As Safir Logo
المصدر:

سيرغي يسينين كمنجة روسيا الحزينة

المؤلف: استنبولي ابراهيم التاريخ: 2005-11-18 رقم العدد:10251

وداعاً، يا صديقي، وداعاً، حبيبي، أنتَ في صدري. إن الفراق المرتقب يعِد بلقاء فيما بعد. وداعاً، صديقي، بلا كلام ولا سلام، لا تحزن ولا تقطب حاجبيك، ليس جديداً أن نموت في هذه الدنيا، وأن نعيش، بالطبع، ليس أكثر جدّة. في 27 كانون الأول من عام 1925 راح صدى هذه الكلمات المؤثرة يتردد في جميع أنحاء روسيا... لقد كانت آخر كلمات كتبها الشاعر الروسي الوسيم وصاحب القصائد المفعمة بالروح الروسية، الممتلئة برائحة القرية الروسية والغنية باللوحات الخلابة للسهوب والغابات... الشاعر الرقيق سيرغي يسينين. لقد كان سيرغي يسينين أكثر الشعراء »روسيةً« حسب تعبير يفغيني يفتوشينكو. إذ ليس هناك شاعر آخر خرجت قصائده من حفيف أشجار البتولا، من النقر الخفيف لقطرات المطر على سطوح القش لأكواخ الفلاحين، من صهيل الخيول في السهوب المغطاة بالضباب عند الصباح، من تأرجح الأقاحي، ومن الأغاني عند سياج القرية. إن أشعار يسينين كما لو أنها لم تكتب بالقلم، بل تبدو وكأنها خرجت من تنفس الطبيعة الروسية ذاتها. لقد كانت حياته مليئة بالحنين، بالعشق، وبالخيبات... استقبل الثورة البلشفية بإيجاب، ولكن ببرودة وعلى طريقته، بحيث أنه ظلَّ متمسكاً بكل ما هو روسي. وبالرغم من النجاح الهائل الذي حققه، والحظوة الكبيرة التي نالها فقد بقي يحن إلى الروح الروسية الغنية بالجمال وبالبساطة، التي طالما تغنى بهما في أشعاره... ولم تستطع روحه مقاومة الكآبة العميقة التي هبطت عليه، مما اضطره إلى أن يضع حداً لمعاناته... لينتحر حسب الرواية الرسمية... ولكن يوجد من يعارض هذه النظرية... وهذا محور ما يتحدث عنه معرض الصور الفوتوغرافية »حياتي الطائشة...«، الذي افتتح في موسكو والمكرس ليوبيل الشاعر مرور 110 سنوات على ولادته... وتظهر في المعرض صور الشاعر يسينين محاطاً بأصدقائه الأدباء: اناتولي مارينهوف، زينائيدا رايخ، آيسيدورا دونكان، فسيفولد مايرهولد... وغيرهم. كما ضم المعرض لقطات من المسلسل التلفزيوني »يسينين«، الذي بدأ عرضه في 31/10/2005 ويشارك في تمثيل الأدوار الرئيسية فيه نجوم السينما الأميركية شون يانغ وهاري بيوزي وذلك إلى جانب كوكبة من الممثلين المعروفين في روسيا: كونستانتين هابينسكي، غوشا كوتسينكو، اندريه رودينسكي... وغيرهم. ويعتمد الفيلم على كتاب الكاتب فيتالي بيزروكوف »سيرغي يسينين«، الذي صدر بالتزمان مع يوبيل الشاعر... وفيه يبرهن المؤلف أن يسينين لم ينتحر، وإنما قُتِل... واللافت للنظر هو أن هذه الفرضية تلقى قبولاً في أوساط الرأي العام الروسي أكثر مما تلقاه فرضية الانتحار الشائعة والتي كانت قد وردت في الأدبيات التاريخية الرسمية. هذا وتجد الفرضية القائلة بقتل الشاعر دعماً من قبل ممثلي مختلف الأوساط الفنية والسياسية... فقد صرح رئيس مجلس الاتحاد سيرغي ميرونوف: »... إن هناك غموض كبير لا زال يلف موت الشاعر يسينين، ولذلك من العدل أن يطرح موضوع إعادة التحقيق...«. أما المحقق في فرع الأمن الجنائي في موسكو إدوارد خليستالوف فقد قام و بمبادرة شخصية وعلى مسؤوليته الخاصة بإجراء تحقيق حول نفس القضية... وأمضى آخر سنوات عمره في سبيل الكشف عن الحقيقة... وقد اعتمد الكاتب بيزروكوف في كتابه المذكور على نتائج تحقيقات خليستالوف إياه. وللعلم، كان الشاعر سيرغي يسينين قد وجد في الغرفة رقم خمسة من فندق »أنغليتير« (انترناسيونال في حينه) وذلك في 28 كانون الأول من عام 1925... وبعد أن تم خلع الباب وجدوا جثة الشاعر معلقة بحبل إلى أنبوب التصريف الصحي تحت السقف مباشرة... وكانت توجد على الطاولة ورقة كتبت فيها تلك الكلمات، التي وردت في بداية هذه المقالة. ويُعتقد أن الكلمات موجهة إلى الشاعر الشاب فلاديمير آيرليخ، الذي كان أول شخص يدخل الغرفة. وقد أكد آيرليخ أن يسينين كتب كلماته الأخيرة بالدم... وبالمناسبة، لقد تمت المحافظة على الورقة الأصلية، ولكن أحداً ما أحاط الكلمات بدائرة مما يجعل رؤية اللون الأصلي للأسطر مستحيلا. لم يُجرَ في حينه أي تحقيق، بل اكتفت سلطات المدينة بالضبط، الذي رفعه الشرطي المناوب في الحي نيكولاي غوربوف. والسؤال هو: من كانت له مصلحة في موت يسينين؟ كان يسينين يتجنب دائماً الخوض في السياسة، وقد كانت حياته ملتهبة كما الكحول المشتعل على الثلج. وحسب وجهة نظر معارضي الفرضية الرسمية، فقد تم التخلص من يسينين بسبب آرائه المعادية للسلطة السوفياتية وبسبب مواقفه القومية. جاء في ضبط الشرطة: »في دائرة الفرع الثاني للشرطة، في فندق »انترناسيونال«، انتحر عن طريق الشنق المواطن ديسينين سيرغي، 30 سنة. تم نقل جثته إلى مشفى البروفيسور نيتشاييف«. حتى أنهم قاموا بتحريف كنيته! فكتبوا ديسينين وليس يسينين. هكذا انتهت مسيرة شاعر صاحب قلب مرهف وروح معذبة ورقيقة حدّ اللامعقول، كما هي رحبة وخلابة سهوب روسيا وغاباتها، وكما هي رقيقة نسمة ربيعية تعبر فوق الأرصفة وأشجار الصفصاف في مساء ساحر ولكنه كئيب... إنه المساء. على الخبيز يلمع الندى. متكئاً إلى صفصافة، أقف على قارعة الطريق. ضوء غامر ينبعث من القمر وينسكب على سطحنا مباشرة، وفي مكان ما في البعيد أسمع غناء عندليب. راحةُ بال ودفء، كما لو قرب الموقد في الشتاء. وأشجار البتولا تنتصب كشمعات كبيرة. وبعيداً وراء النهر، خلف حدود الغابة، يُرى حارسٌ وسنان وهو يضج بعصاه الميتة! ××××××××× في القفقاس »بارناس1« الروسي منذ القدم يتوق لبلدان غريبة، لكن أنت فقط، قفقاس، الأكثر من اشتهر بضباب كله أسرار. هنا بوشكين، في نار الشهوة، نظم من روحه المقهورة: »لا تغنّ، أيتها الجميلة، بحضوري أغاني جورجيا الحزينة«. ليرمنتوف، وهو يعالج الكرب، قصَّ علينا عن أظامات2، كيف أنه لقاء حصانه كازبيتش أعطى الأختَ بدلاً من الذهب. لأجل الحزن في عينيه والمرارة هو جدير بغليان الأنهار الصفراء، إنه، كشاعر وكضابط، أسكتته رصاصة من صديق. ...... ...... والآن إلى رحابك أتيت أنا، ولا أعرف الأسباب: هل لأبكي قبور الأهل أم بحثاً عن ساعتي الأخيرة. لا فرق عندي! فأنا مفعم بذكراهم، وقد رحلوا عظاماً. لقد بلسم آلامهم ضجيج وديان(ك) و أنهار(ك) الموحشة. هربوا من الأعداء إلى هنا ومن أصدقائهم هربوا، فقط ليسمعوا وقع الخطى وأن يروا من قمم الجبال الآماد البعيدة. ...... ...... ...... سامحني، يا قفقاس، لأنني ذكرتهم لك من غير قصد، اجعلْ كي تسيل أشعاري الروسية كعصير الزعرور. لكي، إذا عدتُ إلى موسكو من جديد، استطيع بقصيدة رائعة أن أنسى الكرب الزائد ودون أن أتصادق إلى الأبد مع الآلهة. ولكي أكرر في ساعة الوداع أمراً واحداً في بلادي: »لا تغنّ، أيتها الجميلة، بحضوري أغاني جورجيا الحزينة«. 1 بارناس Parnasse: في الأسطورة اليونانية هو مكان سكن أبوللون وموزا... وتستخدم الكلمة كناية عن تجمع أو مجموعة من الشعراء. (المترجم) 2 أظامات: أحد أبطال رواية ليرمنتوف »بطل من هذا الزمان«.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة