كان آخر لقاء بيننا قبل اسبوعين، حين استدعاني إلى فراش المرض في الغرفة 113 في مستشفى رزق، وسلمني مقالة تاريخية عن آلة الكمان، عنوانها: الآلة الملكة. وطلب مني ان اقرأها نيابة عنه في مؤتمر الموسيقى العربية الذي عقد في المركز الثقافي القومي (الاوبرا) في القاهرة، بين 18 و27 تشرين الاول/ نوفمبر الماضي. أخذ يشكرني، حتى اخجلني، فقلت له: »من زمان كنا نحترمك ونقدرك، ومنذ سنوات اضفنا امراً جديداً، صرنا نحبك«. فرأيت عندئذ آخر ضحكة رأيتها على وجهه. ومضيت الى القاهرة، وأنا احمل معي مغلفا كتب عليه عنوان الدراسة واسمي. وحين رأيت خطه المضطرب، أدخلت صورة المغلف على حاسوبي، وجعلت عنوان الصورة اولا: آخر ما كتب توفيق الباشا. ثم اصبت بالرعب: كيف يحق لي ان استبعد معجزات الله، وهو القادرعلى كل شيء. وفي القاهرة حيته الدكتورة رتيبة الحفني لدى افتتاحها المؤتمر، وتمنت له باسم كل الموسيقيين العرب الحاضرين البارزين الشفاء والعودة الى اللقاء السنوي الذي حوّل الاسرة الموسيقية العربية اسرة حقيقية. لكن المعجزة لم تحدث. ومات توفيق الباشا الثالثة إلا عشر دقائق فجر الثلاثاء 6 كانون الاول/ ديسمبر 2005، عن واحد وثمانين عاما إلا سبعة عشر يوما. تزوج توفيق الباشا مرتين: الفنانة المطربة الكبيرة وداد، أم اولاده رندة وريما وعبد الرحمن، عازف البيانو الكبير الذي نال تكريما في بلجيكا امس بالذات يوم وفاة والده. وكان عبد الرحمن الذي جاء على عجل من باريس سأله: هل ابقى أم اسافر لعملي؟ فطلب منه توفيق، وهو في ساعاته الاخيرة، ان يتابع عمله ويسافر. ولكن بقي عبد الرحمن في بيروت، اذ رأى في عيني والده نذر النزع الاخير. اما زواجه الثاني فكان فنيا ايضا، من المغنية نهى هاشم، التي كانت مع شقيقتها السيدة سعاد هاشم حرب من المغنيات المرموقات في ايام عز اذاعة لبنان، حين كان توفيق الباشا رئيسا للدائرة الموسيقية. والسيدة نهى، يعرفها الجميع انها أم ثانية لاولاد توفيق الباشا، حضنتهم جميعا بعاطفة ثرية تختزنها في شخصها المحبوب. في التاريخ ما هي حيثيات التقدير والاحترام اللذين استحقهما توفيق الباشا منذ سنوات طويلة في المحافل الموسيقية اللبنانية والعربية؟ لقد دخل اسم توفيق الباشا في تاريخ الموسيقى العربية منذ سنوات طويلة، من بابين عريضين: باب الموسيقى المدنية وباب الموسيقى الريفية. وكان توفيق الباشا في كليهما من القامات الكبيرة في ايام ازدهار الموسيقى في لبنان بين 1950 و1975 على الخصوص، عصر المهرجانات الذهبي، الذي اصطلحنا على تسميته: تمدين موسيقى ارياف بلاد الشام. ففي الموسيقى المدنية تخصص توفيق الباشا زمنا بفن الموشح العربي، فعمل في احياء الموشحات العظيمة وتوزيعها واعادة تقديمها في اطار الاوركسترا الكبيرة، وكان معجبا جدا بأسلوب توزيع محمد القصبجي للمقامات العربية، ونسج على منواله رائعته الخالدة: اسق العطاش. وبقي لنا من موشحات توفيق الباشا الكبيرة ومنها: وأهيف قام يسقي، والليل إلا حيث كنت. وكان التوزيع الاوركسترالي فيها بارزا جدا، وينم عن رأي في هذا الاسلوب الغربي، يرفض تشويه الموسيقى العربية ولا يأخذ منه سوى ما يناسبها، بروح خلاق ومبدع. وقد بلغ جمال التوزيع في: اسق العطاش، مرتبة عالية جدا تساوت مع جمال اللحن ومع جمال صوت المطرب محمد غازي. كذلك انتج هذا الفنان الكبير عددا يكاد لا يحصى من البرامج الغنائية الاذاعية الممثلة، احتوت ثروة من القصائد والموشحات، مدفونة الآن في المكتبات الموسيقية، لا سيما في لبنان وسوريا، دليلا على حالة الانحطاط، التي تبرز الغث وتخفي السمين، في زمننا الحاضر. اما في الموسيقى الريفية، فكان عمل توفيق الباشا تاريخيا بالفم الملآن. ففي السنوات التي ازدهرت فيها حركة الاسكتشات الاذاعية الغنائية ثم المهرجانات الموسيقية في بعلبك وفي فرقة »الأنوار«، كان الانجاز الاساسي الذي يسجله التاريخ لكبار الموسيقيين اللبنانيين هو ما يمكن تسميته: تمدين موسيقى الارياف الشامية، على غرار ما فعله الموسيقيون القوميون في اوروبا في أواسط القرن التاسع عشر، حين وضعوا موسيقى كلاسيكية متكئة على مادة موسيقية ريفية (فولكلور). هكذا فعل فريق كبار الموسيقيين اللبنانيين في الخمسينيات، من القرن العشرين، حين دعوا الى تقديم الليالي اللبنانية، في مهرجانات بعلبك. فاستخدموا الموسيقى الريفية في بلاد الشام، التي ترقص الدلعونا وتغني الميجانا والعتابا والمعنى والقصيدة، ووضعوا فيها موسيقى مدنية (كلاسيكية). كان لا بد، لهذا الغرض التاريخي، من فريق عمل يضم ريفيين ومدنيين. فجاء من المدن توفيق الباشا والاخوان رحباني وفيلمون وهبي وعفيف رضوان وفيروز، وجاء من الارياف زكي ناصيف ووديع الصافي وصباح، فاكتمل العقد، ونجحت التجربة، وكان النهوض. وكان زكي ناصيف الوحيد في هذا الفريق التاريخي الذي تكوّن وجدانه في الموسيقى العربية المدنية والموسيقى الريفية في آن. وكان الأخ الاكبر عند توفيق الباشا. اذ ان زكي دخل بيت خليل مكنيّة، خال توفيق، الذي كان يصغره بثماني سنوات. وعقدا صداقة عمر لم تنفصم حتى الممات. ووضع توفيق الباشا في خدمة هذه الحركة التاريخية كل موهبته وعلمه وثقافته، لا سيما في التوزيع الموسيقي وتطوير الاداء، لتصبح الموسيقى الريفية موسيقى أهل المدن العربية ايضا، حتى وقف محمد عبد الوهاب في القاهرة سنة 1961 في حضرة جمال عبد الناصر، وخلال غناء وديع الصافي، ليصرخ بأعلى صوته: الله يا وديع. كان لا بد من تضافر هذه القامات الكبيرة من المدن والريف، لتكتمل شروط العمل التاريخي، وكان توفيق الباشا الفكر المدني الذي اكمل العقد. أما عن حيثيات الحب الذي استحقه توفيق، فهي أن محبتك لتوفيق الباشا كانت تحتاج الى اكتشاف ما لا يقوى على اكتشافه كثير من الناس. كان توفيق الباشا حيويا الى درجة ان البعض كان يظنه حاد الطبع، فينكفئ عنه. لكن بعض الصبر المنشود معه، كان يكشف قلبا طيبا طيبة نادرة. وهل تعرفون فنانا كبيرا، بليد الطبع حتى ننتظر غير هذه الحيوية التي اشتهر بها في المؤتمرات والمنتديات؟ ومن اكتشف توفيق وطيبته كوفئ بمعرفة معدنه الانساني النادر، فوق معدنه الفني النفيس. رحمة الله عليه.