As Safir Logo
المصدر:

»حمام بغدادي« مسرحية لجواد الأسدي على خشبة مسرح الحمراء دمشق العراق في نسخة مبسطة ومصغرة

المؤلف: عيسى راشد التاريخ: 2005-12-29 رقم العدد:10283

يشكل عنوان مسرحية العراقي جواد الأسدي »حمّام بغدادي« مادة بصرية شديدة الغنى، لرسم مكان وسينوغرافيا وتشكيل حركي على الخشبة، وكذلك لاستعمال أغراض وإغنائها بتحولات. وبالفعل فقد أفرد العرض في مستهلّه كل العناصر اللازمة: جدار في العمق، يغلب عليه الأبيض، مع رسوم شحيحة لجبر علوان، الفنان التشكيلي العراقي المعروف، عن أجواء الحمام الشعبي، أمامه »بانيو« طويل، أقرب إلى شكل التابوت، يقبع تحت مجموعة من »الدوشات«، ثم أحواض الاستحمام الصغيرة، قبل أن تدخل إلى الخشبة طاولةٌ، أو مقعد طويل في مقدمة الخشبة مواز ل»البانيو« الذي في العمق. هذا بالإضافة إلى عناصر صوتية لا تقل أهمية في إغناء المشهد، كصوت الماء، ثم أصوات »القباقيب« التي تثير جلبة في المكان، هذا الصوت الذي بإمكانه أن يكون إيقاعاً للعرض، أن يكون زمناً، ثقيلاً شئناه أو حياً وسريعاً. وهناك في النهاية أبخرة الحمام التي ستتيح استخدام جهاز الدخان بكثرة على مدار العرض. لكن ذلك كله استخدم دفعة واحدة في لحظات العرض الأولى، ثم لم يلبث أن اختفى معظمه كتوظيف وإشارات، سوى فعل التطهير والاغتسال الذي لا يمكن إلا أن يكون لصيقاً بفعل الاستحمام. جمالية كل تلك العناصر تكمن في روعة التعبير الذي يمكن أن تفضي إليه، فكلها تنتظم في ثنائية الموت (التابوت، السجن، القذارة) والحياة (الاغتسال والتطهر). إذاً فقد نجح العرض منذ البداية في اختيار العناصر التي تؤدي إلى المعنى الذي يريد، ولكن هل نجح في توأمة الحكاية مع المكان؟ بمعنى هل أحداث المسرحية كان يلزمها حمام شعبي لتشتعل شراراتها؟ ثنائية حادة لا شك في أن ما يحلّ بشخصيات »حمام بغدادي«، لا يستوجب الدخول إلى حمام شعبي، بمعنى أن الحدث لا يمليه هذا المكان دون غيره، مثلما تملي المقبرة على هاملت مشهد حفار القبور، أو كما استوجب انتقام عطيل قتل ديزدمونه فوق سرير الزوجية، أو كما كانت الخادمتان في مسرحية جان جينيه مفتونتين بلعب دور السيدة في غرفة نومها لا في مكان آخر، وفي مثال محليّ فإن مونودراما »اسماعيل هاملت« لحكيم مرزوقي ورولا فتّال تجري في حمّام السوق لأن وظيفة الشخصية في المسرحية »مكيّس« يمر عليه أصناف من البشر إلى الحمّام فيروي قصصهم في المسرحية. الحمّام هنا، في »حمّام بغدادي«، خيار جماليّ، بصري، وليخدم فقط فكرة التطهّر، من دون أي ضرورة درامية. فبطلا العرض مجيد وحميد (الأول يؤديه فايز قزق، والثاني نضال سيجري) هما شقيقان عراقيان يعملان سائقين، وبمصادفة وجودهما في الحمام يفتحان العتاب والبوح، وهنا استفاد العرض من فكرة التعري كنوع من الاعتراف والكشف عن ماضي الشخصيات. الشخصيتان هما أيضاً نوع من ثنائية حادة، الأكبر بينهما مستبد بأخيه، ومن بين أوصاف كثيرة يطلقها الرجل على نفسه سيقول إنه خادم للشيطان، وكلب مهنته، يقضي أوقاته بين أحضان القحاب، يحشش على الملأ. وسيقول عنه أخوه الأصغر أشياء كثيرة من بينها أنه لم يكلف نفسه حتى عناء المشي في جنازة أبيه، ومهمل لأمه. والرجل هو أيضاً حليف للأميركيين ويروح يتحدث عن فضائلهم، ويتغزل برئيسهم بطريقة قد لا يفعلها الأميركيون أنفسهم. من الواضح أن العرض أراد أن ينكّل عن عمد ببطله لهذا السبب بالذات، ألكونه حليفاً لهؤلاء استحق مجيد أن يظهر على هذه الصورة الشرّانية؟ لا شأن لنا هنا في السياسة، ولكن في الدراما لماذا يكون المرء شريراً إلى هذا الحد؟ ومن غير مسوّغ منطقي؟ في مسرحيات شكسبير، التي تحفل بأنماط نادرة للشر مثل ياغو وماكبث وريتشارد الثالث، سنجد أن للشر والقتل والحرام حجة ومنطقاً أقوى من حجج الأخيار. في مقابل هذا »الأميركي« سنجد الأخ الأصغر ضعيفاً، هزيلاً بلا حدود، ليس سوى متلقٍ لصفعات أخيه، مثلما هو، في الغالب، مستمع لحكايات أخيه ومحاكِماً له، منهوباً مسلوب الإرادة، وهو يشكل النموذج النقيض، إذ هو شديد التعلق بأسرته، وصلة الرحم هنا حكم على إيجابية الرجل، إذ كان الوحيد الذي سار خلف جنازة الأب. وبالطبع ليس غائباً هنا معنى قتل الأب عند الأول، والتعلق به عند الثاني، ولكن الأهم في شخصية هذا هو أنه، وهو الرعديد، يعلن صراحة في وجه أخيه عن تقززه واشمئزازه من مغازلته للأميركيين، فهو النموذج النقيض، سياسياً، وإنسانياً هو الطيّب والخيّر والضحية، وهو يستحق التعاطف رغم تورطه مع مخابرات النظام السابق في عمليات قتل وإبادة، حينما استخدمه وحافلته رجال النظام في نقل مساجين، ثم توريطه في إطلاق النار عليهم ودفنهم في مقابر جماعية. هذا هو العراق إذاً في »حمام بغدادي«، ينوس بين نموذجين؛ أميركي، أو متورط مع النظام السابق بعلميات قتل وإبادة. صورة مصغرة ينقسم العرض إلى ثلاثة أجزاء؛ الأول ذلك الحوار الذي يجري في الحمام بين الشقيقين، وفيه تعريف عنهما، وكشف عن دواخلهما، الثاني يجري قريباً من الحدود العراقية الأردنية أمام حاجز للجنود الأميركيين. فمن جديد ورّط الأخ المستبد أخاه في عملية نقل مرشح عراقي ثري للانتخابات العراقية من عمان إلى بغداد، سيجنيان من وراء مرافقته والتصويت له أرباحاً طائلة، غير أن الرجل يموت في الطريق، فيعلّق الأخ الأصغر بأن ذاك المرشح كان ميتاً أصلاً ومتعفناً (مرة أخرى هذا تعليق سياسي لن نجادل فيه، خصوصاً أن العرض لا يحكي عن شخصية محددة، وإنما عن شخصية بلا اسم كما لو كانت رمزاً). في هذا الجزء أراد العرض أن يعاقب بطله المتأمرك. على الحدود يستنهض الأخ الصغير كل قوّته ليعلن نهائياً قرفه من أخيه، الذي يحاول أن يورطه بمخاطبة المجندة الأميركية على حاجز التفتيش للعبور بالجثة، وحين تطالب هذه بنبش الجثة، يرفض حمود انتهاك حرمة الميت ويغادر المكان نهائياً، فيضطر مجيد ليقوم بعناء مواجهة المجندة بنفسه، وما إن يفتح النعش حتى ينفجر في وجهه فيفقد البصر (لا نعرف سبباً لمصدر الانفجار). في هذا الجزء سيقتصر الديكور (لزهير العربي) على مقعد طويل أمام التابوت، وسيظهر الممثلان بملابس ثقيلة بعكس صورتهما في الحمام، والمشهد هنا كان يمكن أن يؤدّى في الحمام، بمعنى أن يجري استحضاره بأدوات المشهد الأول، وهذا هو معنى أن تتحول الأغراض إلى استعمالات جديدة، فطاولة الحمام يمكن لها أن تمثل حافلة، وتابوتاً، وحاجزاً عسكرياً، وزنزانة انفرادية، وكذلك بدلاً من استحضار ذلك الكم الهائل من الثياب التي أثقلت ظهريْ الممثليْن، كان يكفي لخرقة الحمام نفسها، وعبر الأداء أن تعكس برودة الطقس على الحدود حين تستخدم كناية عن معطف أو غطاء للرأس، عناصر المشهد هي نوع من الاستفاضة تماماً مثل الحبل الذي استخدم هنا، بذريعة ربط التابوت، ليمتد بين الشخصيتين وليضع أحدهما في وضع التابع للآخر، مع أن هذا المعنى كان واضحاً منذ الدقيقة الأولى. أما جزء العرض الثالث فيعود إلى الحمّام ويُظهِر الرجل المتأمرك فاقداً للبصر، وكما في التراجيديا الإغريقية، أوديب مثلاً، فإن الرجل حين يفقد البصر تتفتح بصيرته. لقد أحدث الانفجار انقلاباً في حياته، فقدم اعترافاً وتوبة، وتمنى أن تغفر له أمه أخطاءه، كما اعترف أيضاً بأن الأميركيين لم يوفّروه حين عرّضوه للسجن والتعذيب (يجري التلميح إلى سجن أبو غريب). ينقلب هنا منطق الشخصية، وحتى لغتها وإيقاعها ونبرتها التراجيدية، حتى اللهجة هنا تختلف، صار الممثل يتحدث بعربية صافية، بعد أن قضى يخلط بين الفصحى والعامية العراقية. لقد بدا الحمّام البغدادي مكاناً مغلقاً، واقعاً ومجازاً، وهو حاول منذ البدء تقديم تبريرات عن فراغ الحمّام إلا من هاتين الشخصيتن بخوف الناس وبحثهم عن ملاذات آمنة. وعلى مستوى علاقة المكان بالخارج لم يهتم العرض بإيجاد امتدادات إلى شارع، أو حي شعبي، مقهى، سماء، حتى لو كانت هذه شديدة التلبد. وحتى حين صور العرض منطقة حدودية، يفترض أنها مفتوحة على أمداء شاسعة بدا المكان معتماً، شديد الانغلاق. الخارج لم يحضر إلا عبر أصوات انفجارات ضخمة، لعلها أقلقت المتفرجين في مقاعدهم. ولكن الأهم هو أن هذه الصورة المصغرة عن العراق لم نشهد عبرها إلا هذين النموذجين المتطرفيْن من الشخصيات. نموذجين فقط، في مكان يفترض أنه يعج بشخصيات ولغات وآراء ودراما شديدة التنوع. (دمشق)

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة