بداية، أنا أنمى الى بلدة بنت جبيل، البلدة الوحيدة الشيعية بكامل سكانها من بين مراكز الأقضية في لبنان. كان أبي، ربّ الأسرة، ككل الآباء في عيون أبنائهم، واحداً بلا أنداد. وأمي ليست ككل الأمهات، كانت أيقونة ألم ودموع. وأنا فرد من خمسة أبناء وثلاث بنات. أو أنا فرد من عشرة أنفار، إذا انجمعنا مع الوالدين. زراعة التبغ كانت »علّة معاش« الأسرة، حسب إصرار الوالد في توصيفه زراعة التبغ. والى الآن لا أعلم معنى كلمة علّة: أهي سبب أم مرض، ينطبق الوجهان على ما أفترض. البكر في الأسرة كان من حصة البنات. ونائب البكر، أو بالأصح وصيفه، أي أنا، من حصة الأبناء، كما ترون. ولكن هذه النيابة أو الوصافة، لم تحرمني من أن أُعتبَر أول سراج أضاء في البيت، كما تقول الوالدة وجاراتها. فمع أنهن نساء، فإنهن لم يُقمن للبنت البكر نصاب الإضاءة والتنوير، مع أنها كانت جديرةً بحمل اسمها »أمل«. وكانت وما زالت على ما يؤمل منها، وهو، دائما، كثير. ومع أنني شرّفت أمي بأجمل اسم لها، أم منذر، فإنها الآن ترى أنها تفوز ببركة أكبر لو ناديناها بالحاجة فقط. أما الأب محمود جابر، فقد صار بعد ولادتي، يعرف ب»أبو منذر«، وعلى هذا الاسم بالكامل توفي لتسع سنوات خلت. لم يعرف لقب الحاج لأنه لم يسعَ إليه. خطفت تسميتي أسماء وأشياء كثيرة. فالبيت صار بيت »أبو منذر«، والإخوة صاروا، مع أسمائهم، ابن »أبو منذر« الأوسط أو الأصغر، أو الأصغر من الأصغر. وكذلك البنات، فقد تراصفن ما بين كبرى ووسطى وصغرى لبيت »أبو منذر«. كذلك غطّت التسمية أملاكنا من أراض موزعة في نواح من البلدة. والتسمية عينها لم ينجُ منها حمار لنا، إذا كان في مهمة أو حالة تقتضي التعريف به. حمار بيت »أبو منذر«. كل أفراد الأسرة متزوجون. ثلاثة من الإخوة والأخوات انتهت زيجاتهم بالطلاق. والإخوة الباقون ما زالوا مطوقين بالزواج. أما أنا فزواجي، ويا للأسف، عالق الى أقرب الأجلين. أقول للأسف، لأنني غير واثق من أن تكون الجنة من نصيبي، كما هي بالتأكيد من نصيب زوجتي. أطرح هذا التقديم كمقبلات مريئة، يلَذ لصاحبها دوماً أن يديرَها على لسانه مفاخراً، حين يشاء. فما هو إذن وجه الكرَب، أو الظُلامة، الذي أجهدني وأمضّني وأنا أكتب في هذه السيرة؟ وما هي درجة اللجلجة والاضطراب، أي الظلالة، التي دفعتني لأن أدّعي أنها غير ذاتية؟ ولا أكتم هنا أن الشعور المسبق بهذه الظُلامة وتلك الظلالة، مجتمعتين، حبّب إلي، بل أوجب علي، الإذعان الى طلب السيدة »صابرينا«، الكتابة في موضوع (لبنان: سبل التلاقي). ثمّ إن الكتابة في موضوع الأسرة والروافد التي التقت في تنشئتها، تجعلني كأني أحك جلدي بأظافر الآخرين. لن أقف عند هذه السيرة ناقداً أو مقيّماً. فالمهمة هنا عرض وتعريف ليس غير. ولا أزعم حتى التأريخ لأسرة جنوبية، كان لها أنصبةٌ وروافدُ عديدة تلاقت في تشكلّها وتوصيفها. كان التلاقي الأول: في كون الوالدة من خارج بنت جبيل. من بلدة عيترون المجاورة وهي بلدة زراعية فلاحية بامتياز. وبنت جبيل على النقيض من ذلك، بلدة تجارية حرفية من بابٍ أول. وأهالي بنت جبيل، الى ذلك هم أهالي سرايا، وموقفهم من أهل القرايا يتبدى أولاً في السخرية من ثياب هؤلاء ولهجتهم. ففي الثياب مثلاً يسخرون من البنطلون الكشكش، الذي يطول مرفرفاً ويطل من تحت الفستان حتى القدمين، خاصة أن الشنتيان، الكيلوت، كان قد أصاب، وحيداً، من سيقان نساء بنت جبيل، بمرحلة أسبق كثيراً، من بلوغه سيقان نساء القرى المجاورة. وتطل هذه السخرية كذلك، غالباً في مواسم الانتخابات، خاصة أن هوى عائلة أمي كان أسعديا، يخالف هوى عائلتنا الكبرى وحيناً في بنت جبيل. كنت أجتنب المشاكل مع أقراني، كي لا أسمع أقذع شتيمة لي ابن العيثرونية (نسبة لبلدة أمي عيثرون). كذلك كانت أمي تختفي وتغيب، حتى من أمام المنزل، في موسم الانتخابات. ولكن ذلك لم يمنع مرّة جارة لنا من أن تقف ومن دون سبب مباشر وتنادي: »يا ناصر الستة على الستين ما تنصر الكشاكش على الشناتين«. التلاقي الثاني، وهو التلاقي الأساسي والحاسم في مصير الأسرة. أعني به تعرّف الوالد على الشيوعية وتقبلّها »كدين« جديد. يرفض الوالد أن يعترف بمصدر »شيوعيته«، يرفض ذلك بادعاء نسيان من أوصله الى ذلك، أو من أوصل ذلك إليه. ولا أستبعد أن يكون ذلك قد تم عن طريق يهود من فلسطين. المهم أن أخذه بهذا الفكر دفعه، وهو من متنوري البلدة، لأن يتقرب أكثر من أجواء الأدب وحلقاته في البلدة، التي كانت ترى في مجلة العرفان منهجاً وطريقاً. »فالعرفان« التي رأت (أو الذي رأى، إذ يذكّرها رجال تلك المرحلة، عكس تأنيثنا لها نحن) ومن أعدادها الأولى، في حرية الرأي والكلمة والاجتماع، العامل الأول للحاق بالمدينة والحياة والتطور، كانت صلة التعارف بين علماء وأدباء العراق وجبل عامل وبين علماء وأدباء سائر الأقطار. ومع أن انفتاح العرفان هذا، يقود في آخر الأمر، الى استقطاب أهلي ومحلي، إلا أنه عند متمركسي تلك المرحلة، كان يقود الى انفتاح أوسع وأوسع، وكان يزين لهم مرجعيات وقيادات جديدة خارج حدود ومكان الاجتماع المحلي، لا بل خارج حدود الدين وأحكامه. فالعلم مثلاً أصبح العلوم البحتة وحسب، والشعر أصبح هذراً ومضيعة وقت. وفي الدين صارت الرياضة تغني عن السجود والركوع في الصلاة. والنظافة تغني عن الوضوء. والنجاسة هي وجود الجراثيم، وبالتالي فالمطهرات، ليس سواها، تعني الطهارة. هوية شخصية صاغ الوالد من اعتناقه الشيوعية تاريخاً وهوية شخصية، بكل ما تعنيه كلمة هوية شخصية من سلوكيات وقيم وتعامل. وهو ما كان يتطلع ويصبو لأن تكون عليه هوية أولاده وتاريخهم الخاص في مقتبل أيامهم. هذا في الوقت الذي كان فيه أغلب الانتساب الحزبي، سلّماً لاستقواء عائلي في موازين العلاقات العائلية، أو سلّماً لارتقاء ذاتي داخل الهرمية العائلية، أو كان يستدرج الانتماء العائلي في سبيل الوصول الى تراتبية حزبية أعلى، حتى بات الانتماء العائلي هوية قريبة من الانتساب الحزبي. ونستدرك هنا لنلفت إلى أن ابتعاد الأسرة عن عائلتها الكبيرة في البلدة، كان يعني عند الوالد تضامّ أولاده وتماسكهم. ففي ذلك ضمانة واقعٍ راهن وضمانة مستقبلٍ آت. فأول ما حوّله الوالد بيننا، كبيرنا وصغيرنا، كان الصياغة الشعرية الشهيرة لأمثولة الأعرابي لبنيه: كونوا جميعاً يابَنيّ اذا اعترى خطب ولا تتفرقوا آحادا تأبى السهام إذا اجتمعن تكسراً وإذا افترقن تكسرت أفرادا وكان تمثيل ذلك جاهزا وبسيطا. فقد استبدلت السهام بما نزرع من شتلات التبغ، فلطالما أُحضِرَت ثمانية منها على عددنا، وكان ما يكون من عجز عن كسرها مجتمعة، ومن ظفر عليها منفردة. وكان الوالد يخاطب الواحد منا عندما يأتي دوره في المحاولة: »كونوا جميعا« يا بُني (... أي في صيغة المفرد)، ثم يخاطبنا جميعاً بعد المحاولة، بصيغة الجميع: »كونوا جميعاً يا بَني...«. ومع التصاقه بالشيوعية، الوالد ظل بعيداً عن الالتزام التنظيمي بالحزب الشيوعي، إذ لم يكن عنده من شغف بالرتب أو من قبول المراتب، أو من تقبل للطاعة الحزبية ونواهيها وأوامرها. والحق أن حمل هذه »البضاعة« الحزبية والثقافية الجديدة، لم يكن وكالةً حصرية برب أسرتنا فقط، فهنالك آباء عديدون، كانوا أصحاب أدوار من هذا القبيل، وقد وقعوا على رصيد وعلاقات تلتقي عندها العديد من هذه المؤثرات الثقافية. ولكن بعض فرادة الوالد هنا، كانت في تشرّبه لتلك المؤثرات، معالم هداية وسلوكٍ ونمط معيشة وتصرف، ما جعله يرى الى نفسه طرفاً في قضايا كثيرة، كبيرة منها أو صغيرة، حتى ولو كانت بعيدة عن محلته وملّته. فعلى سبيل المثال عندما توفي جبران خليل جبران، طلب الوالد من أصدقائه ومحيطه في بنت جبيل، الشيعية في أقصى الجنوب اللبناني، ضرورة نزع العقال عن كوفية الرأس علامة حزن، أي طلب منهم أن يهدوا عُقلهم حسب التعبير المعروف، ويحزنوا على جبران ابن بلدة بشري المارونية في أقصى الشمال، كما يحزنون على وفاة أي عزيز غالٍ في بلدتهم وملّتهم. كان ذلك عام 1931. وقد أقدم هو على ذلك ونزع عقاله عن كوفيته. كان جبران في هيئته البنتجبيلية يتسامى إبداعاً إلهياً، ينشر في الأرض محبة الفقراء. كان انتفاضاً على الإقطاع القبيح، وطعناً في الكنيسة، إن لم نقل لعناً لها. وبالمناسبة كان هذا الحدث مجلبة للنوادر معي لاحقاً، بعد عشرات السنين. كان واحد من زملائي في صف البروفيه، ممن عرف بهذه الواقعة، يقدم التعازي لي عندما يمر معنا أي نصٍ لجبران أو عنه، وهي كثيرة. ومن سلوكه المستفرد أيضاً، شراؤه بقرة، رؤية منه أن ضعف ابنته الصغيرة في مشيتها، ناتج عن أزمة غذاء لا عن حالة مرضية عابرة. ومن ذلك كذلك، ما ترويه جدتي عن ابنها شاباً، أي والدي، وكيف كان يرمي الخبز، أي »النعمة« في ضمير الناس ولغتهم، لأن الرغيف وقع على الأرض فحمل بالتالي ميكروبا. ويأتي أيضاً أسماء أولاده. فسبعة منها لا تعيد الأسماء المكرورة دائماً في النبي أو الأئمة أو أسماء أسلافٍ من العائلة. ونسجل هنا أنه لم يغرق بالمقابل في التسميات المتناسخة، التي انصرف إليها حزبيو المرحلة، فليس فينا خالد أو عمّار. وقد يكون هذا من حظنا بالطبع. كان دخول أبي في الشيوعية، يعني تأميم مؤسسات التربية في البيت، فلا دخل في التربية لأقارب أو لحي أو لبلدة أو لدين. كانت صحف الحزب الشيوعي تحتل المدى الأكبر في ثقافة الأسرة ووجدانها. فصحيفتا »النداء« و»الأخبار«، ومجلات »الثقافة الوطنية« و»الطريق« و»الوقت«. ونشرة »وكالة تاس« (كانت تصلنا مطبوعة على الآلة الكاتبة)، ومجلة »الأنباء السوفياتية« بورقها الصقيل، كانت كلها منابع ثقافتنا ومصباتها. كنا نحفظ أسماء رواد الفضاء حسب تسلسل صعودهم الى الفضاء: الأول يوري غاغارين، الثاني جيرمان تيتوف، الثالث كاماروف (اعتذر منه نسيت اسمه الاول)، الرابع اندرياس نيكولاييف، الخامس فالنتينا تيريشكوفا، وبعد زواجها أصبحت مدام نيكولاييفا. »وقد عرف الشعب السوفياتي وشعوب العالم المحبة للسلام أن نيكولاييف يحب فالنتينا لأنه كان أول من استقبلها على الأرض وبيده وردة حمراء«! وكنّا نحفظ كذلك أسماء فرق الفوتبول السوفياتية: سيسكا موسكو، سكا موسكو، سبارتاك موسكو، دينامو كييف، سبارتاك كييف، دينامو ليننغراد، دينامو تبليسي، زينيت ليننغراد، ارارات يريفان، نيفن تشي اوكرانيا، باختاكور، شاختيور. وكنّا نحفظ أسماء سفن الفضاء: لونا، فوسخود، وفوستوك، سبوتنك. وأنواع السيارات: لادا وموسكوفيتش ونيفا وفولغا، وتشايكا السيارة الرسمية فخر الصناعة السوفياتية. طبعاً كل هذا مضافاً الى اسم الكلبة »لايكا«. كان على الرؤوس الصغيرة لأبناء الأسرة، والتي لم تكن تنفرج بعد للفهم، أن تنفرج لهذه للقضايا »الكبرى«، من الإعلام الشيوعي اللبناني والسوفياتي. كان على الصغار أن يحتفظوا بكل هذه الأسماء مهربة، لأنها لم تكن من شواغل الآخرين من رفاق المدرسة أتراباً وأنداداً. كل ذلك يعني أن الأسرة كانت تعيش خارج المراكز التي تحدد حركة الاجتماع المحض وتاريخه: العائلة، الحي، البلدة، وحتى كل نواحي الثقافة السائدة. وهذا ما جعل هويتها تتشكل، الى حد بعيد، على يد ما أملته التربية المؤممة من قبل مرجعية الأسرة، أي الأب، والتي كانت ترسم لنا المعادلة التالية: مدرسة وبيت بيت ومدرسة. والمدرسة بدورها، لم تكن بالمقابل تمد الأسرة بما يمكنها من التكيّف مع خارجها. بل كانت تكريساً وتعميقاً لما يجذّره البيت لدى أطفاله: ففي المدرسة (1958) كان المعلم يناديني »منذرين« وأختي يناديها »بأملوف«. سخرية ضمنية، قياساً على الصيغة الروسية للأسماء. كانت هذه الكلمات تجعل من المدرسة مجتمعاً مجانباً ومجافياً إن لم نقل عدائياً. أي إنها، أي المدرسة، كانت تجمّع سلمٍ أهلي، لم يكن بارداً دائماً. إذ كان هذا السلم يشتعل أحياناً هتافاً في المدرسة، وكما في الحارات: »وحّدناها بالرشاش فليسقط خالد بكداش«. »وحّدناها بالقوة يسقط حسين مروة«، خاصة قبيل الوحدة المصرية السورية وما بعدها، حيث كانت الهتافات تقدم المسرح الدرامي والكيدي المطلوب لتترسّخ الهوية الشيوعية للأسرة. كان التأثير الإيجابي الحاسم للفكر الجديد لدى الوالد، يتمثل بالذهاب الى الآخر في تعليم بنات الأسرة. فكانت الابنة البكر، من البنات الأوائل اللواتي تسجلن في مدرسة الصبيان، فجعلنها مختلطة من يومذاك. وكانت البنت نفسها في طليعة الدفعات القليلة من بنات بنت جبيل، اللواتي التحقن بمدرسة الراهبات المتوسطة في بلدة عين إبل المسيحية المجاورة (1959). وهذا بحد ذاته مقاومة لما كان في بنت جبيل، من وطأة للتوجه القومي ومن وطأة للشعور الديني غداة الوحدة المصرية السورية، وغداة أحداث 1958 أواخر عهد شمعون. وكانت البنت عينها أول مخترجة من دار المعلمين والمعلمات، وأول من حازت البكالوريا اللبنانية، من بين البنات البنتجبيليات المقيمات في البلدة بالطبع، وكانت الأولى من بينهن التي شلحت الإيشارب عن رأسها. ثم كانت الابنة الثانية، الخامسة في ترتيب أطفال الأسرة، أول فتاة من المقيمات في البلدة ممن ذهبن في طلب العلم، والى الاتحاد السوفياتي بالطبع، فكانت الطبيبة الأولى في بنت جبيل. يأتي تعليم البنات هذا، كأنه انتقام متأخر لمواقف في جبل عامل في الثلاثينيات والأربعينيات، تصدى فيها رجال دين لتعليم البنات. وبتعليم البنات هذا، استطاعت الأسرة أن تحفر لها في البلدة حضوراً في خاصية التعلم. وقد قدّر مجتمع البلدة ذلك، فكانت أم منذر الأم المثالية في البلدة في تصنيف تنظيم شؤون الأسرة للعام 1975. لم ينخرط الكبار في الاسرة في الحزب الشيوعي. فالانتساب للحزب، لأي حزب، كان مطلع الستينيات، كالزواج، له شروطه ومقاساته. فكما لطالب الزواج متطلبات في السن والوظيفة والمسكن، للقبول به صهرا، كان كذلك للحزبي مقاساته المشابهة، لا بل والأكثر صرامة، للقبول به ولو نصيراً متدرجاً. لذلك بقينا، »الجيل« الأول في الأسرة، أبناءً لأبٍ شيوعي، وبقينا أفراداً من بيت شيوعي. ولم نرَ في ذلك قلّة بركة. فالحزب الشيوعي يومها لم يكن امتياز أحدٍ بعد. كما لم يكن دخول غير أحزاب في الساحة الوطنية امتياز أحد كذلك. كانت الأحزاب يومها »للرجال«. لم يكن لها منظمات أحداث وفتوة. لم يكن لها حتى »كشافها«. فالفرقة الكشفية الوحيدة كانت كشافة التربية الوطنية. كان الدرس يومها نضالاً والنجاح يومها انتصاراً. وكان من الطلاب يومها، من طلاب الاحزاب جميعاً، مَن يدرس شهادتين معاً، أو مَن يسترزق من عمل نهاراً، ويكنز في معهد شهادته ليلاً. أما تحزيب الطلاب الذين تشاكلت أهواؤهم وقلوبهم فقد دفّقته آواخر الستينيات، استعراضات أشبال الثورة الفلسطينية في ثيابهم المرقطة في شوارع المدن أولاً، وفي استعراضاتهم بأسلحتهم وهتافاتهم الثورية لاحقاً. جعل دخول الحزب الى الاسرة، التربية داخلها شراكة مساهمة مع القطاع الخاص الجديد (الحزب الشيوعي). ولكن هذا الأمر لم يُثر »الإقطاع« العام المسيطر على أمور التربية في الأسرة. فالوالد لم يرَ في الأمر افتئاتاً، ففي أبخس الأحوال يبقى رأسماله الانساني محفوظاً له، ما دام »خراج« هذا المساهم التربوي الجديد عائداً إليه، وموصولاً بالقيم الشيوعية. والدين المعاملة. كان على الشيوعي الخالص المصفى، أن يرتبط كليةً بمصالح حزبه، أي أن يبقى ماثلاً ينتظر »الأخبار« عن القضايا الكبرى، ليقرع باب »النداء« للعمل والتحرك. ولأن النفس مولعة بحب العاجل، كانت تلبية النداء الأول لقيم الحزب، هي الطعن بما في متناول اليد أي في سلطة العائلة وروابطها. فقد تراءت هذه السلطة مثالاً مصغراً »للطغمة المالية والاستعمار والامبريالية«. فعلى مطلات الحرب اللبنانية، كانت الأحزاب تعمل على إخراج اعضائها من أية ارتباطات موازية لارتباط هؤلاء بأحزابهم، وتحديداً الأسرية منها. فدورات التدريب على السلاح والقتال عشية الحرب وفي بدايتها وضعت طرفي الأسرة في دورة ألم واشتباك دائمة: الأهالي للمرة الأولى، في مواجهة الموت الأحمر يحوم حول أبنائهم. وأبناؤهم المتحزبون صاروا مقابل حنين آبائهم المصهورين ألماً ولهفة. وكانت نُذر هذا الخلاف داخل الأسرة، لا تعيّن في بدايتها مطرحاً فيه من أسباب الصدام الجدّية أو المبررة. كانت هذه النُذر »حركشات وفركشات« لا تعدو تنافراً في ذوق اختيار الثياب أو تعيين مدعوين للعشاء. وهكذا راح الحوار داخل الأسرة، مع انتساب أفراد منها الى الحزب الشيوعي، يدور عبر واجهات من زجاج لم يكن صفيقاً في بدايته، لأن الاشتراكية »المادية« كانت بعد لازمة، ولأن الطعن بهذه الشراكة أكبر من أن يتولى مسؤوليته أحد بعد. ولم يطل الأمر، حتى صار يجري تصنيف الرأي المخالف وتأويله في خانة الخارج النقيض، وفي ذلك غاية الانسجام مع الذات الحزبية، وقمة الراحة الداخلية للضمير الحزبي. فالحزب الذي طالما أثبتت الأحداث »صحة« قراءاته وتحليلاته، و»صحة« تحالفاته وخيراته، كان ينتج حزبيين »صحيحين« على صورته، لا يأتيهم الباطل أو الخلل من أي جهة كانت. كان حزبيو الأسرة قضاة بذاتهم، وإن احتكموا مرة، فإلى أنفسهم. وبذلك أصبحوا »أولى بباقي أفراد الأسرة من أنفسهم«، على ما أوكل اصحاب الإمام الحسين، أنفسهم اليه يوم عاشوراء. جعل الاستقواء على روابط الاسرة، بالحزبية وبوكالة سامية، بعض العائلة، وتحديداً المقتدرين منهم، أبناء »زبيبة«. فكان التصويب الأول باتجاه الأخت بكر الأسرة، مع كونها الملاك الحارس، تحمي بردائها السحري العائلة من غائلة النزوح وعوزه، وهي التي لم تحسب يوماً أو تعُد منحة أو عطاء. وهكذا وقعت هذه الأخت في حفرة ما كانت تبشر به وتدعو إليه من ضرورات التقديم والبذل. صحيح أن حسن الظن ورطة. وأستدرك هنا وأوضح، لمن يرى أن آفة هذه السيرة، قد تكون إغفال ذكر الثلاث منح السوفياتية الدراسية، التي أفاد منها أفراد من الأسرة. ليس في الأمر طعم مأكول ولا صنارة وما آتاها من عال، وإنما لم يكن للحزب إحسانٌ بذلك أو ابتداء. فالمنح كانت مقطوعة عن الأسرة من قبل الحزب، قطيعة السيد علي عبده. ومع أننا استمنحنا بعضها عن طريق الحزب، إلا أننا امتنحناها جميعها من طرق أخرى. فالمنحة الأولى انتزعها، بعد نكرانٍ جاف من الحزب، قاض من غير طائفة، لنا منه حق الجوار في صيدا. والمنحة الثانية جاءت على يد موظف في السفارة السوفياتية، وافي الذمة محكم الأمر في وظيفته، وقد ارتاح لأنه يعطي لأول مرة، منحة لطالب هو الأول في الجنوب في شهادة الرياضيات. وأما المنحة الثالثة، فقد بُذل في سبيلها ما يعطي لإبطال حق، أو إحقاق باطل، أعني الرشوة. فمع أن الراشي المرتشي في النار على الأقل، كما تزعم قيم الأسرة الفلاحية والشيوعية، فقد تحنكت طائفة من الأسرة عبر إقامتها في صيدا بعد 1970، ومن عرك الأذى الحزبي بجنبها، فكان البرطيل، ليس فقط أقصر الطرق لتدبير الأحوال، بل ولحفظ الكرامة أيضا. لم تكن مشهدية الخلاف والحوار الصامت التي كانت تدور آنذاك مغلقة عسيرة الفهم، فهي لم تكن حمالة أوجه أو تأويلات. كانت صراحتها غالباً ما تغني عن مشقة التفسير. كانت مواجهتها، أو بالأصح عدم مواجهتها، ينبع من خشية أن يفتح في الأسرة حساب الى القلقلة والاضطراب. على ذلك، ظل تماسك العائلة مع انتقالها الى الإقامة في صيدا، منذ مطالع السبعينيات، مع النزوح المتكرر جراء الاعتداءات الإسرائيلية. لا بل إن هذا التماسك كان يتبرز انشراحاً وزهواً أيام النزوح والتهجير ما بين 1970 1978. وكان بيت البنت الكبرى للعائلة في صيدا، محطة النزوح لا بل فندقه، دون أن يفقد هذا البيت في صيدا أريحيته وحماسته وتوازنه أمام وفود الرفاق والأصدقاء العديدين. وفي أحيان كثيرة، كان المقاتلون من بينهم، يأتون الى هذا البيت بأسلحتهم وبعض من عائلاتهم، حتى بات بيت صيدا أكرر شقة البنت البكر في الأسرة فندقاً أو منزولاً واسعاً، تتشابك فيه قضايا الحرب اللبنانية وقضايا النزوح وحتى قضايا الحزب الشيوعي. وقد احتمل البيت كل ذلك بصاحبه وصاحبته وطفليه، بفضاء رحب واستئناس وسِعة. وأستعجلُ هنا لأقول، إن حكاية هذا البيت ما لبثت أن ذهبت هباءً وعبثاً، في وجدان غالب نزلائه ممن كانوا حِلاًّ دائمين فيه. التلاقي الثالث كان انتقال بعض أفراد الأسرة الى ما وراء البحار والى ما قبلها. لم يكن هذا الانتقال في بدايته هجرة في نظر الأسرة، وخسارة بالتالي لأفراد منها. كانت الأسرة ترى في ذلك افتتاحاً لفروع جديدة، في العوالم الجديدة. وهذا ما قد يتيح لها أن تزدهر على نحو غير مسبوق، في ميدان العلم وتعميق المعرفة، ولِمَ لا الأعمال!. أقول ولِمَ لا الأعمال، لأن الثراء والغنى العريض، كان لا يزال في موقع منخفض من نظام القيم في الأسرة. الإفلاس باختصار أقول، لقد انكشفت بالهجرة، وبخاصة الى أميركا، روابط الأسرة التي كانت معزولة عن روابط الاجتماع العام، وانكشف إفلاسها في مواجهة محددات الاجتماع العام وتعقيداته. فقد اكتشف مهاجرو الأسرة، أن الفرصة داخل الأسرة لم تكن تتيح لهم تطوير معارف وسلوكيات تواكب عوالمهم الجديدة. فقد شكّلت المحطات الشيوعية الأولى من طفولة الأسرة، جداراً يفصل كل شيء في الأسرة عن كل شيء في محيطها، وهذا ما أنتج لُحمة عاطفية ووجداناً صوفياً بين أفرادها. ثم كانت الهجرة، وكانت اللهفة السريعة الى إصابة الغنى والثروة، فانتصبت هذه اللهفة جداراً يفصل حتى بين أفراد الأسرة أنفسهم. كل يحاول أن يسارع الى إنتاج تاريخه الخاص. فابتنى بالتالي جداراً يفصل كل شيء لديه، عن كل شيء في محيطه. وكان العديد من أفراد الأسرة الآخرين جزءاً من هذا المحيط الخارجي المفصول، وكان لهذا الواقع الجديد أن سارت الأسرة، على طريق التنازع المر الذي يقارب الانتقام والثأر. والحاصل هنا، أن سوسة التفرق، جاءت الى الأسرة من داخل شبكة أعضائها، أي من المحل الذي لا يمكن نفيه أو طرده والتخلص منه. والحاصل أكثر، أن المراجعة لرأب الصدع، تفتح داخل الأسرة من الأبواب أكثر مما تغلق. لأن تعامل أفراد من الأسرة، يستخدم أداة التعامل »الأجنبية« التي تندرج في خانة الفردية والذاتية الكاملة، وهذا ما لم يكن له أبداً تمثل أو تقليد في ثقافة الأسرة في لبنان. وغني عن القول أن كلاماً كهذا، لأسباب شتى، يلقى قبولاً ومباركة في أوساط الأغتراب، فهو ملقى هناك على قارعة الطريق (كما يقول الجاحظ عن أخباره) ملقى برثاثة وابتذال. وهذا ما ينظر إليه غير أفراد من الأسرة، على أنه وسيلة من وسائل الموت، وأنه مفضٍ الى خسارة لا تعويض لها والى وداع لا لقاء بعده. لقد سبق لبنجامين فرنكلين أن قال في عبارة شهيرة إنه »ما من شيء مؤكد إلا الموت والضرائب«. ولكن الواضح أن ثمة أشياء أخرى مؤكدة هي تلك الأوجه من وجودنا التي يمكن وصفها بأنها »ملامح الطبيعة الإنسانية والشرط الإنساني« (حازم صاغية، الحياة 20/5/2000). يشبه سلوك بعض أفراد الأسرة بذلك، ما أقدم عليه الLuddistes أي جماعة Ned ludd في مطالع القرن التاسع عشر، فقد أقدم أتباعه ومؤيدوه آنذاك على تحطيم الآلات في معامل يوركشاير ونوتنغهام مشاير في انكلترا الثورة الصناعية، مخافة أن تدمر هذه الآلات أعمالهم ومصادر رزقهم. لا بل إن من أفراد الأسرة من ألقى باللوم، الذي يقرب من الشجب والتقريع، على قيم الوالد وسلوكه وانضباطه، وراح يقارن بينه وبين غير آباء كانوا يقدمون لأبنائهم نقيض تقديمات الأسرة. كانوا يقدمون العصبوية، والاستزلام والتشاطر وحتى الزعبرة، أي عدّة تدبير المعيشة وعتاد تسليك الأحوال في حياة الجماعة. ويعود الأمر لأن التنازع المر داخل الأسرة، كان يستدعي ويستجلب ادعاءات وافتراءات غير موجودة بالأصل. كل ذلك، لأن ثمة رقابات ومحاسبات، من علاقات الأسرة الحميمة السابقة، ما زالت تعيش في وجدان الجميع. ولكنها تؤدي عند بعضهم، دوراً معكوساً تماماً عمّا نعهده في قطاعات الرقابة والمحاسبة والحراسة، بحيث تبدو لديهم الأمور ملتبسة فالتة، بالقدر الذي تشتط معه وتتبدل. وقد يزيد الأمر فجاجة أو فضاضة، وجود أزواج أو زوجات في الأسرة من أصول أجنبية، أي لا علاقة بالتالي لهم أو لهن، بالخيط السحري الذي يصل ما بين طفولة الأخوة الألِق المُمرِح. فليس غريباً بعد أن نرى من بين أحفاد الأسرة في ما بعد الهجرة، من لا يعرف من لغته العربية، حتى كلمة مرحبا. ومن يعرفها من الباقين فالفضل لوجود الجدّة في المنزل. كان الشيوعيون يدخلون الحزب من باب العصبية، وأحياناً من باب العائلة الكبيرة وأحياناً من باب المصلحة. الأسرة، أسرتنا، فشلت في إدارة شيوعيتها الخاصة المتطهرة. توجد الأسرة اليوم في الذاكرة وحسب. إنها في قسمة »ضِيزى« (حسب التعبير القرآني) أي إنها في انقسام جائر ناقص، لا تطيق أجنحتها معه ولو لقاءً بسيطاً. فكرة بسيطة تنغل في رأسي غالباً. ولا أستطيع معها، غالباً، أن أجد لها دفعاً. فكرة لا أعرف إن كانت ساذجة أو محنكة: أصيبت الأسرة بأنحطاطها لأنها قامت على قاعدة خالصة من »التقدمية« و»العلمية« و»الحداثة«. صارت فريسة »الفتن« والكراهية والتباغض، مما لم يعرفه غيرها من جماعات الأسر، التي قامت في حضن العصبية العائلية و»الرجعية« وحصانتها؟ لا أعرف إن كانت هذه السيرة ستضيف شيئاً، في معرفة سبل الافتراق لا التلاقي كما يطمح الداعون الكرام لهذه الحلقة. لا أعرف ذلك، ولكني أعرف أن موضوع النزاعات داخل الأسر بعامة يبقى دفين الصدور وبطون الأسرار، وأعرف أن من يَعرِض له مدان ومتهم حكماً، بإجماع فقهاء النصح والمشورة، ولكنني كشفت أمامكم سريرتي ببراءة وطهر. وقديماً قال العرب: »من طابت سريرته حسُنت سيرته«. »ومن حسُنة سريرته حسُنت علانيته«. وأنا أعرف كذلك، أن سيرتي الذاتية ستظل تتناسل مع هذه السيرة غير الذاتية، فالسيرتان جارتان دارهما العمر، كما يقول »أبو الطيب المتنبي«. هذه هي الحكاية الفعلية للأسرة. ولكن الحكاية الحقيقية بلحمها ودمها لم ولن تأتي أبداً. وأعني بها لحظات الألم والقلق التي نزّتها الأسرة وتنزها على مدى »أسرها« الدائم والمستمر. هذه الحقيقة ستبقى في جوانب منها ملكاً لنا وحدنا. أو بالأصح ستبقى لكل واحدٍ من الأسرة حقيقته المفردة، بأحلامها وكوابيسها العصية على التفسير والعرض والاستعراض الكامل. ومع أنني كثيراً ما ندمت على سكوتي، وقليلاً جداً ما ندمت على كلامي، فإنني أسمح لنفسي بأن أخرج عن مهمة هذا النص الأساسية، أي عن رصد تفاعل أسرة جنوبية مع سبل تلاقٍ جديدة، أخرج عن هذه المهمة لأختم بأصبوحات غالباً ما ترجّني حثيثاً: فأقول أولاً، إن كتابتي هذه السيرة »غير الذاتية« كانت من الصعوبة بمكان. كانت كشرب الدخان لا أوله بسم الله ولا آخره الحمد لله. ولأقول ثانياً، لمن يرى فيها مروقاً وشذوذاً عن سنة التستر على داخلية أسرية مقدسة »إن كل شيء بوقته مليح، حتى مسبة الدين بوقتها تسبيح«. وأنا، كعامل في حقل التأريخ والجماعة، لن أكون »كمؤذن حمص« ينبه الناس للصلاة ويذهب الى عمله، لذلك جئت أعرض وجداني »مخطوطة« منشورة مقروءة. أما تهمة المروق والخروج على التضامن الأسري، فهي مواطأةً على أصيل قناعاتي: »قالو للأعور العمى صعب. قال نص الخبر عندي«. »قالوا للأعمى اطلب وتمنّ، قال بدي جوز عيون«. أما لمن لم يقتنع بهذه أو تلك أو هاتيك من المبررات فأقول »على الجنة مش رايح وبجهنم بيبوسي ايدي قفا وجيد«! كان والدي يقول: يا ولادي بدون بنت جبيل ولبنان إذا طلعتوا على جبل ألماز بتنزلوا معكم تنكة!!. وأنا الآن دائماً في بنت جبيل وفي لبنان. وما حسن إصغائكم وتفاعلكم مع هذه السيرة، سوى بعض مما أجنيه وأملكه من هذا الماس. وهو وفير.