As Safir Logo
المصدر:

»بقعة ضوء« يتحول إلى دراما حكومية

المؤلف: ابراهيم وسيم التاريخ: 2005-11-09 رقم العدد:10243

يمكن الترحّم على »بقعة ضوء« بعد مشاهدة الجزء الخامس منه. في البدء، يصطدم المشاهد أولاً بترهل الموضوعات وضعف الإخراج والعمل. هذا قبل أن يلفته التغيير الملموس في وجهة النقد المعتاد في العمل، حيث كانت الأجزاء الأولى سباقة لطرح قضايا هامة تناولت نقدا لسياسة السلطة، من دون إغفال جاذبية الصورة والاخراج. نستطيع في الجزء الخامس رؤية النقد يذهب في الاتجاه المغاير، ملقيا اللوم فيما يطرحه من مشاكل على عقلية المجتمع وطبيعة تكويناته، متجنبا مناقشة أي دور للسلطة في ذلك، لا سيما أنها عادةً رأس البلاء في هذه المشاكل. تعالج إحدى اللوحات حرية الصحافة. وعوضا عن تسليط الضوء على تقييد حرية التعبير الذي لا يبدأ بالقائمين على المؤسسات الإعلامية ولا ينتهي بقانون مطبوعات يعود للعصر الحجري... تختصر اللوحة معضلات الاعلام السوري بالخوف المتجذر لدى الصحافيين. تحاول زوجة الصحافي الذي فقد »إلهام الكتابة« أن تساعده وتقترح عليه انتقاد السلطات كما يفعل غيره، فالأمر يجذب القراء، يروق له ذلك ويكتب مقالة »قوية عنوانها مقلدو الوطنية«. وبعد أن يسلمها للجريدة، يتملكه الخوف من المخابرات (تسخر اللوحة من هذا الخوف غير المبرر!) ويحاول استرجاع المقالة بكافة الطرق بلا جدوى، فيبقيه خوفه مستيقظا حتى توزع الجريدة، يخرج لاستطلاع الوضع ويعود مبتسماً يحمل الخبر السعيد لزوجته القلقة، فلقد استبدل المنضد الكسول حرفا بآخر على امتداد المقالة لتنقلب من الذم إلى المدح ويصبح عنوانها »مخلدو الوطنية« فينال عليها المكافآت. هل يمكن لأحد أن يصدق ذلك أو حتى يضحك منه وهناك بند في قانون المطبوعات السوري يُحظر فيه نشر »كل ما من شأنه أن يُقلق الراحة العامة«؟ وعلى طريقة الخوض في العموميات، العامة جدا، يقدم العمل لوحات تخلو من أي حبكة أو بناء درامي. يحاول أحد الموظفين تقوية إعرابه بقراءة الجريدة، يريد زميله المساعدة فيأخذ الجريدة ساردا سلسلة مفبركة من الإعرابات المجازية. الجامعة العربية ممنوع من الصرف، الشباب العربي مرفوع به مغلوب على أمره، التضامن العربي حرف مشبه بالفعل... وهكذا، مستعرضا جملة عناوين لو ترك لمصدر رسمي التعليق عليها لقدم نقدا ومعالجة أعمق بكثير. وعدم وجود الحبكة هنا يجعل الموظف، بعدما فرغ من اعرابه، ينظر إلينا ببلاهة، كأنه يقول لنا: خلصت... ضحكوا. لا تكاد لوحة تخلو من تسطيح النقد وتفريغه من أي محتوى، لوحة »عريس البنت« تقترح على الآباء تزويج بناتهم من المتفرغين في الحزب (حزب »البعث« الحاكم) لأنهم لا يجلبون وجع الرأس، بعد أن يحلل الأب في اللوحة أن كل المهن الأخرى تجلب المتاعب. تبدو النسخة الأخيرة من »بقعة ضوء« أشبه بالدراما الحكومية، وكأنها رد على الأجزاء السابقة. وتجدر الإشارة إلى ما ذكره الليث حجو المخرج الأساسي للعمل بأن قسما كبيرا من نصوص الجزء الخامس كانت قد رُفضت في أجزاء سابقة، وذهب عدد من هذه النصوص الكاسدة إلى أعمال مشابهة (»عربيات«). وكان مخرج الجزء الخامس هشام شربتجي أكد أنه لن يغيّر شيئا في »بقعة ضوء« ولن يضيف سوى لمسته الخاصة، لكنه لم ينوه أبدا بأن أكثر ما سيؤديه العمل هو تعويم النقد الموجه للسلطة وجعله فارغا من أي محتوى. حيث أن الإكثار من الحديث التافه والسطحي عن سطوة المخابرات، انتشار الفساد الحكومي، تدهور حرية التعبير وغيرها يزيد من تحصينها، ويمهد الطريق أمام الاعتياد العلني عليها... كغيرها من الشعارات الفارغة. (دمشق)

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة