لطالما شعر جبران تويني بانه »مشروع شهيد«. لعله كان يُسرع الخطى نحو حتفه. هو، كما يردّد دائماً، مجنون في المهنة والسياسة. ينفعل. يندفع. يتطرّف. يتراجع و»لماذا لا«؟ يسأل السؤال، ويجيب »نعم أخطأت كثيراً في حياتي.. وأسدّد الفاتورة وحدي وأعضّ على جراحي«. لا لن يعضّ جبران تويني على جرحه. تبدو قصة عائلة تويني الارثوذكسية اللبنانية معتقة بالتراجيديا اليونانية. ليس هرباً من السياسة ان نذهب نحو العائلة، ولكن من اجل مقاربة جرح من سيسدّد هذه الفاتورة الغالية جداً. »والد الشهيد«. غسان تويني. هذا الرجل المجلّل بالحيرة والحكمة، صار جزءاً من التراجيديا، لا بل في صلبها. تتماهى سيرة الابن مع سيرة الاب: خسر غسان تويني والده جبران تويني شاباً. مات جبران الجدّ وهو يلقي خطاباً في سانتياغو في العام 1947. في العام التالي تسلم غسان رئاسة تحرير »النهار«، متأثراً بثلاثة جاءوا من آفاق متباعدة ساهموا في رسم شخصيته وتلوينها: تعلّم من والده »كل شيء«، ومن شارل مالك »الفلسفة«، ومن انطون سعادة »الايمان بالعقيدة... وأمثولة الاستشهاد«. تزوّج غسان من ناديا حمادة ابنة السفير محمد علي حمادة في العام 1954 ورزقا بثلاثة اولاد، نايلة كانت باكورتهم ولكن الفرحة لم تكتمل. اجتاحها مرض عضال في عامها السابع (19621955)، وبعد ثلاث سنوات أُصيبت الام بداء السرطان وبدأت رحلة آلام ومعاناة ومكابدة طويلة مع المرض بين بيروت وباريس، ربما أعطتها قوة توكيد للذات والحياة، فإذا بها تغرّد شاعرة في فضاء الفرنكوفونية واللبنانية والعروبة حتى لحظة وفاتها في العام 1983. تزنّر غسان تويني واولاده بالصبر ولم تكد تمض سنوات قليلة، حتى فُجعت العائلة بحادث مأساوي كبير: وفاة مكرم الابن الثاني لغسان تويني في حادث سير مروّع في العاصمة الفرنسية. حصل ذلك في العام 1987 ولبنان يحترق بالنار من اقصى الشمال الى اقصى الجنوب مروراً بالعاصمة بيروت والجبل والبقاع. هذه أسطر قليلة من سيرة غسان تويني. من بعدها يصبح التعريف بجبران تويني منطقياً أكثر. ولد جبران تويني في الخامس عشر من ايلول 1957 في محلة الاشرفية في بيروت. يمثل الجيل الثالث في »النهار«. نال جبران تويني إجازة من المعهد العالي للصحافة في باريس ومن ثم من معهد الدراسات الدولية العليا في العاصمة الفرنسية ايضا في العام 1980. عندما اندلعت الحرب اللبنانية في العام 1975، كان جبران قد بدأ العمل متدرجاً على يد مدير التحرير فرنسوا عقل وعندما اسس والده اسبوعية »النهار العربي والدولي« (الملحق) في العام 1978، انتقل للعمل فيه تحت اشراف رئيس التحرير كلوفيس مقصود وخاله مروان حمادة، وفي التاريخ نفسه، عيّن الرئيس الياس سركيس غسان تويني سفيراً في الامم المتحدة ليضيف »سعادة السفير« الى القاب متعددة بينها أكثر من مرة »صاحب المعالي« و»سيادة النائب«. في العام 1982، عُرف عنه حماسه الشديد للرئيس الراحل بشير الجميل وايمانه الكبير بشعار ال»10452 كلم2«. سقط بشير، فأعلن جبران تويني ولاءه لإيلي حبيقة على رأس »القوات اللبنانية«. جاء ايلي حبيقة الى رأس الهرم القواتي بفعل تواطؤ حصل بين مجموعة المتضرّرين من الرئيس امين الجميل. لم يكن جبران تويني يساير في قناعاته أقرّ بالمقربين اليه ولا سيما والده غسان الذي كان في ذلك الوقت قد عمل مستشاراً لأمين الجميل لأشهر قليلة. اقترب ايلي حبيقة من دمشق في زمن »الاتفاق الثلاثي«، فابتعد عنه جبران تويني، بعد أحداث الخامس عشر من كانون الثاني 1986 الدموية، واعلن انضواءه تحت راية سمير جعجع الآتي من بشري للانقلاب على القيادات التاريخية في الكتائب، خاصة بعد تجربة »حرب الجبل« المرّة في العام 1983. بقي جبران تويني موالياً لسمير جعجع طيلة ثلاث سنوات تقريباً، كان خلالها قد اصبح عضواً في »الجبهة اللبنانية« واستمر في ذلك حتى العام 1989, تاريخ اندلاع الخلاف بينه وبين »القوات اللبنانية«. فمع انتقال زمام السلطة الى ميشال عون، وبروز خلاف بين عون وجعجع على خلفية اقتراب الثاني من السوريين والمبادرة العربية لإنهاء الحرب الاهلية، قرر جبران تويني الانحياز الى »الجنرال« وكان من أبرز مؤيدي »حرب التحرير« التي اعلنها العماد ميشال عون ضد سوريا في الرابع عشر من آذار 1989. لم يكتفِ بالتأييد والمشاركة في اعتصامات »بيت الشعب« في بعبدا، بل بادر الى انشاء »حركة دعم التحرير« وطرحت امامها سلسلة مهمات ابرزها »دعم الجيش اللبناني في معركة تحرير لبنان من الغرباء وفي مقدمتهم الجيش السوري«. ومع اقتراب موعد ولادة تسوية الطائف التاريخية، بادر جبران تويني الى تنظيم اعتصام حول مقر السفارة الأميركية في عوكر، وذلك بعيد إعلان النواب اللبنانيين في مدينة الطائف السعودية، التوصل الى اتفاق سياسي وأمني برعاية عربية ودولية. وسرعان ما رد الاميركيون على قرار الاعتصام المفتوح أمام السفارة في عوكر بإعلان إجلاء رعاياهم العاملين في السفارة »خوفاً من أي تهديد لسلامتهم« كما جاء في بيان الخارجية الأميركية وقتذاك. وكما وقف جبران تويني مع ميشال عون في معركته »ضد الغريب السوري«، انحاز الى »الجنرال« في معركة او حرب الالغاء المفتوحة بوجه سمير جعجع و»قواته اللبنانية« واعلن في مطلع العام 1990 عن تأسيس »جبهة لبنانية« جديدة، وتمّ انتخابه اميناً عاماً للجبهة لمدة سنتين وطرحت امامها سلسلة مهمات ابرزها مواجهة اتفاق الطائف و»اللاشرعية اللبنانية« المتمثلة بالياس الهراوي وحكومة الطائف الاولى برئاسة الرئيس الدكتور سليم الحص. بقيت »الجبهة اللبنانية الجديدة« اسماً على غير مسمّى وأُطيح بالعماد ميشال عون من قصر بعبدا وكان مصيره النفي الى باريس، وفي هذه المرحلة التي تكرّست فيها رعاية سوريا للتسوية الداخلية في لبنان، اقام جبران تويني فترة من الوقت في العاصمة الباريسية، قبل ان تثمر وساطات المقرّبين من دمشق تسهيلاً لعودته حيث انخرط في إدارة مؤسسة »النهار«، وأصبح مديرها العام (19991993) ومديرا عاما لمجلة »نون« النسائية الشهرية باللغة الفرنسية (1997 2002)، ثم رئيساً لمجلس الإدارة، المدير العام لمؤسسة »النهار« منذ شهر كانون الثاني 2000 حتى تاريخ استشهاده. حاول كثيرون من أقاربه فتح ابواب دمشق أمامه، ولكنه كان يبتعد سريعاً. مع ولادة لقاء »قرنة شهوان« في العام 2001، انخرط جبران تويني فيه وكان احد اركان امانة السر ومقرّباً من رئيس »القرنة« المطران يوسف بشارة، وعندما سئل في يوم من الايام عن »سر تقلباته السياسية«، أجاب بصراحته المعهودة: »كنت صديقاً ل»القوات« في عهد بشير الجميل. عندما ذهب ايلي حبيقة الى »الاتفاق الثلاثي« اختلفت معه وتركته. لو سرت معه كنت كمن يخون نفسه. الامر ذاته تكرر مع سمير جعجع. سرت معه فترة من الزمن ثم اعتبرت ان الخيار الذي اختاره ليس الخيار الذي أصبو اليه... »حرب التحرير« الفعلية التي أعلنها العماد عون في العام 1989 اعتبرتها الثورة الفعلية لتحرير لبنان. لاحقاً اختلفت وجهة نظري مع العماد عون وانتهى الامر. بكل صراحة انا لم اقسم اليمين مع أحد«. اعلن جبران تويني ترشيحه للمقعد الارثوذكسي في المتن الشمالي، بعد شغور مقعد النائب الراحل ألبير مخيبر في ايار 2002. بعد فترة وجيزة اعلن سحب ترشيحه وانخرط في المعركة الانتخابية لمصلحة مرشح المعارضة غبريال المر. صار جبران جزءاً من نزاع سياسي كان طرفا الصراع فيه عمه السابق ميشال المر وشقيقه غبريال (تزوّج جبران في نهاية السبعينات من ميرنا ابنة النائب والوزير السابق ميشال المر وتطلقا لاحقاً ولهما ابنتان: ميشال ونايلة). تزوّج جبران للمرة الثانية من سهام بيار عسيلي في 20 تموز 2002 ولهما ابنتان توأمان عمرهما حوالى الشهر (غابريلا وناديا). انخرط جبران تويني في لقاء البريستول منذ ولادته في اعقاب التمديد لاميل لحود في ايلول 2004، وغداة استشهاد الرئيس رفيق الحريري أصبح عضواً في لقاء المعارضة، وأعلن في خطاب امام المشاركين في مسيرة الرابع عشر من آذار 2005 قسمه الشهير، ودعا المحتشدين في ساحة الشهداء لأن يعيدوا وراءه القسم الجديد: »نقسم بالله العظيم، مسلمين ومسيحيين، أن نبقى موحّدين، إلى أبد الآبدين، دفاعاً عن لبنان العظيم، عشتم وعاش لبنان«. وقبيل إعلان القسم قال تويني: »نريد الحقيقة، نريد السيادة الحقيقية، نريد الاستقلال، كل الاستقلال بلا مخابرات وعسكر وبلا سلطة تحت الوصاية. أتيتم لتقولوا لكل الأجهزة وكل من أراد أن يقسمكم أنكم شعب واحد موحد لن ينقسم، فلن يكون هناك حرب أهلية بعد اليوم في لبنان«. قرر جبران تويني الترشح عن المقعد الأرثوذكسي في دائرة بيروت الأولى في دورة العام 2005 على لائحة »تيار المستقبل« ونال 30591 صوتاً وأصبح مقرباً من رئيس كتلة المستقبل النيابية النائب سعد الحريري. عرفت عنه معارضته للتدخل السوري في لبنان، واعلن في نهاية آب الماضي انه تلقى معلومات دقيقة من لجنة التحقيق الدولية في قضية اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري بأن اسمه مدرج على لائحة الاغتيال، وكان قد مرّ على اغتيال الزميل الشهيد سمير قصير حوالى الشهرين. وقرر بعد ذلك تمضية معظم وقته في باريس برفقة زوجته وأحياناً ابنتيه نايلة وميشال. لطالما اتهم جبران تويني من الأقربين والأبعدين بأنه متهور سياسي بامتياز، وكان يجيب: »يقولون إنني متهور ولا أجيد التصرّف الدبلوماسي، أنا أقول إنني أعرف أن طريق الوزارة وطريق النيابة بدمشق. هذا أعرفه لكنني لا أريده والناس لا تصدّق أنني لا أريد هذه الأشياء«. اختلف جبران تويني مع »الجنرال« العائد من المنفى الباريسي، علماً أنه الوحيد الذي كان بين مستقبليه في مطار بيروت ثم في ساحة الشهداء وقال في مقابلة مع الزميلة »النهار« في السابع عشر من ايار الماضي إن المطلوب من ميشال عون »التروّي والنظر في تحالفاته؛ لأنه لا يجوز أن يتحالف مع من تآمر على الوطن وسلمه وباعه لسوريا ومخابراتها«. تحدّى جبران تويني نصائح كثيرين له بالبقاء في فرنسا وقرر العودة مؤخراً الى بيروت، الا انه قطع عودته بالسفر الى باريس الاسبوع الماضي حيث شارك مع عائلته في احتفال منح وسام جوقة الشرف الفرنسي برتبة ضابط إلى والده غسان تويني. قرّر مساء يوم السبت الماضي زيارة الزميلة مي شدياق حيث تخضع لعلاج في إحدى المستشفيات الفرنسية وذلك برفقة زوجته والزميل علي حمادة وهناك تبادلا الكثير من الاخبار، وقالت له مي شدياق »لقد تأخّروا. مضى شهران ولم يسقط شهداء جدد«. ضحك جبران ومضى عائداً الى بيروت في مساء اليوم التالي ولم يكن يدري أن اسمه مدرج على رأس اللائحة وهناك من يرصده بدقة. »أنا متمرّد والصحافة قد تكلفني حياتي.. أنا مجنون صحافي« هذه العبارة لطالما ردّدها جبران تويني. غريب أمر هذه الصدفة. تنبّأ له ميشال حايك بالموت علناً وفي المجالس الخاصة. صباح أمس وبينما كانت سيارته المصفّحة تطارد رائحة الاغتيال، انفجرت عبوة حاقدة أصابت منه مقتلاً مع اثنين من مرافقيه. مجدداً، تتسلّل التراجيديا اليونانية إلى حياة الارثوذكسي المعتق غسان تويني. الوالد ندر ان يكتب عن ابنه ولكنه فعلها بالأمس للمرّة الأولى. قال غسان تويني في افتتاحية الزميلة »النهار« أمس عن ابنه جبران: »أظل خائفاً أن ينحرف عن الطريق السويّ«. لم ينحرف جبران تويني عن الطريق السويّ. غيره هو من انحرف. نعم غيره ينحرف وجنازة الصحافي هي جنازة لكل الصحافيين.