يتناول عبد الله خليفة في كتابه »الاتجاهات المثالية في الفلسفة العربية الإسلامية« (المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2005) تلمس ظاهرات الوعي العربي/الإسلامي بجانبيه الأساسيين: الدين والفلسفة، وبجذور هذا الوعي الأولى، التي تمتد من مرحلة الجاهلية وظهور الإسلام، ثم تشكل الدولة الإسلامية، وصولاً إلى نهاية الدولة الأموية. وهذا الموضوع الواسع، وغير المقيد، يتطلب التركيز على بنية فكرية واجتماعية واسعة وممتدة ومتحولة، تشمل جملة الأفكار التي كانت سائدة في المجتمع العراقي الجنوبي القديم، وعلى الخطوط العرضية لتطور الوعي الديني في مصر الفرعونية، لاكتشاف طبيعة النظام الاجتماعي التي كانت سائدة وقتئذ، وتبيان دور ذلك النظام الاجتماعي في التطور التاريخي. ذلك أن الوعي العربي، بمعناه الإجرائي، ومن ثم تطوره اللاحق: الوعي الإسلامي، وهو ينمو داخل بنيته الاجتماعية يقوم باستعادة تلك العناصر من العصور القديمة، سواء عبر علاقته المباشرة، أو من خلال التأثيرات الفكرية التي تأطرت من خلال الأديان: الوثنية، واليهودية، والمسيحية. لكن دراسة البنية الاجتماعية، عليها أن لا تجعل الباحث مأسوراً في طابعها التقني، أي اعتبار الوعي مجرد اتجاهات فكرية وسياسية، بل يتوجب اعتباره علاقات حية، اجتماعية واقتصادية وثقافية محددة. بينما تعود الاتجاهات الفكرية والسياسية إلى مستوى آخر، رغم ارتباطها أيضاً بجملة من الظروف الاجتماعية السائدة. وإذا كان الإسلام ظاهرة نمت بين الرعاة وفي المجتمع العربي الرعوي فلا بد أن تكون جذوره مرتبطة بمستويات هذا المجتمع، ولكنه عبّر من حيث الاتجاه عن تحول حضاري يتجاوز مجتمع الرعاة هذا، ويستهدف تخطيطه وتمدينه. وعليه تتشكل علاقة الدرس والتحليل للعلاقة بين المدينة (مكة) كقادة حضارية لهؤلاء الرعاة، علماً بأن بين القيادة الطليعية والجسم الاجتماعي تتكون علاقات معقدة من التداخل والتجاوز. وفي العهد الراشدي كانت البنية السائدة تستند إلى ظهور ملكية الدول للأراضي العامة (الصوافي)، وظهور نمط جديد من الإنتاج والتوزيع، الأمر الذي أفضى إلى سلسلة من التغيرات الاجتماعية والفكرية. ومع ترسخ هذه البنية واستعادة الهياكل الاقتصادية العائدة إلى للعصر القديم، تبدأ اجتماعات سياسية عميقة في هذه البنية، تفضي إلى النظام السياسي الأموي. وعليه، يتوغل خليفة في دراسة في بنية النظام الأموي وتناقضاتها وسيرورة الصراعات داخلها وسببيتها، بحيث يقوم بوضع الخطوط العريضة لتطور المجتمع العربي/الإسلامي في هذه المراحل الاجتماعية والسياسية المتعددة، من خلال قراءة عملية انتقاله من البداوة إلى الحضارة، وتبيان طبيعة الصراعات وأشكالها ومضامينها، وصولاً إلى دراسة التشكيلية الاقتصادية/الاجتماعية التي استقر عليها. والمنطلق في ذلك هو أن تبعية الإنسان للطبيعة هنا وعدم وجود قدرات إنتاجية تحويلية لديه، كانا يقودان إلى سيطرة القوى الماورائية المختلفة، تعبيراً عن الجوانب والقوى المادية في الكون والحياة التي تهيمن عليه. ويمكن القول إن المثالية أخذت صيغتها الأولى من السحر والطقوس والأديان البدائية، حيث القوى الغريبة المختلفة تسيطر على بناء الطبيعة، فتهندس الكون وتشكله من خلال المواد الطبيعية والاجتماعية المتاحة لها، سواء كانت عبر المعارك مع الحيوانات الخرافية أم مع القوى الطبيعية الملتحمة بها كالبحر والسماء والنجوم والعواصف والطوفان... الخ . المثالية لكن خليفة يعتبر أن الغيبية الدينية كانت الأم الأولى للمثالية، التي ستغدو المدرسة الفلسفية الكبرى في ما بعد، والتي ترى أسبقية الفكرة في صنع الوجود، ومرد اعتباره هذه الأفكار الغيبية نظرات وأفكارا مثالية، هو إعطاؤها القوة الفكرية والتصورات العقلية السحرية والأسطورية، الدور الأول في صياغة العالم. لذلك اعتمدت الفلسفات المثالية، التي ستتشكل في ما بعد، على هذه الجذور الدينية والأسطورية، حيث تتراكم المعارف ويكتشف التجريد والتعميم النظري، ويلتحم بالمنجزات العلمية المختلفة. فضلاً عن أن هذه العناصر الميتافيزيقية شديدة الغيبية تظل الأقوى في الحضور الفكري، في حين أن الفلسفة المثالية الموضوعية لا تكاد تخرج إلا في ما بعد، وبعد عدة قرون من ظهور الإسلام في المجتمع العربي. والمعروف أنه في سياق التحول التاريخي للبشر، حدث تمايز بين شكلين من الوعي المثالي، الأديان/الأساطير والفلسفة، لكن حين تأقلمت الأخيرة في بلاد المشرق، فقد كان بانتظارها تلك الأديان والأساطير في مرحلة جديدة من تطورها، فقامت الأديان والأساطير باستيعاب الفلسفة اليونانية في عباءتها الغيبية، مثلما قامت الفلسفة بالصراع ضد الأشكال الغيبية المطلقة. ويرى خليفة أن العلاقة بين الدين والفلسفة لا تعتمد على تضادهما الفكري، باعتبارهما مستويين مختلفين من التشكيل المعرفي، بل أيضاً على الصراع الاجتماعي أو التعاون أو الإلحاق القائم بين الإشراف والفئات الوسطى، أي أن التضاد بين الدين والفلسفة قد يصل إلى المضامين العميقة المشكلة لهما. ولهذا فقد غلب على الفلسفات اليونانية في مرحلتها الأولى الاتصاف بالمادية حين كانت مستقلة ومعبرة عن اتجاهات الفئات الوسطى في مدن حرة، ولكن الاتجاهات المثالية نمت وتطورت وسادت فيها بعد ضمور الفئات الوسطى إلحاقها بالدولة وصعود طبقة ملاك العبيد. إذاً، يهتم خليفة بقراءة الجذور القديمة لتشكيل الوعي العربي في مرحلتيه، الوثنية والإسلامية، لكن السؤال يبقى حول إمكانية العثور على وعي غير الوعي الديني بمرحلتين وببنيتين، وعن المرحلة التي وضعت وصنعت القواعد الأساسية للوعي في كل مرحلة من مراحل التاريخ العربي الإسلامي. وبعيداً عن مثل هذه الأسئلة يبحث خليفة في الأبنية الفكرية التي تشكل على أساسها الوعي الفلسفي المكتمل في العصر العباسي، ثم ينتقل إلى بحث أبنية الفلسفة المختلفة. وفي سياق تلمس مراحل تطور الوعي الديني في المشرق القديم يرى خليفة أن مرحلة الانتقال إلى يثرب هي التي ستجذر الدعوة الإسلامية، وتجعلها تتغلغل في البنية الصحراوية، فالقبائل العربية في يثرب، الأوس والخزرج، التي وجدت أنفسها تُأكل في حروبها الداخلية، وتحاصر بإمكانيات اليهود الاقتصادية، وتغدو مدينتها مهمشة وضعيفة تجاه مكة المستحوذة على السيادة على الحجاز، رأت إن مناصرتها للدعوة الإسلامية سوف تجعل مدينتها في مركز الصدارة. ومثل أي دين غدا الإسلام التأسيسي منظومة فكرية وسياسية واجتماعية شاملة، فاتحد الفكري بجهاز الدولة الوليد، وغدت العبادات والمعاملات والغيبيات في كتلة واحدة، وكلها تستهدف عبر ترابطها العقيدي أن تنقل العرب من عالم المختلف والتفكك إلى حضارة. ثم ظهر التفكير بالقدرة، والتاريخ العربي الإسلامي يشكل أولى خطواته، وقد غدا هذا التاريخ هو موضوعه، وبدأ هذا التفكير أولياً مضطربا متسائلاً عن هذا القضاء المهيمن، وعن مدى حجم الإرادة فيه، ثم راح هذا التفكير الأولي بالنمو مع اتساع حجم الصراعات السياسية والاجتماعية. وكان تشكل علم الكلام داخل الإطار الديني جعله محكوماً بالمقولات الدينية الأساسية، وبالفهم المحدد للعصر، باعتبار الوجود مخلوقاً بشكل كلي لله، سواء في ماضيه أم مستقبله، وبهذا فإن التاريخ الإسلامي نشأ من هذه الإرادة الكلية. ومن هنا يستنتج خليفة أن الفلسفة لم تولد مع المعتزلة، رغم أنها استفادت من حركتهم الدينية السياسية الداعية للحركة والعقل، وقد كان للفلسفة أن تنشأ على انقاضهم، بعد أن عجزوا عن استثمار التراكم المعرفي في إنتاج رؤى فلسفية شاملة. كما أن الاختلاف بينهم وبين الفلاسفة، الذين سيكونون دينيين كذلك، إذا استثنينا الدهريين الذين أزيلت أقوالهم من الذاكرة التاريخية، أن المعتزلة لم تكن لديهم فلسفة كونية شاملة، أي نظرة تشمل مختلف حيثيات الوجود، ونمت آراؤهم داخل تلافيف النص الديني، متأولين الجوانب الشديدة الغيبية أو الكثيرة الخوارق، وغير المعقولة، بشكل نسبي وعفوي. الإيمان والعقل وينصب جهد خليفة على الأمور المتعلقة بالجانب الديني التي يربطها بالبنى التحتية، وفاء لمقولات انحسر أنصارها وزمانها، حيث إن تشكل العقل الديني الإسلامي جرى فوق تطورات اجتماعية مركبة متضادة، فهناك محاولات لجعل البنية الاجتماعية في خدمة الإنسان، وبرغم أن هذه المحاولات كانت تحوي رموزاً غيبية كثيرة، حيث لا عقل ممكنا في ذلك الحين بدونها. لكن كافة الرموز الغيبية والإرث الغيبي الواقعي واللحظة التاريخية، توحي بأن التاريخ حينئذ يعبر عبر عقل واقعي متحكم في سيرورته، وليس ذلك سوى مظهر لهيمنة الأكثرية على الثروة فالمصير. ولا يُجهد خليفة نفسه في البحث في الفلسفة ولا علم الكلام السابق عليها، إذ كان علم الكلام وليد المناقشات بين المسلمين أنفسهم، وبينهم وبين ممثلي الديانات الأخرى اليهودية والمسيحية التي كان معتنقوها يعيشون بأمان في دار الإسلام. وقد ساهم التعايش بين الفرق والمدارس الإسلامية في شحذ العقول وحثها على العلم والدرس، وفي تحرير الأذهان من أسر التقاليد الدينية الضيقة. وأدى الحوار والجدل بينهم إلى بروز دور العقل حكماً أعلى في المناقشات اللاهوتية، وفي فهم العقائد الدينية نفسها. وفي سياق هذه المشادات ظهرت وتطورت النزعة العقلانية في علم الكلام، أول التيارات الفلسفية في الفكر الإسلامي، الذي طوره مفكرو المعتزلة، ومن ثم الأشاعرة. وتعتبر مسألة العلاقة بين الإيمان والعقل، الدين والفلسفة، إحدى أهم القضايا المحورية في السجالات الفكرية التي اكتسبت في الأوساط الكلامية صيغة العلاقة بين النقل والعقل (أو السمع). وقد انحاز المتكلمون، في حلهم لهذه المسألة، إلى طرف العقلانية، فقالوا بتقديم العقل على النقل، وأنكروا التقليد والمقلدين. وواجهت نزعة المتكلمين العقلانية والنقدية معارضة شديدة من قبل أنصار »أصحاب الحديث« الذين يعولون على نص الكتاب والسنة، ومن ثم الحنابلة والظاهرية من المذاهب الفقهية، والمالكية والحنفية من أنصار المذاهب الأخرى. وفي إطار سعيهم لإضفاء المشروعية على النظر العقلي، بحث المتكلمون في الكتاب والسنة عما يمكن الاستناد إليه في تبرير النظر العقلي، ثم طوروه ليهتم بالطبيعيات والمنطقيات والرياضيات. وحين ساروا في درب اللقاء مع المشّائية الشرقية، راحوا يعملون لتمثل العلوم الفلسفية التقليدية. كما لا يعطي خليفة أية أهمية للفلسفة المشائية، حيث يعتبر الكندي الذي لقب ب»فيلسوف العرب« أول العرب الذين اشتغلوا ب»علوم الأوائل« اليونانية ونشرها، وجاءت أعماله لتعكس خليطاً واسعاً من المذاهب التي تنحدر إلى أرسطو وأفلاطون وأفلوطين وبرقليس والفيثاغوريين. وظهرت في القرن العاشر الميلادي مدرسة »المشائية الشرقية«، التي نسجت على منوال أرسطو. ويُقال إن التسمية جاءت من أن أرسطو كان يلقي الدروس على تلامذته وهو يتمشى وهم يسيرون حوله. أما كبار فلاسفة الإسلام الذين يمثلون هذه المدرسة، فهم: الفارابي وابن سينا وابن رشد. ويعود الفضل في تأسيس المشائية الشرقية والعرض المنظم لأفكارها إلى الفارابي الذي لقب بالمعلم الثاني (بعد المعلم الأول أرسطو)، ووضع عدداً كبيراً من الكتب والرسائل والشروح. وقد تمثل ابن سينا، الذي لُقب ب»الشيخ الرئيس« في مذهبه نظرية الفارابي في »المدينة الفاضلة«، وترك لنا مؤلفات جامعة. أما في المغرب العربي فقد صادفت المشائية الشرقية ازدهاراً على يد ابن باجة وابن طفيل وابن رشد. وقد انبرى المشائيون لحل العديد من المسائل الفلسفية، خصوصاً مسألة ارتباط العقل النظري بالممارسة العملية، وتصنيف العلوم، والمنطق، والفيزياء، والميتافيزيقا... إلخ. ويعرض مؤلفا الكتاب للتأثير الكبير الذي تركته الفلسفة العربية الإسلامية، ممثلة بالمشائيين، على الفكر الفلسفي الأوربي. كذلك فإن الحكمة الصوفية والتصوف بشكل عام لا يجدان متسعاً من البحث، مع أن ظهور التصوف يعود إلى فجر الإسلام، وقد تطور من سلوك الزهد والتنسك إلى القول بالمحبة والفناء والحلول، فالتأمل الفلسفي. وظهرت في المرحلة الفلسفية للتصوف مدرستان أساسيتان، هما: الإشراقية التي أسسها السهروردي، والوجودية التي أرسى أسسها ابن عربي. وتنطلق الإشراقية (أو حكمة الإشراق) من القول بالنور مبدأ أول، هو على الصعيد الأنطولوجي (الوجودي) جوهر الموجودات كافة، وهو على الصعيد الغنولوصوجي (المعرفي) أساس المعرفة، فيما تقول الوجودية بأن الوجود هو الواقع الوحيد، وبأنه ينتسب إلى كافة الكائنات على نحو واحد. كل ذلك كان غائباً في »الاتجاهات المثالية في الفلسفة العربية الإسلامية« على حساب قراءة الأوضاع الاجتماعية والصراعات السياسية، وكشف حراك »الطبقات« وتحولات الأديان، وتحققات الوعي العربي، هذا الوعي الذي بقي يحلق في سماء خالية من المفاهيم، ولم يجد أرضاً يعيد عليها أقلمته.