تستقبل بيروت جاك رانسيير للمحاضرة في »بعض مفارقات الفن السياسي« (ضمن »أشغال داخلية - 3«، نهار الاثنين القادم، في مسرح المدينة). انها المناسبة للتذكير بأن فيلسوفاً بقامة جاك رانسيير لم تترجم الى العربية غير نتف قليلة من أعماله. هي المناسبة أيضاً للكتابة عن جاك رانسيير، على سبيل النبذة أو التوطئة، وينبغي الاعتراف هنا بأنها كتابة تحرّكها الألفة مع البدايات الآلتوسيرية لجاك رانسيير. لم يكن عمره يتجاوز الخمسة وعشرين عاماً حين شارك المعلم التوسير، والتلامذة الآخرون باليبار وماشيري واستابليه في »قراءة رأس المال« (1965)، وساهم في هذه الورشة الحدث يومها، من خلال تناوله مفهوم »النقد« الحاضر في كل أعمال ماركس، والذي استخدمه ماركس في كل لحظات تطوره لتوصيف نشاطه الفكري، منتقلاً من مرحلة شبابه حيث ارتبط استخدام مفهوم النقد عند ماركس بتصوره لتجربة كانت تخوضها الانسانية بطريقة عمياء وبات من الممكن في القرن التاسع عشر أن تستوعب التجربة نفسها. هنا، يكون النقد بمثابة »القراءة«، أي النظر الى »التجربة« كنص منطوق، منسوج من تناقضات، على اعتبار أن التناقض هو الشكل الذي من خلاله تعطي التجربة الانسانية امكانية تعرفها على تطورها. عنى النقد عند ماركس الشاب مهمة قول التناقض، واحالة كل تناقض فرعي الى اغتراب كلي وأعمق. فالذات تعبر عن محمولاتها من خلال موضوع خارجي، وفي حال الاستلاب يصير هذا الموضوع غريباً، فينتج من ذلك أن تغترب ماهية الانسان نفسها وتنشق عنه وتنتقل الى كائن غريب يقوم بقلب العلاقة الأولى، فيصير ذاتاً ويضحي الانسان موضوعاً له. أما في مرحلة نضوج ماركس والقطيعة مع الاناسية الفويرباخية، فكان على التلميذ الآلتوسيري المجتهد أن يتبصر التبدل في مفهوم »النقد«، من خلال تأسيسه على »استحالة« الاقتصاد السياسي، وقيام هذا الاقتصاد السياسي عند سميث أو ريكاردو على قاعدة تغييب أهمية التمييز بين الرأسمال المتغير والرأسمال الثابت، والذي ابتداء منه يجري استبعاد المقاربة التاريخية للرأسمالية كنمط انتاج محدد تاريخياً. ولم يكن بمقدور ماركس أن يتيح امكانية الاقتصاد السياسي كعلم دون أن يطرح مشكلة امكانية العلم نفسه، أي علاقته بالشروط التاريخية لامكانه. ولم يحلها ماركس الناضج، كما بيّن رانسيير الشاب، باللجوء الى الموازاة بين تطور تناقضات نمط الانتاج الرأسمالي وبين تطور نقده، وانما من خلال افتراضه بأن النقد العلمي لهذا النمط يكون ممكناً ابتداء من اللحظة التي يدخل فيها نظامه في »أزمة«. بدلاً من الربط الأول بين »النقد« وبين »الانشقاق« (اغتراب الماهية عن الانسان بصيرورة الشيء الخارجي، السلعة، ذاتاً، وصيرورته موضوعاً لها)، فقد جاء الربط الثاني بين مفهوم »النقد« وبين مفهوم »الأزمة« والذي يستدعي بدوره مفهوماً جديداً للتاريخ. يومها، كان رانسيير الشاب مبهوراً بنصوص ماركس، ثم بشخصية وخطاب لوي آلتوسير، الا أن نصه، وتحديداً امكانية مقارنة ماركس من خلال مفهومي الانشقاق والأزمة، لم يفقد بريقه الى الآن، ولو أنه كان يندرج ضمن هذا المشروع الطموح، والمجنون، في تحويل »الماركسية« من تراث فكري الى نظرية حقة، وهو مشروع رأى رانسيير في ما بعد أنه يفصل بين السياسة والأيديولوجيا ويصور الفاعلين الاجتماعيين كما لو أنهم يجهلون أوضاعهم، ولم يلبث حتى ابتعد عن المنظار الآلتوسيري، وكان الوحيد من بين الحلقة المساهمة في »قراءة رأس المال« عام 65، الذي أقدم على »قتل الأب«، فكتب »عبرة آلتوسير« (غاليمار، 1970) الذي حمل فيه على الالتباس السياسي للمعلم، وعاب عليه بقاءه داخل الحزب الشيوعي رغم ما يجاهر به من اختلاف مع هذا الحزب. بيد أن رانسيير، وكما يشدد التوسير نفسه في »المستقبل يدوم طويلا« لم يهجر الحزب الشيوعي خيانة للطبقة العاملة، بل على العكس، من أجل قضاء أعوام طويلة في البحث عن التعبيرات الأولى للحركة العمالية. سنوات وهو ينقب في ارشيفات الفكر العمالي بالقرن التاسع عشر. كان همه في الأول ايجاد نوع من الفكر العمالي المستقل بذاته عن الفكر الماركسي، ثم تبين له أن الموضوع لا يطرح بهذه الطريقة، ذلك أن الحركة العمالية ولدت أساساً كحركة مشغولة بالأفكار، من تجربة أفراد عمال وصناع، غير مشغولين بمعرفة الأهداف التاريخية وما شابه، وانما بامكانية عيش حياة أخرى متوازية مع تلك التي يقاسونها. لم تولد الحركة العمالية كحركة »وعي بالمصالح التاريخية التي تخص طبقة« لكنها ولدت كحركة فكرية لأولئك الذين أرادوا تجاوز العالم المعتم الذي وضعوا فيه، من خلال الاهتمام بمسائل أخرى ليست مرتبطة بالضرورة بقضاياهم الخاصة، كما كانت علاقتهم باليوتوبيا ملتبسة هي الأخرى فكانوا أقل انشداداً الى التصورات الملموسة لليوتوبيين، وأكثر تسييساً لليوتوبيا المقترحة عليهم والتي كانت تدعي الخروج من السياسة، فيما كانوا هم يتعلمون شيئاً فشيئاً أن ليس من سياسة دون تجاوز حدودها، وهنا يكمن الفارق بين السياسة (تجاوز الحدود) وبين الشرطة (حدود الممكن). أما خطاب ماركس فغدا رانسيير ينظر اليه كنموذج للالتباس الأقصى، حيث نجد من جهة خطاباً يؤكد القدرة الخاصة للمعنيين اجتماعياً بالانعتاق، فيما نجد من جهة أخرى الاصرار على أن الفاعلين الاجتماعيين لا يعرفون معنى ما يفعلون، وأن المعنى مقيم في مكان آخر، بل أنهم كلما كانوا يفعلون كلما كانوا يتناقضون مع امكان توضيح وضعهم. ليل البروليتاريين بهذا التوجه، كتب جاك رانسيير اطروحته »ليل البروليتاريين: ارشيفات الحلم العمالي« (فايار، 1981)، وهو عنوان خال من أي استعارة مجازية. الليل هنا ليس مرادفاً لشقاء عمال المانيفكتورة، بكل هو بكل بساطة، ليل الراحة الذي يفصل بين يومي عمل، والذي وفد عليه بضعة عشرات فمئات من الصناع في ربيع عمرهم، في حوالى ثلاثينيات القرن التاسع عشر، وأخذ كل من هؤلاء على عاتقه عدم تحمل ما ليس بالمستطاع تحمله، وليس يقصد البؤس هنا، ولا الأجور المنخفضة، ولا المساكن التعيسة، ولا الجوع المداهم، وانما قبل كل شيء، الوقت المسلوب. عندها كان يمكن أن يحدث في مساء تشرين الأول من عام 1839 مثلاً أن يتلاقى بعض الصناع عند حائك من معارفهم لاصدار منشور أو للقراءة أو لنظم الأغاني. حاول رانسيير في »ليل البروليتاريين« سرد قصة هذه الليالي الأولى المنتزعة من التعاقب »الاعتيادي« للعمل والراحة حيث بدأ يتجهز الحلم، ويعشعش المستحيل، متلقفاً مصائر البعض من هؤلاء الرواد ممن كان يستهلك الليل حتى ساعات الصباح الأولى في مثل هذا »الجنون«، وهو جنون أوصل البعض منهم الى التحرر لاحقاً من كونهم مستخدمين وصناعاً، في حين أوصلت الخيبة بعضهم الآخر الى الانتحار، ومنهم من انتهى في مصر المحروسة، أو قضت عليه الملاريا وهو ينشد تعمير »الايكاريا« في تكساس. لكن ما الذي تمثله هذه الحفنة، قد يتساءل المؤرخ الافتراضي، خاصة ان قابلناها بأولئك المجهولين من عمال المصانع أو حتى بالنسبة الى مناضلي الحركة العمالية بالمعنى المكتمل للكلمة؟ ما وزن أشعارهم ونثرهم (الجرائد العمالية)؟ يرى رانسيير أن هذا السؤال في المنهج يدمج الدهاء بالسذاجة، لأنه يفترض مسبقاً أن الجماهير وحدها هي التي تصنع التاريخ، وأن من يتحدث باسمها يمثلها بأمانة. يُقتضى اذاً اعادة تعريف ما السياسة. السياسة والسلطة في مرحلة كثر فيها حديث النهايات، نهاية كل من التاريخ والسياسة واليوتوبيا والأيديولوجيا، يقدم كتاب جاك رانسيير »على ضفاف السياسة« (1990) قراءة مغايرة، تقوم بالدرجة الأولى بتعطيل التمييز المعهود بين »السياسة« la politique وبين المستوى »السياسي« le politique، في حين تحرص على تجذير الفصل بين أسلوب تفكر السياسة وبين أسلوب تفكر السلطة. يخالف رانسيير تلك النظرة التي تعيد السياسة إما الى الصراع من أجل السلطة واما الى ممارسة السلطة. عنده أن السياسة ليست فن ادارة الجماعات أو المجتمعات، أو اعادة توزيع الخيرات والسلطات بين الجماعات الاجتماعية. السياسة ليست السيطرة ولا الادارة، وانما هي تبدأ مع تشكل الذاتيات. يقطع رانسيير مع الفكرة التي مختصرها أن السياسة في ماهيتها ادارة للمشترك، بمثل ما يقطع مع كل تصور ينظر الى الديموقراطية بعين الوفاق أو التوافق. يذكرنا بأن »الديموس« من عامة أثينا اخترعوا السياسة عندما »ادعوا« مساواتهم بالأغنياء وأرادوا بعد ذلك »التحقق« من افتراضهم الأول. السياسة هي فعل الاستثناء بالنسبة الى المعايير والقواعد المعتمدة لتجميع أو قيادة الجماعات البشرية. الشائع أن تترادف السياسة والسلطة. كل الأحزاب السياسية تريد السلطة، أو على الأقل المشاركة بغية تحقيق ما تخاله سياسة. هذه الرؤية هي التي توصلنا الى انمحاء السياسة. للحؤول دون استتباب الأمر للفكر المنظر لهذا الانمحاء، يفرق رانسيير على طول الخط بين »الشرطة«، ليس فقط بمعنى القمع أو المراقبة الاجتماعية ولكن من حيث هي نشاط ناظم لتجميع الكائنات البشرية في مجتمع وتنظيمها في وظائف ومراكز وألقاب ينبغي ملؤها، وبين »المساواة« بما هي لعبة الممارسات المتحركة بحسب افتراض مساواة أي كان مع أي كان، والالتزام بعد ذلك بالتحقق من هذا الافتراض، وطرح موضوعة تحقيقه، أو ما ندرجه في خانة خطاب وممارسات »الانعتاق«. أما السياسة فهي سيرورة تنمية الذاتيات من خلال التصادم المثابر بين سيرورتي »الشرطة« و»المساواة«، فمن جهة أسس أرسطو السياسة على صفة الكائن المتكلم القادر على مناقشة ما هو حق وما هو باطل، في مقابل الحيوان الذي يكتفي بالتعبير عن ألمه ولذته، ومن جهة أخرى يتأسس مبدأ »الشرطة« على تقسيم الانسانية بين اولئك الذين »يعرفون« واولئك الذين يقال إنهم يظهرون احتقاناً أو يبرزون انزعاجاً. في هذا التواجه المستديم تقول السياسة ما »الوضع«، أي في ماذا تضر الشرطة بالمساواة، والمساواة عند رانسيير هي الكوني السياسي الوحيد. ليس معنى ذلك أن العدالة متأصلة كقيمة في النوع البشري كالفطرة، بل هي افتراض ينبغي التحقق واثباته في كل حالة مأخوذة بافرادها، على غرار عمال القرن التاسع عشر الذين تساءلوا ما اذا كانوا مواطنين كالآخرين، أو الحركات النسوية التي أرادت أن تعرف ما اذا كانت حقوق الانسان تشمل أيضاً المرأة. ثمة دائماً عملية استفزاز وتعرية هي شرط تمكين الذتينة subjectivation أي سيرورة انشاء الذات. والذتينة السياسية عند رانسيير هي عملية تنشيط لسؤال المساواة، أي عملية تبديد التصنيف والهوية. فالفعل السياسي يفترض مطالبة قوية ويستدعي مساءلة للهوية التي تكون المطالبة ابتداء منها. فالعبد لا يطالب بالحرية كي يبقى عبداً، ولا المهاجر يطالب بحق التصويت كي يبقى مهاجراً. ليس من سياسة ما لم تكن هذه السياسة قادرة على كوننة ما يجري تناوله بالافراد في هذا الوضع أو ذاك، ليس بالتأليف أو التوفيق بين القوى، وانما بانشاء ذاتيات سياسية تبتغي كوننة النزاع، »فالسياسة هي النزاع بقدر ما يأخذ الأخير وظيفة كونية«. وهكذا فان الديموقراطية هي رؤية قائمة على التعارض مع كل نزعة توافقية، فليس باثبات صوابيتك يهزم الآخر. يعود رانسيير الى المنبع الإغريقي للمدينة ليس ليتخذ منه مصفوفة للديموقراطية وانما ليذكرنا بأن »الديموس« اليوناني كان اسماً لقسم من المجتمع، فقرائه، قبل أن يكون اسماً للمجتمع ككل، والفقراء هنا ليس فقط بالمعنى الاقتصادي، وانما بمعنى كل الذين لم يكن يحتسب لهم، بالمعنى الحرفي للمصطلح، من ليس لهم حق الكلام. الديموقراطية هي اذاً كلام من ليس لديه الحق في الكلام. ليس هناك ديموقراطية لمجرد أننا نعلن الأفراد متساوين والمجتمع سيد نفسه، فالديموس ليس جمعاً لشركاء اجتماعيين ولا تأليفاً للاختلافات، بل هو أساساً ذاتية سياسية تتشكل في التنازع. على هذا النحو يوجد رانسيير مساحة للحديث عن العلاقة المأزومة والمتداخلة بين الديموقراطية وصراع الطبقات، فهو يعلن أنه أياً كانت قوة الديموقراطية في محاولة تقنين هذا الصراع، وأياً كانت اندفاعة صراع الطبقات في فضح الديموقراطية، فقد أضفى كل منهما ثقافته على الآخر، والمثال الأمضى عند رانسيير هو الحركة العمالية التي أضفت مسحتها على الديموقراطية الغربية ككل في القرن العشرين. الديموقراطية لكن أين نحن الآن من هذه الديموقراطية؟ كيف يمكن تفكر الديموقراطية في الوقت الذي تزف فيه نهاية السياسة، نهاية السياسة اما لأنها تحررت من أوهام التاريخ، واما لأنها بلغت الحد الذي ليس بعده حد في التاريخ. بخلاف الرائج من هذا الأفكار، يشدد رانسيير على أن السياسة لا تعرف استناداً الى استذكار أسسها أو تنسيب أصولها، وانما استناداً الى بلوغ حدودها، والنظر اليها من ضفافها، وأخذها من التخوم. في التصور الذي يمحو السياسة، تعاد الأخيرة الى طبيعتها »الادارية« لمصالح المجتمع، وتتاح المماثلة بين الضبط الدنيوي للدين (العلمنة) وبين الضبط الدنيوي للسياسة (تحت شعار نهاية السياسة). انتهت السياسة حينما لم تعد بحاجة الى أهداف عليا، وباتت تكتفي بذاتها، متحررة من الهوى القاتل للمساواة، ومؤثرة التواضع. بيد أن هذا التواضع، هذا الانمحاء للسياسة بفك السحر عنها، بعث البدائية السياسية أو »عودة الغابر«. مرة أخرى يعود رانسيير الى أرسطو، الذي سبق له أن وصف بعض الطغاة الخيرين ممن كان يحكم بتدبير، بحيث يوزع الفقراء بين الأرياف، ويوزع الأرض في ما بينهم، مغنياً اياهم عن الاهتمام بالمسرح السياسي للمدينة. يذكرنا رانسيير بأن محاولات »نزع التسييس« أو تجزئته هي أقدم مشغلة عرفها فن السياسة، وأن هذا الالغاء ارتبط تاريخياً باسم التوافق، والتوافق هذا ليس مناقضاً لعدم الاتفاق، بل انه اغتيال للتخالف dissenssus، واختزال للسياسة الى الشرطة. يرتبط ذلك عند رانسيير مع مناقضة كل من كلاوزفيتس (الحرب هي استمرار للسياسة بوسائل أخرى) وفوكو (السياسة هي استمرار للحرب بوسائل أخرى). عنده أن الحرب ليست شكلاً آخر للسياسة وانما هي الغاء للسياسة. ورانسيير يعيب على فوكو أنه يحبس السياسة في مسألة السلطة. لم يهتم فوكو بالسياسة أبداً، وانما انشغل بالسلطة الحيوية، أو الحيا سلطة biopouvoir، وكانت »الحياسة« biopolitique طريقة لتفكر السلطة وسيطرتها على الحياة، من خلال الاشتغال على الأجساد أو على السكان. كما أن جاك رانسيير يبقى متحفظاً على مآل الحياسة هذه عند انطونيو نيغري، الذي ابتغى تفكر »الكثرة« multitude وطرح هذه »الكثرة« كبديل مزدوج عن مقولتي الطبقة العاملة وعن الشعب، من حيث إنها كثرة خلاسية متعددة لمختلفين، ولا يمكن تفكرها الا في تجاوز لمنطق الدولة الأمة وفي ظل »الامبراطورية« كشكل ما بعد حديث للسيادة السياسية. بخلاف نيغري، يستعيد رانسيير مفهوم »الشعب« ويعتبر أنه الاسم المصدري لسيرورات الذتينة، فالسياسة هي دائماً شعب ضد شعب آخر، والشعب اسم لذات سياسية، أي أنه لا يختزل الى منطق احتسابي للسكان، وبالتالي فهو يأخذ مسافة من كل فكرة ترى الى »الشعب« على أنه تجميع لأجزاء، كجسد جماعي في حركة، كجسد مثال يتجسد في السيادة. تفترق »الكثرة« عن الشعب، بحسب رانسيير، في أن الفكر التي يطرح الكثرة كبديل أفهومي وحركي انما يقوم بجوهرة الافتراض المساواتي، جاعلاً من واجب الكثرة المتحققة التعبير عن الكثرة الأنطولوجية التي هي سنة الكينونة وشرعتها، بما يقود الى اختزال الاستثنائية السياسية الى أنطولوجيا »الكون في المشترك« التي تتأسس عليها دعوى نيغري، ولا ينسى رانسيير أن ينبه الفيلسوف اليساري الايطالي بأن عالم اليوم لم يتجاوز الدولة الأمة بل ضاعف عددها، وقوى أجهزتها السياسية والشرطية، أما »حركات الترحال« التي يتغنى بها نيغري وهاردت في »الامبراطورية« على اعتبار تجسيدها لحلم الكثرة المشاعية، فإن رانسيير يكتفي بالتذكير حيالها بأن هؤلاء سكان مطرودون بالعنف من دول أمم.