في غمرة انشغاله في عرضه الجديد »سيمفونية الألغاز«، كانت لي وقفة مطولة مع الممثل أنطوان كرباج. عندما أقول لنفسي أنطوان كرباج، أتخيل بسرعة صورا متدفقة في ذاكرتي، عن ذلك الرجل الذي كان يطل علينا من شاشة تلفزيون لبنان، ليكون المفتش أو الشرير، وصولا لبربر آغا، ذي الصوت الهادر، الذي كان يرعب الأطفال. وعندما كبرت قليلاً بتّ أراه في أدوار مسرحية رحبانية كثيرة وغيرها. لطالما عبّر لي وجهه عن القساوة والشر، والتصقت به هذه الصفات في كل أدواره تقريبا، حتى لعبت الصدفة دورا بارزا، ووجدت نفسي أتدبّر موعداً للقائه في مجال عملي الصحفي، ولا أدري لماذا خالجني شعور لذيذ للقاء ذلك »الشرير«. أحد أهم الشاهدين على عصر طفولتي وأيام جميلة مضت. قررت أن أذهب إليه لا كصحفية، بل كشابة من جيل مختلف عن جيله، حاملة إليه أسئلة تتعلق بنا، بهمومنا وبهموم البلد، بعيدا عن حصر المقابلة بشخصه فقط. خارج التمثيل، فاجأني بضحكته ووجهه البشوش، بدا أصغر وأحلى. قبل بداية حديثنا، تطرّقنا الى حديث عن الإنسان، هذا الموضوع الذي يوليه عناية تامة. وكان شرحه جميلا حين شرح لي كلمة إنسان من وجهة نظره، فهو يرى أنها كلمة بالمثنى أي »إنسانان« و»إنسان« تجمع الطيّب والشرير. الناقض والمنقوض، لنتطرّق لأدوار الشر التي حوصر بها، لكنه أخبرني بأن جميع من يقوم بأدوار الشر يتميزون بطيبة القلب، لكنهم يبدعون بما لا يملكون منه في شخصيتهم. وختم بأن الممثل »الشرير« ينفث عن غضبه وحنقه بالقتل والتخريب على المسرح فقط، دون أن يؤذي أحدا، ويا حبذا لو حذا حذوه جميع الأشرار في العالم، من الإنسان، لإعجابه بنص شميث الأخير بدأنا الحوار: أنطوان كرباج، أنا لم أجد الكثير عنك، وكل الحوارات السابقة تدور في الفلك نفسه. لذا أريدك اليوم، وبعيدا عن كل ما قرأت، أن تخبرني عن بداياتك، وعن هذا المناخ الثقافي الذي تهيأ لكم في فترة ال60 التي تتباهون فيها علينا، نحن الجيل الحالي، أحياناً. { من الحوادث التي تركت فيّ أثرا كبيرا، هو مرضي في عمر ال5، حين أصبت بالتيفوئيد، ولم يكن الطب متطورا آنذاك، فشخّص الطبيب حالتي بطريقة خاطئة، وأعطاني علاجاً أصابني بالشلل وضرب حواسي، حتى بت كفيفاً. وقال الأطباء بأني قد أبقى كفيفاً طوال عمري. لكنني استعدت عافيتي لحسن الحظ، لكن آثار المرض أثّرت على نظري. لذلك دخلت المدرسة في سن متأخرة. في عمر التاسعة، لم أكن أعرف ما هو المسرح، لكنني كنت أجمع بعض الأطفال لنقدم مشاهد بسيطة على شكل لعبة ليس إلا. مع دخولي للجامعة، كنت أحلم بأن أصبح طيارا، لكن نظرا لمشاكل عيني، اتجهت لدراسة التاريخ ونلت إجازة، علّمت بعدها هذه المادة. في فترة الدراسة الجامعية، كنت كأي شاب، طموح، مثالي، واحتفظت بحبي للعبة المسرح، حتى نويت القيام بفرقة طلاب لتقديم عمل سنوي على مسرح الجامعة، لكن الصدف لعبت بدورها في هذه المرحلة على يد صديق لي، الذي تحمس لفكرة المسرح وعرّفني على منير أبو دبس، ذلك الشاب الآتي من باريس يومذاك والذي كان يعمل تحت رعاية لجنة مهرجانات بعلبك، وتمّ هذا التعارف في العام 1962. كان منير يدير معهد المسرح الحديث، الذي انبثقت عنه فيما بعد فرقة »المسرح الحديث«. وبالمناسبة، أذكر موقفا مضحكا حصل معي في أول حضور لصف من صفوف منير أبو دبس، إذ دخلت ورأيت الجميع صامتا، متأملا وجالسا تحت بقعة ضوء كمعبد، فلم أتحمّل أكثر من 3 دقائق. وخرجت ضاحكاً على ما يقومون به. لكن بدافع الحشرية عدت والتحقت بالمعهد، لأكتشف حقيقة وأهمية هذه المادة، التي لم تكن تدرس في الحقل الثقافي، وبعد 12 يوم دراسة، اكتشفت أن مادة المسرح مادة تتطلب وعياً ودراسة وعملاً جدياً، فرميت كل ما أعرف خارجا، ودخلت مجردا من كل شيء، لأنكبّ على لعبتي القديمة، المسرح، التي بدأت شيئا فشيئا، احترف أصولها. في هذه الفترة كانت أسماء لامعة قد سبقتنا في هذا المجال كريمون جبارة وأنطوان ولطيفة ملتقى. أول ظهور لي على المسرح، كان في المغرب، لدى مشاركة فرقة »المسرح الحديث«، في مهرجان حوض البحر المتوسط، حيث قدمنا سهرة إغريقية (أوديب ملكاً وانتيغونا) وتوليت آنذاك عدة مسؤوليات ومهمات رئيسية في فرقة »المسرح الحديث«، وفي الوقت نفسه اختلف أنطوان ملتقى مع منير أبو دبس في وجهات النظر، وتفرقوا وشكل ملتقى فرقة »حلقة المسرح اللبناني«، لكن الأعمال توالت في فرقة »المسرح الحديث«، وشاركنا في مهرجانات جبيل حيث لعبت ماكبث، وبعدها بعام قدمنا »الذباب« لسارتر، وبعدها »هاملت« التي شاركنا فيها في مهرجانات بعلبك، وكنا أول فرقة مسرحية عربية تعرض في بعلبك. ومع هذا المناخ، عرفت بيروت الستينيات نوعاً من النهضة الثقافية، الفرق تنوّعت كفرقة »محترف بيروت للمسرح« مع روجيه عساف ونضال الأشقر، وفرقة »المسرح الحر« مع برج فازليان وريمون جبارة وأندريه جدع، بالإضافة الى فرقة أنطوان ولطيفة ملتقى وفرقة منير أبو دبس، جميع هذه الأسماء ساهمت بهذه الحركة، كنا مجموعة مجانين نحب الفن للفن، فنهضة الستينيات لم تولد إلا نتيجة تنافس وتفاعل بين جميع هذه الفرق، التي اختلفت في وجهات النظر وطرق الطرح، لكنها اجتمعت على تنشيط الحياة الثقافية. ولا أنسى هنا دور لجنة مهرجانات بعلبك التي كانت ترعى الأعمال والفرق المسرحية. هذه النهضة الفنية لم تقتصر على المسرح فقط، بل شملت جميع الميادين الفنية، كالشعر، حيث تأسست مجلة شعر على يد يوسف الخال والتي أحدثت ثورة في العالم العربي، ولا ننسى الأسماء اللامعة الأخرى كأدونيس وشوقي أبو شقرا، وعلى صعيد الموسيقى قامت النهضة على أيدي الرحابنة وزكي ناصيف، وصولاً للرقص وتألّقه مع جورجيت جبارة، وكركلا لاحقاً، وكما تلاحظين، بيروت الستينيات ضمن حركة فنية شاملة ومتكاملة. ومع نمو المسرح، بدأ الجمهور بالنمو تدريجيا. في البدء كنا نعرض ليومين، وكان الجمهور يقتصر على الأهل والأصدقاء، من دعوات فقط، لكن مع مطلع السبعينيات. أضحى للمسرح جمهور عريض من جميع شرائح المجتمع. الالتزام وسط هذه التجارب، لم تكن قد فكّرت بالاحتراف بعد، فكيف راودتك فكرة احتراف مهنة التمثيل؟ { في العام 1965، لعبت دور الملك في مسرحية »الملك يموت« ليوجين يونسيكو، هذا الدور كان بمثابة انطلاقتي الأولى في عالم التمثيل. فبعد ان تميزت في هذا الدور، قررت ان أمضي في هذا الدرب. لكن، في ال 67 وقعت النكسة في 5 حزيران. ومع الهزيمة تبدّلت في داخلي عدة أشياء، وكان اهمها انفصالي عن فرقة »المسرح الحديث« لمنير أبو دبس، وهذا عائد لعدة اسباب. أولاً، بعد هزيمة ال67، شعرت بأن الأرض تسحب من تحت أقدام العرب، وبأن الجميع يتناول هذه القضية المصيرية، بالنسبة لجيل كامل، بطريقة »تنظير بتنظير«، بعيداً عن الجدية والموضوعية، هنا شعرت بأن الممثل يجب ان يتفاعل مع الأحداث، وان يطرح جميع هذه القضايا على المسرح، وان يلتزم بقضية الإنسان عامة. فتكلمت مع منير أبو دبس بالموضوع، وطلبت منه ان نقدم على هذه الخطوة، وأن نبتعد عن اللغة الفصحى وأن نبدأ العمل بلغتنا المحكية (جميع المسرحيات في الفرقة كانت تقدّم باللغة الفصحى)، غير أن منير لم يوافق، فبالنسبة إليه، الممثل كائن خلاق، وتحيط به هالة من القدسية، وهو يقوم برسالته تحت شعار الفن للفن، فزادت الهوة بيني وبينه وانفصلنا أنا وصديقي ميشال نبعه عن فرقة »المسرح الحديث« عام 68، وكنا مقتنعين بصواب تركنا للفرقة، لأنني كنت واثقاً بأننا لا نستطيع ان نكمل العمل بالطريقة نفسها التي كانت عليها قبل هزيمة 67، فالمسرح لا يستطيع ان يدير ظهره للمشاكل، وقررت ان ابدأ بطرح اللغة الدارجة المحكية، التي تعبر عن همومنا وهواجسنا، لغتنا الحقيقية، فاللغة تطوَّع وتهذَّب. في تلك الفترة، كنا لا نملك كتّاباً للمسرح، فعملت على ضبط اللغة لنستطيع »مسرحة« النصوص، وكانت النتيجة، او الرد على كل من انتقدنا مسرحية »الديكتاتور« لعصام محفوظ، التي تكلمت عن قضايانا، ابتداء من هذا العمل، مشيت في خطّ الالتزام بالانسان وقضاياه. وبعد سنين من الأعمال والأحداث، استطيع ان أقول لك بأن الانسان العربي بحاجة الى إعادة تكوين، بكل صراحة، فمتى أُعيد تكوينه ستستقيم أمورنا الثقافية والاجتماعية، فالمشكلة تكمن في الإنسان وليس في الأنظمة، فمن جاء بالأنظمة؟ ومن انتخب الحكام؟ بالعودة لمسيرتي، بعد الديكتاتور، قمت بمسرحية »المهرّج« للماغوط. هذه المسرحية كانت ممنوعة في الشام، لما تحتويه من نقد قاسٍ للأنظمة والأحوال السائدة، فالتقيت الماغوط في الشام، واتفقنا على القيام بها في لبنان، وكانت إخراج يعقوب الشدراوي. قدّمنا »المهرّج« على مسرح بعلبك في القنطاري، هذا المسرح كانت تملكه لجنة مهرجانات بعلبك، وبما انها كانت الراعية الأولى للأعمال المسرحية، كانت تقدم المسرح، لكل فرقة، لمدة 5 اسابيع، للتمرين والعرض، ونظرا لتوفر المكان، كانت أعمالنا غزيرة ومتتالية، فبعد المهرج، قدمت أبو علي الأسمراني إخراج برج فازليان، وبعدها قدمت »المارسياز العربي« التي أثارت خضة كبيرة، من تأليف الماغوط وإخراج يعقوب الشدراوي، وأذكر أنني قدمتها ايضا على مسرح سينما أورلي، التي كان يملكها خالد العيتاني، رحمه الله، الذي أُعجب بالعرض وقدم لنا الصالة، وللعلم، أورلي كانت سينما مقفلة، افتتحناها بعد 24 ساعة فقط. لن أنسى هذه التجربة في حياتي، بالفعل كنا مجانين أنا ويعقوب الشدراوي، ذهبنا وقضينا نهارا كاملا، نصلح الخشبة، وندقّ المسامير، وقدمنا في اليوم التالي، لكن يوم عرض المسرحية تزامن مع تاريخ مشؤوم، حادثة عين الرمانة، الأحد 13 نيسان، فتوقف العرض وبدأت الحرب ومتاهاتها. وبعد ان كنا »أنجق مبلشين« جاءت الحرب وقصفت الحركة المسرحية، ومنذ ذلك التاريخ، حتى اليوم »ما عاد شي ضابط بالمسرح«، واللي راح راح، لن يعود ولن نقدر على استرجاع ما سلبتنا إياه الحرب. فهذا المناخ الثقافي والصحي في بيروت الستينات. لن يعود إلا إذا تشكلت فرق من شباب متحمس ومجنون، كهؤلاء الذين ساهموا في نهضة ال 60. لا بد لنا الآن ان نتطرق الى تجربتك الغنية مع المسرح الرحباني، وهل تظن بأن المسرح الرحباني يضع الممثل في قالب معين، ليلتصق به الى الأبد؟ { لقائي الأول مع الرحابنة يعود لعام ال1968، مع مسرحية »الشخص«. أعتقد بأن هذا التقارب الذي حصل بيني وبين الرحابنة، عائد بأننا أولاد منطقة واحدة، تربّينا في محيط وبيئة واحدة، فنحن »ولاد ضيع« وإبن الضيعة يظل متعلقا بتقاليده وعاداته. وهذا واضح في جميع أعمالهم. من هنا حصل تفاهم كبير بيننا، وكرّت الأعمال معهم. استطاع الرحابنة ان يخلقوا عالماً مختلفاً في المسرح. بالنسبة لوضع الممثل في قالب، فأنا لا أوافق على هذا الكلام، لأن عاصي عندما كان يكتب دوراً، يكون مسبقاً، قد رأى الممثل الذي سيؤدي هذا الدور، فكان يكتب لأشخاص، ويفصّل الأدوار على قياس الممثلين، والدليل نجاح نصري شمس الدين مع الرحابنة وتألقه. فالعمل الرحباني عمل متكامل، كل فرد فيه له دوره المناسب، فهو مسرح غنائي بالدرجة الأولى، وعندما نقرأ النص نحن كممثلين، في المرحلة الأولى من العمل، نشعر بأنه ناقص بعض الشيء، لأن النص الرحباني دون المقاطع الموسيقية، يبقى ناقصا، وحالما ترى العمل مع عبقرية عاصي الموسيقية، يتحوّل الى لوحة متكاملة. هذا هو المسرح الرحباني، أما الممثل الذي لا يستطيع او يتوصل لتنويع أدائه، بعد عمله بالمسرح الرحباني، فيكون غبياً، ولا علاقة للرحابنة بهذا الأمر. الممثل الجيد هو من يكسر القالب ويستطيع التميّز والتفرد، مع الرحابنة وخارج الرحابنة. لنتكلم قليلاً عن نصّ شميت الأخير، وأزمة النصوص حالياً. { ما شدّني الى مسرحية »سيمفونية الألغاز«، هو النص الرائع الذي عرف شميت كيف يعالج النفس الإنسانية والإنسان عموماً، من خلاله وكيف يبني مسرحية. في النص يوجد نوع من الهندسة المسرحية النادرة. بالنسبة لأزمة النصوص، إعلمي ان المسرح دخيل على حضارتنا. نحن العرب مشهورون بالشعر وبالقصص الملحمية كعنتر والزير سالم، العرب خلقوا مواضيع السير والحكايات المبنية على الأذن وليس على العين. في مسرحنا يوجد أدب مسرحي مهمّ، لكن لا يوجد مسرحيات مهمة. فنحن لا نملك ثقافة مسرحية عريقة إذا ما قسنا تجربتنا بتجربة الغرب فالمسرح عندنا بدأ منذ 150 سنة، قياساً ب 2500 سنة من ولادة المسرح العالمي، لذا لا زالت أمامنا خطوات عديدة على صعيد الكتابة. لا أنكر بأن هنالك اليوم، مواضيع تعالج عدة قضايا في مجتمعنا، لكننا وللأسف لم نصل للمسرح الخالد الذي يتناول فعليا الانسان وجوهره وأحاسيسه، ذلك الذي يتطبّق في كل زمان ومكان، فحتى اليوم، لا تزال مسرحية »أوديب« مثال التراجيديا، أنا لا أنتقص من قيمة الكتّاب. فهنالك أسماء لامعة، لكن الكتابة يجب ان تدخل في جينات الكاتب وتسكنه لولادة مسرحيات خالدة. آثارنا وأخيراً، هل توافق مع من يقول ان هناك من يحاول محو ذاكرة بيروت؟ وماذا الذي لا تزال محتفظاً به من بيروت القديمة؟ { نعم لقد مسحوا ذاكرة بيروت! بيروت حلوة »مثل ما كانت بالماضي«. وقد اكون متعلقا بها اكثر من غيري، لانني اعرف عنها الكثير، فأنا أساساً تخصصت في التاريخ، وعلمت كم نملك ثروات في تاريخنا، لكننا لم نقدرها. كنا كالولد الصغير الذي يملك كل الألعاب حوله، لكن عينه على ألعاب صديقه، لنحسد من يملك المادة، كقولنا ان أهل الصحراء يملكون نعمة لا تحصى، وهي نعمة البترول التي منّ بها الله عليهم، بينما للحقيقة، نحن نملك ثروة اهم، وهي تاريخنا. فالبترول قد يأتي يوم وينتهي ويجف من الأرض، لكن التاريخ لا ينتهي، لا ينضب، لكن »شو عملنا فيه؟«، دمّرناه وتناسيناه ولم نقدره حق تقديره، والنتيجة اننا لم نحرص على الحفاظ عليه، وجاءت الحرب لتقضي على ما تبقى منه. لكن للحرب حسنة واحدة باعتقادي: وهي اكتشافنا لبعض الآثارات من بيروت التي طمرت عدة مرات تحت الماء، فأنا اذكر الورشة التي قامت بالاسواق، بعد الحرب مباشرة، حين ظهرت كنوز بيروت وطفا تاريخها على السطح، لكن الدولة لم تأبه لكل هذا، وهذا غير مقبول. يخبروننا عن ارتفاع العجز، وان الدّين بات كبيراً، هذا عائد الى اننا لم نعلم كيفية الاستفادة من عراقة تاريخنا، فلو فكروا قليلاً، بفتح بيروت مدينة اثرية، كم كانت ستدخل للدولة سنويا؟ فلماذا تحولت الى مقاه وحانات؟ وهنا يستحضرني احد الوزراء الانكليز، الذي بعد زيارته لبعلبك قال الجملة الشهيرة: »لو كنا نملك هياكل بعلبك في انكلترا، لكنا أعفينا الشعب الانكليزي من دفع الضرائب!«. كل العالم يحسدنا على ما نملك، ونحن غافلون. اذكر، ايام الحفريات والورش التي أُقيمت بعد الحرب، وجد علماء الآثار، اثناء عمليات التنقيب، آثاراً لاول إنسان بدأ يمشي على قدميه، لكن سرعان ما »ضبضبت« القصة وطمست المعلومات، حتى أن الكثير لم يسمع بهذه الأخبار، لماذا؟ ولماذا يريدون طمس تاريخنا؟ فنحن نملك على ارضنا تاريخ البشرية منذ مليون سنة. فلو كان الغرب يملك هذا التراث، لقدره حق تقديره، هذا عدا عن آثارنا المسروقة، والتي تعرض اليوم في متاحف عالمية، فهذا مخزّ، أناس يمحون تاريخنا ويسرقونه ويتاجرون به. في احدى المرات، كنت في اليونان، وقمت بزيارة الاولمبيا، في صفة سياحية، والايبودورو، كلها آثار يونانية، عرفت الدولة كيف تستغلها وتفتحها اماكن سياحية، فبدأت بالدردشة مع المرشدة السياحية، بحكم دراستي للتاريخ، فشعرت بأني اعرف الكثير، وبدأت بالتفاخر بآثار بلادها، وسألتني عن بلدي، فقلت لها أنا من لبنان، وكل ما تملكونه لا يساوي نصف ما نملك من ثروات، فتعجّبت لقولي، لكنني شرحت لها بأن كل ما يملكونه من آثار »يوناني بيوناني«، اما نحن فنملك بصمات الشعوب السالفة كلها. تأكيداً لأقوالي أعطيتها عنواني وطلبت منها زيارة لبنان، لكي اجول معها بين ثروتنا وتاريخنا. هذا هو لبنان، بلدنا، فخرنا وعزنا، وللاسف، نباهي به في الخارج فقط، أما على ارضه فندوس على كل هذا وننشغل في الامور التافهة. أنا اليوم لا احب زيارة الDown town. بت لا اعرف صورة بيروت هناك، لكن كل ما تبقى لي من مدينتي الحبيبة، هو عندما اقف امام مبنى »الفيرجين«، حيث كان مبنى سينما الاوبرا، لترتسم امامي صورة بيروت، بيروت »متل ما كانت«، بيروت التي لن يستطيع احد ان يسرقها من مخيلتي. هذا الحديث يحدث غصة في قلبي، خصوصا عندما أرى كل الجرائم التي اقترفناها في تاريخنا اشعر بعيب كبير. »لقد فتحت لي جروحاتي«. وعلى وقع هذه الجملة، تركت انطوان كرباج، في لحظات تأمل بينه وبين نفسه، قبل ان يقوم لوداعي. خرجت مسرورة بعد هذا اللقاء، اولاً، لأنني تقربت من رجل كانت تفصلني عنه مسافات كبيرة، رجل عاش حياته كما يحلو له، واستطاع ان يجن ويبني أحلامه، وثانيا، لانه استطاع، بكل تواضع ان يحتضن اسئلتي فتحوّل اللقاء الى موعد لم اعدّ له سلفا، بل الى لقاء مقدّر، على خشبة مسرح، لاجلس وجها لوجه مع انطوان كرباج العفوي، الجميل، الساخط والغاضب، الذي فتح لي قلبه، وحملّني اوجاعه ومخاوفه، دون ان يصوّر لي عالماً مثالياً، كما يسعى بعض الفنانين الى اقناعنا بأننا نعيشه ونمارسه. قبل لقائي به، وأثناء قراءتي عنه، استوقفتني جملة قالها مرة بأنه لا يهتمّ بجمع ارشيفه، استغربت لهذا وقرّرت أن اطرح عليه هذا السؤال لأعلم السبب، لكن لقاءنا سرقنا من عدة اشياء مسبقة، ومرّ الوقت ولم اسأله، لكنني وجدت إجابة لنفسي، وكنت متأكدة بعد سماعه، بأن انطوان كرباج يشبه آثار بيروت التي يعشقها، غير ظاهرة، وغير منشورة للعلن، لكن قيمتها محفوظة فيها، فمع كل لقاء مع هؤلاء »الكبار« لن نستطيع ان نحصر احدهم بارشيف واحد، بل انطوان كرباج ينتمي لجيل الرواد، الذي لا زال يتجدد باستمرار، وارشيفه لا ينفك يزداد مع كل مرحلة من مراحل تقدم العمر، فهو صحيح بدأ منذ الستينيات، لكن من الباكر ان نحصره داخل ارشيف، وهو الذي رفض فكرة وضع الممثل في قالب، لانه لا زال يجرّب ويختبر، لعله يضع بنفسه ارشيفه كما يحلو له.