيراً في هذه السينما تحديداً. فمع ميشال خليفي وإيليا سليمان ونزار حسن وماري آن جاسر والأخوين رائد وسائد أنضوني وعزّة الحسن ورشيد مشهراوي وآخرين (من دون التوقّف عند السوية الإبداعية، الفنية والتقنية والدرامية والجمالية، لأفلامهم)، نحت السينما الفلسطينية باتجاه البحث عن مفردات مختلفة في معاينة التفاصيل الحياتية، وفي تشييد العمارة الفنية. كما أنها جعلت التزامها الوطني والإيديولوجي مدخلاً طبيعياً ل»صناعة« فنّ بصري يستوفي شروطاً إبداعية عدّة، بعد أن وقعت طويلاً في فخّ الإيديولوجيا الوطنية على حساب الفن والإبداع والثقافة النقدية والسجال الدرامي والشكلي. مع هؤلاء (وبعض آخر)، تحرّرت السينما الفلسطينية من وطأة الخطاب الجماعي ورفع القبضات عالياً وإعلاء الصراخ، مفسحة مجالاً واسعاً بل أساسياً، للفرد (كإنسان أولاً) يعاني ويتألم ويفرح ويعيش حياة إنسانية عادية، أكان ذلك في مواجهته الاحتلال الإسرائيلي، أم في مقارعته القهر والألم والتزمّت والأمية والجهل. لا شكّ في أن هاني أبو أسعد، المقيم في هولندا منذ مطلع الثمانينيات المنصرمة، يحتلّ مكانة بارزة في المشهد السينمائي الفلسطيني الجديد، بإنجازه أفلاماً عدّة أثار بعضها جدلاً والتباساً، في حين أن بعضها الآخر حثّ على منقاشة نقدية هادئة. ففيلمه الروائي السابق »زواج (عرس) رنا«، أو »القدس في يوم آخر« (2001)، كشف عن رداءة فظيعة في كتابة السيناريو والتصوير وإدارة الممثلين والمعالجة الدرامية والحوار، في حين أن »فورد ترانزيت«، الذي أنجزه بعد نحو عام على »زواج (عرس) رنا«، بدا ملتبساً في نوعه الفني: فهو فيلم وثائقي يروي سِيَر أناس يواجهون المصاعب ويقارعون التحدّيات، من خلال سيارة فورد للنقل العام، مع أنه مصنوع بما يشي، ولو للحظات، بأنه روائي بحت. على الرغم من هذا، وربما بسبب هذا الالتباس الفني الجميل بين النوعين، بدا »فورد ترانزيت« مرآة لواقع ونمط حياة وسلوك بشري، لا تختزل المجتمع كلّه بقدر ما تُقدّم نماذج حيّة مقتبسة من صلبه. مأزق الفرد في »الجنّة الآن« منذ لحظاته الأولى، بدا »الجنّة الآن« مصنوعاً بشكل جيّد في مستوياته الدرامية والجمالية والفنية والتقنية، والنصّ مشغولاً بحرفية لافتة للنظر في تحليله مأزق الفرد في يومياته في ظلّ الاحتلال الإسرائيلي، من دون أن يتغاضى عن الأزمات الأخرى الناتجة من المناخ الفكري الضاغط المتولّد من ثقافة الموت والعمليات الاستشهادية/الانتحارية. كما أن الأداء التمثيلي لغالبية الممثلين، خصوصاً في الأدوار الرئيسة، عكس شيئاً مهمّاً من التركيبة النفسية والاجتماعية والحياتية لشخصيات مستلّة من قلب هذا الواقع الإنساني البائس. إن مشاهدة »الجنّة الآن« تؤدّي إلى قناعة ما بأن هاني أبو أسعد أثبت قدرته على تطوير لغته الفنية وآلية اشتغاله البصري وكيفية توغّله في عمق الحكاية وتشعّبات الحالة الإنسانية الخاصّة بها. لعلّه تأثّر بحرفية العاملين الهولنديين معه في تحقيق »الجنّة الآن«، لكن المؤكّد أنه بدا قادراً على الاستفادة القصوى من تجاربه السابقة، خصوصاً »فورد ترانزيت«، وعلى تخطّي »المأزق« المهني الذي وقع فيه حين أنجز »زواج (عرس) رنا«. إنها حكاية الشابين الصديقين سعيد (قيس ناشف) وخالد (علي سليمان)، اللذين يعملان معاً في ورشة لتصليح السيارات في نابلس. ببساطة قصصية لا تلغي جمالية التصوير، يروي الشابان يومياتهما بسلاسة وشفافية تعكسان وقائع حياتية يومية عادية في مدينة مزنّرة بالموت والقتل والخراب، ومشحونة بالحياة والقتال والعيش. شيئاً فشيئاً، يُفكّك هاني أبو أسعد عالمهما، كي يكشف خبايا الذات والروح والقلب والألم والماضي والذاكرة والمجتمع، إذ يُكلَّف الصديقان بمهمة »وطنية« و»قومية« ملحّة: تنفيذ عملية استشهادية/انتحارية ضد إسرائيليين في تل أبيب. لكن شيئاً ما يحدث في خلال توجّههما إلى مكان العملية: سيارة جيب عسكري إسرائيلي تعترض طريقهما، فيهربان وينفصلان عن بعضهما البعض، فيعود خالد إلى مدينته بحثاً عن صديقه، محاولاً إنقاذه من »الموت«، ويُكمل سعيد رحلته نحو »المجهول«، لأن النهاية تبقى مُعلّقة ومُلتبسة، بسبب استحالة الإجابة على سؤال: هل نفّذ سعيد العملية، أم لا، خصوصاً أن الصديقين عاشا لحظات ارتباك فظيع في خلال المسار الدرامي للحكاية، على الرغم من أن سعيد مثلاً روى، حين عاد لوقت قصير إلى مقرّ الجماعة التي كلّفته تنفيذ العملية، بعضاً من ألمه المكتوم: قُتل والده لاتّهامه بتعاونه مع الإسرائيليين، في حين أن السرد الدرامي أضاء على عجزه عن بناء علاقة سوية بحبيبته، وعلى غضبه الدفين جرّاء بؤس الحياة اليومية، إلخ. هناك مشاهد عدّة مثيرة للانتباه والنقاش: فإلى جانب الفكرة الأساسية (إنسانية الانتحاري/الاستشهادي والتفاعلات الناتجة عنها)، صوّر هاني أبو أسعد نماذج عدّة من الحياة اليومية في فلسطين، كالمصوّر الذي لا يتردّد عن بيع و/أو تأجير أفلام فيديو سُجّل عليها الخطاب الأخير/الوصية للانتحاري/الاستشهادي (هذا ما يحدث في فلسطين أصلاً، كما هو معروف)، والمقاتلون الذين يأكلون السندويتشات أو المناقيش أثناء تصوير هذا الخطاب الأخير/الوصية، والحب المبتور بين سعيد وصديقته الثرية سهى (لبنى زبّال)، مما يعكس شيئاً متن التفاوت الطبقي الحاصل، والحياة العائلية القادرة على مواجهة الموت بالحياة، وغيرها. وإذ بدا مشهد المقاتلين الذين يأكلون طعامهم أثناء تصوير زميل لهم ذاهب إلى الموت، وكأنه اختزالٌ لعبثية الحياة ومتاهتها، فإن المصوّر الذي يُفترض به أن يُسجّل هذا الخطاب/الوصية بدا أكثر عبثية وواقعية، حين اكتشف أن الكاميرا لم تصوّر شيئاً، فطلب من المقاتل (بتلقائية وعفوية تتناقضان مع مناخ الموت) إعادة قول كل ما سبق أن قاله لتسجيله ثانية. عبثية اعتمد هاني أبو أسعد أسلوباً مبسّطاً في سرده الوقائع وتفاصيل الحكاية والعلاقات القائمة بين الشخصيات، من دون أن يلغي أهمية العمق الفكري والإنساني للمسألة التي لا تزال تحتلّ مكانة بارزة ومهمّة في النقاش الثقافي والسجال النقدي الفلسطيني والعربي والغربي: العمليات الانتحارية/الاستشهادية. لم يشأ التنظير، فاختار شابين يعانيان الأمرّين في مجتمع مقموع ومحتلّ، كي يعيد صوغ السؤال من خلال المشهد المتكامل للحدث. ولم يرغب في إعلاء شأن الخطابية الدينية والمجتمعية والفكرية، فسعى إلى سرد مقتطفات من السيرة الذاتية لأناس مجبولين بالهمّ والقهر والرغبة في الخلاص. لم يرفض المفهوم العام لهذا النوع من العمليات (لم يُعلن إدانته إياها)، ولم يدافع عنه (لم يجعلها أساس المقاومة). كل ما في الأمر، أن هاني أبو أسعد صوّر وقائع حسية يعيشها الفلسطينيون في يومياتهم، محافظاً على توازن جميل بين قساوة المضمون، إنسانياً واجتماعياً وحياتياً وسياسياً ودينياً وفكرياً، وسلاسة الشكل في سرده الحكاية وتفاصيلها.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة