As Safir Logo
المصدر:

توفيق الباشا .. عمارة موسيقية هوت

المؤلف: جابر عناية التاريخ: 2005-12-07 رقم العدد:10265

إنه زمن الخسارات، فادح غياب الموسيقار توفيق الباشا بعد صراع طويل مع مرض عضال، واجهه وحيداً منفرداً في الغرفة 113 بمستشفى رزق. الثالثة فجر أمس الثلاثاء ودّعنا كبير من كبارنا شحذ للمرض مقاومة ضارية، مستسلماً له أخيراً بهدوء المؤمنين. انحاز الباشا في مرحلته الفنية الأخيرة الى تأليف السيمفونيات وطبع إنشادياته بنفس أوركسترالي، مركزاً اشتغاله على الهارموني والكونتربوان. إنه العصامي التنويري حتى في لبوسه الأميل الى الكلاسيكية، أما حداثته فكانت تأليفية ونابعة من التراث التركي في حياتنا العربية. توفيق الباشا مواليد بيروت العام 1924، الربيب الفني لخاله خليل مكنية عازف الكمان المشهور، والفنان الراحل زكي ناصيف الذي أمده بعض المبادئ الموسيقية الأولية. والد الفنان عبد الرحمن الباشا وأحد مطلقي تجربة »مهرجانات بعلبك« وفرقة »الأنوار« التي جالت العالم العربي. توفيق الباشا شغل الحياة الموسيقية اللبنانية والعربية، من دون كثير صخب او استضافات تلفزيونية. التقيناه في الغالب في المؤتمرات الموسيقية والمنتديات الجادة في العواصم العربية، خصوصاً مصر التي تكنّ له احتراماً وافراً وتحفظ له مكاناً في المجمع العربي للموسيقى. »سيمفونية السلام« التي حملها مؤخراً الى اكثر من بلد أوروبي، لاقت صدى طيباً، ولعبت مع الأوركسترا السيمفونية البلجيكية، كذلك سيمفونية »باليه المولد«. كان الباشا من أنصار التجديد في فن الموشحات من باب إيصالها الى العالم الغربي، من دون ان يكسر في بناها الأصلية. وهو أطلق مجموعة من الأصوات الغنائية المميزة أشهرها زوجته السابقة وأم ابنه عبد الرحمن (البيانيست الشهير) المطربة وداد. كما يُعد الباشا أحد مؤسسي المسرح الغنائي في لبنان وسوريا بمشاركة عمر الزعني ونجيب البابا وأنور البابا، بالإضافة الى الفرقة الشامية المؤلفة من عبد اللطيف فتحي وتوفيق إسحاق. لم يرتمِ الباشا يوما في أحضان الانتشار الجماهيري، ولم يساوم على أصالة موسيقية بقيت تطبع أعماله، نسمعها منعكسة في الأغنيات »الرواقية« التي طبعت ما غنته وداد وسواها من المطربات اللواتي غنّين شواغل النساء في علاقاتهن بالرجال، الإيقاع الموسيقي الهادئ لحياة يومية يشكل الحب فيها نقطة الجذب القصوى بين كائناتها. تجديداته على الإنشاد والموشح جعل منهما أكثر رسوخاً في ذاكرة وذائقة المتلقي (الإنشادية النبوية) (بدائع النغم) (أشعب والكندي) وسواها الكثير، فكنت تتذوق من بين أنامله وفكره الموسيقيين مناخات مصرية لرواد في مجال التأليف الموسيقي. ترك الباشا ثلاثة آلاف من الألحان ظهرت في العديد من البرامج التلفزيونية، وكتباً تبحث في الموشحات الأندلسية والإيقاع في الموسيقى العربية والكمان والأرباع الصوتية، كفيلة بإغناء المكتبة الموسيقية لمن يعزم فعلاً على تراث أصيل، وللجيل الذي لم يتسنّ له أن يكون على تماس مع عظمة الراحل.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة