As Safir Logo
المصدر:

حرائق فرنسا بين مصيرين: عزوز بغاغ... أو خالد قلقال

المؤلف: كليب سامي التاريخ: 2005-11-09 رقم العدد:10243

عزوز بغاغ ابن مهاجر جزائري صار وزيراً مكلفاً ب»تكافؤ الفرص«. وخالد قلقال مهاجر جزائري صار إرهابياً قتلته الشرطة الفرنسية. الاول أنقذته المدرسة، والثاني قتلته المدرسة، الاول قتل تاريخه واخترع مستقبلاً مشرقاً، والثاني غرق في تاريخه حين نبذه الحاضر فقتله التاريخ. إنهما نموذجان لشبان الجيل الثاني من المهاجرين المغاربة جديران بالدراسة لفهم أسباب لهيب الضواحي وحرائق التمرد. ولد عزوز بغاغ في بيوت الصفيح التي بناها أهله في ضاحية مدينة ليون، وترعرع مع الفئران ولعب على أكوام النفايات، وكان ينتعل صندالاً في عز الثلوج والصقيع، بينما ولد خالد قلقال في الجزائر وكان في الثانية من عمره حين جاء به أهله الى ضاحية باريس، ولعب مع أترابه في زوايا وساحات وبيوت أدراج المنازل المتواضعة والمدعومة من الدولة. برع عزوز بغاغ في الدراسة، وبرع خالد قلقال في الدراسة. اختار الاول أن يقول لرفاقه في المدرسة إنه يهودي الاصل لخجله من عروبته بعد هزيمة عام 1967، بينما اختار الثاني الهروب من مقاعد الدراسة تفادياً لمخالطة بعض رفاقه الفرنسيين غير المرحبين بسحنته السمراء وشعره الاسود، وصار يعاشر »زعران« الضواحي ومنحرفيها. من تاريخه الصعب ومن واقعه الفقير، أبدع عزوز بغاغ أدباً، وكانت روايته الاولى Le Gone du Chaaba (ابن المحلة الفقيرة) مفاجأة للأدب الفرنسي الحديث وتحولت الى فيلم سينمائي، أعقبها بأكثر من 30 رواية. ومن تاريخه الفقير وحاضره الممزوج بالتهميش والعنصرية، هرب خالد قلقال صوب السرقة التي تعلمها من رفاقه الصبية المغاربة والافارقة. في الحالتين لم يعرف ذووهما عنهما شيئاً. صحا عزوز بغاغ على واقعه. أدرك أنه فرنسي ذو أصول اجنبية، فراح يبحث عن الاصول في جزائر أهله، وعاد بروايتين »زنزلة« و»جواز السفر«. ثم أغلق باب الجذور مؤقتاً حين توفي والده قبل أن يكمل بناء منزله في الجزائر، فنقلوه في نعشه من فرنسا الى بلده. وصحا خالد قلقال على واقعه، وأدرك في السجن الذي زج به بعد اعتقاله بتهمة السرقة، انه لا يعرف الكثير عن الاسلام والمسلمين، واعتقد أن الحل يكمن في دين الله الحنيف، وأن الانتقام من المجتمع الذي رفضه سيتم باسم هذا الدين. خرج عزوز بغاغ من واقعه الفقير صوب العالمية، فصارت رواياته تدرس في بريطانيا وترجمت الى الكثير من لغات العالم. وخرج خالد قلقال من السجن صوب التطرف، فأعجبته تجارب رفاقه في أفغانستان والجزائر وحلم بأن يصبح أميراً للجماعات الاسلامية المسلحة. فجر عزوز بغاغ طاقته الادبية فاحتل موقعاً متقدماً في دور النشر الفرنسية. وفجر خالد قلقال أحد قطارات باريس فاحتل صدارة الارهاب، وطوقه رجال الشرطة بعد ملاحقة وقتلوه. لا يزال عزوز بغاغ يشكو حتى اليوم من ضعف الاندماج الاجتماعي، لكنه حاربه بوسائله وصار وزيراً، وشكا خالد قلقال من انعدام الاندماج الاجتماعي لكنه حاربه بقنابله وصار قتيلاً. في الحالتين لم تتدخل الدولة الفرنسية قبل النتائج. فهي جعلت بغاغ وزيراً حين أبدع، وقتلت خالد قلقال حين أرهب. ربما رفاق قلقال هم مضرمو النيران اليوم، ولعل رفاق بغاغ هم من قد يساهم في إطفائها.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة