تعالوا الى وادي خالد في أحد نهاراتها. أولادها، حيث يصل معدل أفراد الأسرة إلى ثمانية كحد أدنى، يملأون الطرقات المحفرة، قلة تلعب فيما تجندت ألأغلبية للقيام بمهام الكبار... بعض الأعمال الزراعية، المساعدة في المحال التجارية، نقل الماء إلى المنازل العطشى، العمل بالأجرة أو المساعدة في تهريب سلعة عبر الحدود اللبنانية السورية... المحصلة: لا أحد في المدرسة. »لم تفتح المدارس الرسمية في وادي خالد أبوابها حتى اليوم«، يقول الاختصاصي في التنمية الاجتماعية مشهور عبيد من قرية قرحا في أعالي الوادي. تنتظر العائلات أحد الفرجين: إما أن تعفي الدولة »الشعب الفقير« حتى من رسم الثلاثين ألفا أو أن »يتنطح« بعض السياسيين الى دفع الرسوم عن الجميع! ينفتح وادي خالد على سوريا بكل ما تحمل الكلمة من معنى، تستريح معظم قراه المعدومة على ضفاف النهر الكبير بشريط حدودي أخذ من السهل يسر العبور والتنقل، فيما أقفلت دولتهم، تلك التي لم تعترف بجنسيتهم إلا في منتصف التسعينيات من دون أن تلتزم بمترتبات هذا الاعتراف... حرصت دولتهم على تحصيل حقوقها وأدارت الظهر عن واجباتها. وللعلاقة القديمة مع سوريا تاريخها في هذه المنطقة، فلا تأثر سلبيا على صعيد تفكير وآراء الناس بالظروف السياسية التي شهدها لبنان في الفترة ألأخيرة. ولم تزل بعض منازلها تحتفظ بصورة للرئيس السوري بشار الأسد. وللباب الحدودي الشرقي تاثيراته وفي المقدمة منها تأتي اللهجة المطعمة بالسورية والعملة التي يشهد تصريفها نشاطاً ملحوظاً »بقبض معاشي من هنا وبقلبه إلى سوري من هناك«، يقول سعدون الموظف، »لأن كل احتياجاتنا من سوريا«. هذه الاحتياجات أصبحت صعبة المنال اليوم، مع ارتفاع الساتر الترابي بين سوريا ولبنان بعد أن سبقه الساتر السياسي، وما بين الستارين حوصر أهالي سكان المناطق الحدودية من الجهتين، فيما تجاوز طول الساتر الترابي الذي تزنر فيه الدولة السورية حدودها حتى أول من أمس طول 25 كيلومتراً مغلقاً الحدود الشمالية غير الرسمية على امتداد العديد من قرى وادي خالد وعلى رأسها قرحا. ومن بعض قرى الوادي يمكن مراقبة تمسك المواطن بلقمته ومصدر عيشه، فعلى الرغم من ارتفاع الساتر الترابي حوالى ستة أمتار، لا يتعب رب الأسرة من »دحرجة« قارورة الغاز عبر الساتر من الناحية السورية وصولاً إلى رأس الساتر ومن ثم تركها تتدحرج إلى حيث ينتظره ابن أو زوجة أو رفيق درب ولقمة عيش. وعلى طول الساتر أيضا لم يزل هناك بعض الإمكانية للاستفادة من الفجوات التي لم يصلها العمل للدخول والخروج على الدراجات النارية أو »التراكتورات« وكذلك الدواب وبعض المطيات الأخرى.. للاسترزاق ببعض السلع التجارية. ولطبيعة وادي خالد المحاصرة بالتلال والجبال شروطها الخاصة للتنقل، فمع غلاء البنزين والمازوت وازدهار التهريب قبلاُ ثم حصاره اليوم. ازدهرت تجارة الدراجات النارية وشكلت مصدر رزق لعدد لا بأس به من الأهالي، تدل على ذلك محلات عرض أو تجميع هذه ألآليات وبيعها على طول الخط الرئيسي للوادي. ومن كثرة محلات الدراجات النارية وعديدها تدرك أن السوق الرئيسة لا تقتصر على الوادي والقرى المحيطة، على كثرة ركابها فيها، وإنما السر في السوق السورية. ويقول أحد التجار ان سعر »الموتوسيكل« نفسه، ولكن النسخة اليابانية منه، يصل إلى حوالى ألفي دولار أميركي في سوريا »بينما نبيع الصيني هنا بأربعمئة دولار، والطلب كبير«. ل»الموتوسيكل« وظيفة مزدوجة في الوادي وقراه، هو وسيلة النقل الرئيسة المتوفرة لمعظم العائلات وبسعر مقبول، عليه ينقل بعض أبناء الوادي أبناءهم للتعلم في الداخل السوري أو للطبابة كما جرت العادة منذ القديم وحتى اليوم.. وعبره ينفذ رب الأسرة بقارورة الغاز أو صفيحة المازوت ويعود إلى أسرته موفراً ما لا يقل عن خمسة وعشرين ألف ليرة لبنانية، وقد يأتي بثلاث صفائح مازوت فيبيع اثنتين ويحتفظ بالثالثة. قليلة هي السيارات التي تقصد الوادي أو تستوطن فيه، فعلى مد العين والنظر بطول قرى الوادي التي تفوق العشرين قرية، قلما تشاهد سيارة عليها هيئة السيارات، هنا أخلي المسرح للدراجات النارية و»الفانات« التي اتخذها أبناء الوادي مصدر رزق عندما شرعت الدولة العمل على المازوت. استدان شباب الوادي حافلات النقل من الشركات والمصارف وعادت الدولة عن قرارها بقرار مضاد وقضت على مدخولهم الذي لم يكن قد رد كلفته بعد وشدت الخناق عليهم مجدداً. ولقرى الوادي خصوصية حدودية قلما تتمتع بها مناطق أخرى.. هناك لا تحتاج إلى السير مسافات طويلة لكي تصل الحدود، عليك أن تقطع النهر وتصل موقف الحافلات السورية لتصبح في الداخل السوري بعد وقت قصير، وهناك يتطبب العاجزون عن دفع بدل »فحصية« الطبيب حتى في بعض المستوصفات، وخصوصاً شراء الأدوية التي يقل سعرها في سوريا أكثر من عشرة أضعاف عن لبنان في حالات كثيرة. يعطي ابو سعدون، مشهور عبيد، بعداً ديموغرافياً إيجابياً وأساسيا لحدود قرى وادي خالد مع سوريا »حركة التجارة والاستفادة من دخول سوريا هي التي ثبتت الناس في قراها، يعني خففت الضغط على المدن وخصوصاً العاصمة« مشيراً إلى أن اللبناني يتزود ليس فقط بالدواء من سوريا وإنما بالخضار والفواكه واللباس وأدوات التنظيف »حتى المحلات تأتي بمعظم بضائعها من هناك«. وفي قرى الوادي على كثافة سكانها واتساعها لا يتجاوز عدد الهواتف اللبنانية النقالة أصابع اليد الواحدة »والباقي سوري«، يقول أبو خالد مشيراً إلى أن كلفة الخط السوري هي 950 ليرة سورية ويخدم ثمانين يوماً بسعة 135 وحدة اتصال، بينما يتضاعف السعر في لبنان »ومانقدر نتصل مطرح ما بدنا«. تقف في أعالي قرية القرحا اللبنانية, فترى بحيرة حمص كالصحن مسترخية تحت ناظريك لتمنح المشهد المدى المائي الذي يخفف من فقر الأرض التي تقف عليها. من هناك وعبر الساتر الترابي الذي تشيده سوريا كانت مياه الثلوج والأمطار تأخذ طريقها إلى قلب الأراضي السورية، تساهم في رفع منسوب البحيرة مجنبة السهول اللبنانية ضرر الاحتقان والفيضان:»ماذا سيحصل لحقولنا، وأين هو الحل«، يقول أبو يوسف وهو يعد حقله لموسم الشتاء، من دون أن يلقى جواباً »بركي شي تصريح سياسي بيفتح لي مجرى للمي«. من النهر الكبير إلى البقيعة التي يتعلم معظم أبنائها في سوريا يتعمق الارتباط بين جهتي الحدود وترتفع نسبة الاندماج، ومن هناك كان أحد سكان بلدة المشارفة السورية أو المشيرفة (كما يسميها البعض) يعبر الحدود للوصول إلى الجهة اللبنانية.. جهاد شاب لبناني، يقطن في سوريا، حيث تقطن أكثرية أبناء بلدته من المنتمين إلى طائفتي الروم الأرثوذكس والعلويين في لبنان وهم ينتخبون في البقيعة اللبنانية. مع الساتر الترابي وإغلاق النقاط الحدودية العفوية والطبيعية بين البلدين سيصبح على سكان المشارفة وجهاد من بينهم قطع ما لا يقل عن خمسين كيلومتراً للالتفاف حول الحدود والدخول إلى لبنان حيث يعملون ومن ثم العودة إلى ديارهم في سوريا. في بداية العام 1976 اشترى ابو سعدون عبيد منزلاً إسمنتياً في وادي خالد، يومها لم يكن عدد المنازل يتجاوز أصابع اليد، فيما إنتشرت بيوت الحجر المعروف ب»الغشيم« من الخارج والمطلية بالطين من الداخل (وهو حجر من الطبيعة ليس له شكل أو لون واحد) والمسقوفة إما بالقش أو الشادر وكانت تعرف ب»الدامة«، كما يقول عبيد. حلت الثمانينيات وجاءت طفرة تجارة التهريب إلى سوريا وازدهر الوادي وعرف حركة إعمار ومنازل كبيرة ولكن فرحة أهله ظلت منغصة بفقدان الجنسية اللبنانية والاعتراف بحقهم فيها. جاءهم العام 1994 بالجنسية وأخذ معه نجم التهريب إلى الداخل السوري بسبب سياسة الانفتاح الاقتصادي السورية تدريجياً.. لم تجلب الجنسية وظائف وإنماء بل مجرد واجبات وبقي أهالي الوادي يعتمدون على سوريا في تسوقهم وحاجياتهم وتعليم العديد من اولادهم وخصوصاً في الطبابة، وعلى طريقهم دخلوا خط التهريب المضاد من سوريا إلى لبنان. اليوم عادت لعنة الزمن تحاصر الوادي المقفل أمام الإنماء.. أغلقت سوريا حدودها بساتر ترابي والدولة اللبنانية لم تفتح ستاراً بينها وبينهم على طول تاريخ علاقتهم معها، فأين المفر؟.