عقدان من الزمن، عاشتهما الممثلة اللبنانيّة القديرة آمال عفيش في غمرة الأضواء، ترافقها ظلال الشهرة بين المسرح والتلفزيون. ظروف الحرب »المشؤومة« أبعدتها عن لبنان. سافرت إلى لندن في منتصف الثمانينات وأقامت عند صديقتها دنيز جبّور مديرة أعمال الموسيقار الراحل فريد الأطرش لسنة كاملة، ومنها إلى باريس فالمكسيك، لتنتقل أواخر عام 1986 إلى أميركا، حيث تزوجت وعاشت في ميامي نحو ستة عشر عاماً، عملت خلالها كمذيعة ومعدّة برامج في محطّة تلفزيونيّة افتتحها زوج المطربة اللبنانيّة دلال الشمالي (التي عرفت بأغنيتي »لهجر قصرك« و»دزني«). في شهر تموز من عام 2002 عادت إلى أرض الوطن، يحدوها الأمل أن تفتح أبواب الدراما في وجهها. وإذا بها تفاجأ بفتات الأدوار تعرض عليها حيناً وبالتهميش المطلق لها ولممثلات جيلها أحياناً، ليستبدلن ب»ممثلات طارئات على التمثيل، بهدف التوفير والتجارة فقط«. وهي منذ عودتها قبل أكثر من ثلاث سنوات، لم تشارك سوى في ثلاثيّة عن حياة الأديبة مي زيادة ضمن برنامج »صدفة« للكاتب أنطوان غندور والمخرج شربل كامل على »نيو تي في«، وبعض حلقات مسلسل »آية وحكاية« على تلفزيون »المنار«. وإذا كان هذا هو حالها الآن، فهي لم تكن كذلك في الماضي. آمال عفيش هي إحدى الممثلات الأكثر حضوراً ووهجاً في الدراما اللبنانيّة، توزعت مع الراحلة هند أبي اللمع والقديرتين نهى الخطيب سعادة ووفاء طربيه وسواهن أدوار البطولة التلفزيونيّة، من دون أن تؤطّر نفسها أو تسجنها يوماً في شخصيّة ناجحة عشقها جمهورها. قررت أن تنوّع في اختياراتها إلى أقصى الحدود، وإن كانت أدوار الحب هي التي وجدت القبول الأكبر والصدى الأطيب عند الناس، ورافقتها في زمن عز الدراما اللبنانيّة خلال الستينات والسبعينات. ولعل مسلسل »سحر« مع الممثل أكرم الأحمر والمخرج باسم نصر، الذي أحرز المرتبة الأولى بحسب تقييم لجنة الدراما بين المسلسلات المعروضة خلال ست سنوات وأحد أبرز الأعمال التي تعتز بها، هو الشاهد الأكبر على ذلك. وتقف إلى جانبه لائحة طويلة من المسلسلات التلفزيونيّة منها: »أبو فراس الحمداني« حيث أدت دور خولة شقيقة سيف الدولة، »حي على الجهاد« مع محمد العبادي الذي نفّذ لمؤتمر الطائف 1982، »انتظار« للمخرج أنطوان ريمي، »الغريبة« مع المخرج محمد عزازيّة، »الأبله« مع الراحل إيلي صنيفر، »وبقي الحب« لجنفياف عطا الله مع الإعلامي الراحل حكمت وهبي، »حصاد الشوك« مع الممثل الأردني روحي الصفدي، »حنين في الليل« مع سمير شمص، »أيّام وليالي« مع محمود سعيد وناديا حمدي. كما أدت الكوميديا على المسرح وفي التلفزيون. وتتحدث عن لقب »كوكيت المسرح« الذي كان يحلو للمخرج الراحل نزار ميقاتي إطلاقه عليها، بعد اشتراكها في معظم أعمال المسرح الوطني إلى جانب الراحل حسن علاء الدين (شوشو)، كما تقاسمت مع دريد لحّام بطولة مسرحيّة »قضية وحراميّة« إلى جانب فيلمون وهبي والياس رزق. وفي التلفزيون، من لا يتذكر مسلسل »الدنيي هيك« للكاتب الراحل محمد شامل، الذي عالج قضايا اجتماعيّة من واقع مجتمعنا، في قالب كوميدي ساخر وخفيف، وجمع نخبة من نجوم الكوميديا والدراما اللبنانيّة منهم الياس رزق وماجد أفيوني وليلى كرم وفريال كريم، وكان أطول مسلسل تلفزيوني في حينه. ولدت آمال عفيش في حي مار نقولا في زحلة البقاعيّة، ولم تنشأ في عائلة تمتهن الفن لا من قريب ولا من بعيد، لكنها مع ذلك عشقت التمثيل والغناء منذ الطفولة، فكانت ترافق قريبتها آمال صادر، إحدى فنانات ذلك الزمن، إلى إذاعة ال »بي بي سي«، حيث لفتت انتباه عاصي الرحباني الذي أسند إليها دوراً ثانويّاً في مسرحيّة »هالة والملك«، أدت خلاله مقطعاً غنائيّاً قصيراً، بعدما كانت قد صنّفت مطربة من الفئة الأولى في الإذاعة اللبنانيّة. تزوجت في بداية السبعينيات من المطرب السوري فهد بلان، وتشاركا خلال تلك الفترة أعمالاً عدّة أبرزها المسلسل التلفزيوني »أنا وإنت« من كتابة جورج طويل وإخراج باسم نصر في عام 1973، لكن »الظروف حالت دون استمرار هذا الزواج، فانفصلا«. في بداية حياتها الفنيّة الفعليّة، شاركت عفيش مع أديب وسلوى حدّاد في حلقات »أبو ملحم« وفي الحلقات المنفصلة المتصلة من »تحت السنديانة« مع نخبة من نجوم التمثيل والغناء منهم إيلي شويري، سمير يزبك وجوزيف عازار، وكان يبث مباشرة على الهواء إذ أن عرضه سبق مرحلة البدء بالتسجيل، وذلك بين العامين 1967 و1968. وتمكنت بملامح وجهها القريبة من أن تجذب إليها أنظار مخرجي التلفزيون بداية والسينما فيما بعد، فأسندت إليها بطولة مسلسل »زهرة الجاردينيا« مع عماد فريد ويوسف فخري. ولا تقل مسلسلاتها التاريخيّة أهميّة عن أدوارها الاجتماعيّة والكوميديّة. وفي هذا الإطار، تشير عفيش إلى مسلسل »سيف بن ذي يزن« للمخرج أنطوان ريمي الذي تقاسمت بطولته مع الممثل الأردني أسامة المشيني، وجسّدت فيه دورين أحدهما »ريحانة« والدة »سيف بن ذي يزن«، والثاني ابنتها »بسباسة« التي تتآمر مع شقيقها »سيف« على قتل »أبرهى« مغتصب والدتها، كي تجلس على العرش وتستعيد الأراضي العربيّة. أما في السينما، فأدت في الكوميديا، برفقة شريكها في المسرح الوطني شوشو، فيلم »الحب والفلوس« إلى جانب حسن يوسف وناهد شريف، واستقطبت الأنظار مع الممثل أكرم الأحمر في فيلم »وطن فوق الجراح«. لا تخفي آمال عفيش غصّتها من التهميش الذي تعانيه، فآخر إطلالتها كانت عبر إعلان صوّرته قبل نحو شهرين لمسحوق غسيل، سبقه مشاركة في مسلسل إذاعي بعنوان »روت شهرزاد الزمان« كتابة المهندس والرسام التشكيلي مصطفى العطّار، إعداد وإخراج عمر ميقاتي، وشارك في بطولته خالد السيّد، بولين حداد وحسن حمدان. تقول: »قدّمت أكثر من ألفي ساعة دراميّة، واشتغلت ما يقرب من ثماني سنوات على المسرح الوطني مع أستاذي المخرج نزار ميقاتي. وكل هذا التاريخ، لم يفتح لي بوابة الدراما بعد عودتي من أميركا، بل عانيت وما زلت من تجاهل القيّمين عن الدراما اللبنانيّة«. تضيف: »في الماضي، كنا نملك قناتين تلفزيونيتين فقط، وكنا ننتظر على كل منهما عرض مسلسل محليّ، وكان هناك مجال للإبداع، أما اليوم فكل ما نراه استنساخ برامج وأعمال مستواها أقل من عادي«.