As Safir Logo
المصدر:

لو صدّقت الصورة، أنظر إلى يارا

المؤلف: مندور سحر التاريخ: 2005-12-02 رقم العدد:10261

بسهولة، يمكن للفيديو كليب أن يوحي بما لا يضمره صاحبه. »توصّى في« (كلمات إلياس ناصر، ألحان طارق أبو جودة) هي الأغنية التي نقلت المغنية الشابة يارا من »المغمورة« إلى »المشهورة«. فلقد اختارت لها المخرجة ليلى كنعان الفيديو كليب التالي: مسابقة غنائية ندخلها بينما مراهقات الغناء العربي يؤدين أغنية يصعب حفظها (ولو من باب التهكم) بدلال يصعب هضمه كون كنعان ارتأت أن تجعله كذلك. وبعدما تمتعض لجنة التحكيم، وهي في الواقع نادراً ما تمتعض من دلال، تدخل الآنسة التي تخلت عن إغراء المراهقة لصالح خفر العذارى... نتابع بدقة شخصيتها هذه، من أخمص القدمين حتى أعلى الرأس، تبدو »ساحرة«، »منعشة«، أنيقة من دون أن تغفل إبراز جماليات الجسم. الصورة تقدم للعين »مطربة« كبديلٍ عن »مغنية«، شابةً كبديل عن »مصروعة«، الصورة تقدم للنقد الغنائي العربي (على تفاوت مستوياته) بعض ما يمكن أن يشبعه إعجاباً. تصدح يارا بأغنيتها »توصّى في« التي تنتمي إلى المستوى الأكثر فنيّة بين ما يبث على الشاشة (أي أنها تذكر بأغنيات كارول سماحة مثلاً). المهم، يبدي الكليب إعجابه بالمغنية ويصل هذا الشعور إلى المتفرج الذي بات عاجزاً عن إضافة يارا إلى معظم ما يصدفه من »جديد على الساحة الفنية«، لكن طبعاً من دون أن يذهب في إعجابه حد إخراجها تماماً من هذه الساحة المعاصرة. يارا إذاً، حسبما تشتهيها ليلى كنعان، هي فتاة تهوى الغناء وقد تجيده، أغنيتها تهوى المستوى الراقي من دون أن تصرّ على الطرب... فتاة من عصرنا هذا لا تسيء إلى عصرنا هذا. تنتهي الأغنية على خير، إذ أن الصور الملتقطة خارج إطار خشبة المسرح تحفظ للفتاة شبابها فتجرّدها من فستان السهرة وتضعها في حلة الحياة اليومية، بلا تكلف، وبهدوء. تمر الأيام على كليب يارا الذي منحها الشهرة ويحين موعد القطاف، البيع: »سي دي« و»كاسيت« في الأسواق. يُبث الإعلان عن المنتوج الفني على الشاشات الموسيقية ذاتها التي عرضت الكليب، لا بل ويستعين ببعض مشاهد الكليب. لكن، لولا تلك المشاهد المجتزأة من الكليب، لكان من الصعب على المتفرج الذي لم يحفظ أدق ملامح الشكل أن »يقفرها«، أي أن يتعرف إليها. شعرها يهطل أمام عينيها. شعرها مبتل. صورها ثابتة تبدو وكأنها التقطت للمغنية في أثناء قضائها عطلة ما في جزيرة هاواي. وهي على ثقة تامة من أن الكاميرا ترتجي منها لقطة إغراء فقدمتها سريعاً إليها. صورة تشبه أكثر من مئتي ألف صورة صدفها المرء في حياته، ربما فوق غلاف شريط يحوي مجموعة من أغنيات أهل الفن واختار المنتج صورة غلافه، فوجد تلك الصورة على الإنترنت. أو ربما صدفها في أثناء صموده في زحمة السير فوق لوحة إعلانية تروج لأهم زيت بحر توصلت إليه المختبرات الطبية »في العالم«. صورة معتادة جداً لا يمكن لمن سمح له القدر بالتميّز عنها أن يعود فيختارها طلّة له. ربما صفنت يارا فوجدت أن صورتها في »توصّى في« لا تلبي حاجة السوق إلى »التشويق والإثارة«. أو ربما خشيت على نفسها من التميّز على اعتبار أن الشكل الواحد هو الناجح الوحيد. ببساطة، يمكنها أيضاً أن تكون قد وجدت في صورة »توصّى في« ما لا يشبه حيويتها. أو، ربما، اعتبرت أن حضورها في الكليب ليس أكثر من دور أدّته لمرة واحدة فقط، دور تمثيلي لن تعلق فيه مدى الحياة. يمكن ليارا أن تكون قد وجدت باقة من الأسباب التي أنتجت، بشكل بديهي، الصورة الكليبية ومن ثم تلك الإعلانية. المسألة ليست في نفس يارا وإنما في الأعين التي توقعت منها أن تستمر في الصورة »المتميزة«. كيف نصدق أي صورة عن »الحقيقة« إن كان، بسهولة، يمكن للفيديو كليب أن يوحي بما لا يضمره صاحبه.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة