يقضي أحمد وزملاؤه ساعات طويلة أمام شاشات الكومبيوتر في أحد مقاهي الانترنت، متنقلين بين المواقع »الجهادية«، التي تقدم وجبات دسمة من الأخبار. أخبار مواقع ك»جيش أنصار السنة« و»القاعدة في بلاد الرافدين«، و»الجيش الإسلامي«، فبعد استعراض سريع لمحتوياتها المصورة لكلمات أبي مصعب الزرقاوي والدكتور الظواهري، أي الرجل الثاني في تنظيم القاعدة، تبدو مختلفة كلياً عن أخبار الفضائيات، التي »تتبع النظام الأميركي« على حد قول أحمد. من شريط فيديو عن عملية بطولية في سامراء، إلى آخر عن »زلزلة فنادق الكفر والنفاق« أو »أوكار الجواسيس« في بغداد، تقترب الساعة من منتصف الليل، يختار مختار أكثر المشاهد إثارة ودموية من العمليات المختارة التي احتفظ بها في ملف خاص به على الديسكتوب، إلى مشاهد »قطع رؤوس الكفار والمرتدين«، كما يقول، فينتشي الشبان الأربعة بأخبار »المجاهدين«، الذين »قضوا نحبهم ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا«، يقول عبيدة، أكثر القوم إلماما بتلك المواقع. الإنترنت هي الواسطة الوحيدة التي يمكن من خلالها معرفة أخبار المجاهدين من جهة، وتغذية »الروح السلفية الحقيقية عند شباب اليوم المتعطش للانقضاض على الكفار وأذنابهم أينما وجدوا«، كما يختم عبيدة. كان بين هؤلاء الشباب أربعة آخرون »أفلسوا، هداهم الله«، كما يقول أحمد. تظن للوهلة الأولى أن الأربعة »الذين أفلسوا« قد بدأوا يرتادون البارات أو الخمارات »لا سمح الله«، لكنهم، يضيف وليد، »أسوأ من ذلك بكثير«. فأين هم؟ يجيب ضاحكاً: »تجد ثلاثة منهم في المسجد الفلاني، والرابع الله أعلم، ربما هو في خلوة خاصة مع ربه«. »الوسطية لا الاعتدال« الشباب الأربعة »ارتدّوا« نحو التصوف، التصوف ك»طريقة حياة، لا كشعارات وأغان كما في بعض الإذاعات والفيديو كليبات، التي تدعي الاعتدال في الدين الإسلامي. فبعض الجماعات التي تدعي الاعتدال ليست من الدين في شيء، ولا يحق لها الادعاء كذلك التشرف بذكر أهل التصوف«، يشرح حسام المتفنن بسكسوكته. يضيف طالب الفندقية المكتنز إلى هيئته سبحة خشبية من ذوات المئة حبة طويلة ذات شرّابات خضراء ثلاث، احتوت الشرابة الأولى على خمس حبات خشبية لحساب الألوف، أما الشرابة الثانية ذات العشر حبات فهي للمئات، والثالثة ذات حبة واحدة، هو نفسه لا يعرف لمَ هي موجودة أصلاً. يظهر أن الجماعة الأولى التي ارتأت أن تتخذ من الإنترنت سبيلا للاطلاع على الإسلام، وبالتالي الالتزام بكل ما يرد على صفحات المواقع المسماة جهادية، لم تتعمق لتتعرف إلى الدين من خلال الكتب والمحاضرات التي يصر علماء الدين من على المنابر على أنها أهم أوعية المعرفة الدينية. أما الجماعة الثانية التي اعتبرت أن التصوف ملجأها للتخلص من التطرف والحقد على الآخر، لم يكن تحركها ابتعادا عن أوساط السلفية الجهادية سوى ردة فعل غير ممنهجة، أو فلنقل لعدم وجود ملجأ آخر في ظل الاعتبار السائد الذي يقول: إن السلفية نقيض التصوف. سامي يرفض فكرة الردة التي ينعته بها رفاقه السابقون، فهو انضم »إلى طابور المدافعين عن الزرقاوي وأمثاله بعد الخطب الرنانة التي كانت تملأ مساجد بيروت أثناء الغزو الأميركي للعراق«، يدعي طالب العلوم الاجتماعية أن الخطب التي صاحبت الهجوم الأميركي على »أم قصر« كان كافياً ليحرك مشاعر الآلاف من الشبان، بخاصة مع خطبة الشيخ من على منبره، يقول فيها: »أجفّت الأرحام، ألم يعد فينا صلاح الدين؟ ألا تتحركون، أين الشباب ليذودوا عن حرم الأمة؟«. يضيف سامي: »كانت تلك الخطب تمزق أحشائي، على الرغم من أني كنت أجلس في مكاني المفضل في المسجد، في الطابق الثاني تحت الأرض أنظر إلى الخطيب سانداً ظهري إلى عمود«. ما الذي حدث بعد كل تلك المدة؟ يجيب: »لا تملك السلفية الجهادية من أدوات المواجهة مع الغرب إلا تركيز الحقد والكراهية، وتنشر التكفير ضد كل من لا يكون أخرس أطرش يطيع ولا يسأل«. لكن ذلك لم يكن الدافع الحقيقي ل»ترك شاشات الإنترنت والمشاهد المتكررة«، يشرح حسام عن تجربته، »المسألة ليست كنقل بندقية من كتف إلى آخر كما اعتدنا في لبنان من سياسيينا وأحزابنا، إنها مسألة قناعة واتصال خاص بالله تعالى، فالتصوف قد لا يبدو للناظر إليه من الخارج إلا بعض الأوراد والأذكار التي يرددها المتصوف يوميا، إلا انه من الداخل طمأنينة وسلام تام في ظل الله تعالى، وبالتالي اتكال كامل على الله، والمتكل على الله لا يضره شيء«. زكريا، لم يعد »وهابيا«، يتحفظ أصدقاؤه على هذا المصطلح، الذي قد لا يفيد المعنى المطلوب من تعبير »الجهادية التكفيرية«، التي يحلو لهم أن ينعتوا به أولئك الذين يقضون ساعات ليلهم شاحنين أذهانهم ب»صور القتل اليومي، التي لا تسمن ولا تغني عن جوع، بل تجعل من الإنسان وحشاً مهيئا للانقضاض على أخيه الإنسان«. يدعي زكريا أن التصوف بحد ذاته هو الحل، »فليس من المسموح أن يُقتل باسم الدين أي شخص أعزل أو مدني، سواء كان مسلما أم لا، والتصوف يعلم الشاب أن يسيطر على كل غرائزه ويلجأ إلى الله«. لا تختلف نهاراتهم عن بعضها البعض كثيرا، فالسبحة نفسها وكذلك الأوراد والأذكار، و»أكثرها صلوات خاصة على حضرة النبي المصطفى، وذكر الله تعالى، يمكن لأي كان أن يأخذ تلك الأوراد من الكتب الخاصة بالطرق الصوفية، أو من خلال الاتصال بشيخ من المشايخ، ولا فرق في ذلك بنظري، المهم هو الطمأنينة التي يصل إليها المتصوف من خلال الوارد الذي يحصل عليه من بعد الذكر والأوراد«، يقول زكريا. أما الليل فهو للاتصال بالأولياء والصالحين ولفعل الخيرات وللصلاة، وقراءة القرآن، ويمكن أن يستمر ذلك حتى الفجر، وكما تقول الآية: »إن قرآن الفجر كان مشهودا«. فبعد مدة قصيرة امتلك الشبان شعورا غريبا بالراحة، فصارت ردات أفعالهم تجاه الأحداث الدموية في العراق متروية وأكثر تحليلية من السابق، على الرغم من تحميل كامل التبعات للقوات الغازية والغرب، إلا انهم ينظرون إلى كل ذلك من زاوية أخرى. وطن نهائي رابع القوم لم يعتزل ليلجأ إلى خلوة خاصة مع ربه كما ادعى أحد أصدقائه السلفيين، كانت المدة التي ترك فيها محمد امتهان تصفح المواقع الجهادية كافية ليعيد النظر في كثير من الأمور. يقول: »لم أنكب على كتابات ابن العربي أو الحلاج أو حتى الكتب الحديثة التي تتحدث عن التصوف، بل على العكس كنت أتصفح تلك الكتب التي تنعت الصوفية بكل أنواع السخافات، كتلك التي يكتبها السلفيون أو المقربون منهم. فكانت النتيجة أني أعتقد أن النظرة إلى الآخر على انه أخ في الإنسانية أفضل، خاصة أنه ليس في التصوف التزام مسبق بوضع الآخرين في سلة الكفر أو النفاق«. لا ينزوي محمد في بيته ولا في المسجد، فإدمان الإنترنت يمنعه من ذلك، إلا انه لم تعد تعنيه تلك المواقع »التي تزيد من توتر الشاب الذي لا يجد عملا شريفا يسد حاجاته الأساسية، وتجعله عدوانياً، منذ مدة تزيد عن الشهرين لم أتجادل مع أحد أو أمد يدي على أحد«. مجالسو محمد يؤيدون آراءه، لا سيما و»هو الخبير الذي تعرف إلى الفريقين من سلفية وصوفية«، يقول زياد، ويضيف: »تعدنا المؤتمرات أن مصدر الفتوى في العالم الإسلامي سيكون موحداً، أهمها المؤتمر الذي انعقد في مكة المكرمة الأسبوع الماضي، إن ذلك يتطلب جهودا كبيرة، لكن الفوضى التي نعيشها يوميا في الفتاوى على الهواء، أو تلك التي يتناقلها الناس على جهلهم بمصدرها، يعزز التوتر الموجود أصلا بين أتباع هذا الشيخ أو ذاك، أو هذه الجماعة أو تلك«.