كما في وجودها في لبنان خلال المراحل المتقطعة لملاحقتها ومحاكمتها قضائياً، كذلك في فرارها خلافاً للقانون، شغلت المديرة التنفيذية السابقة في »بنك المدينة« رنا قليلات حيزا كبيرا من اهتمام اللبنانيين. وجاء تقرير رئيس لجنة التحقيق الدولية في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري القاضي الألماني ديتليف ميليس بما تضمنه من إشارات وتلميحات إلى احتمال تمويل هذه الجريمة من أزمة هذا البنك، ليزيد من الأضواء المسلطة على قليلات التي استطاعت الفرار إلى مدينة اللاذقية السورية بجواز سفر مزوّر ثم انتقلت بجواز سفر بريطاني تحمله إلى تركيا فمصر. فيما أعدّت النيابة العامة التمييزية طلباً رسمياً لاسترداد قليلات من السلطات المصرية، وجلبها للمثول أمام القضاء في غير ملف وربما تسهيل مثولها أمام ميليس نفسه إذا ما قرّر الخوض عميقاً في احتمال وجود علاقة بين ازمة »المدينة« وبين جريمة اغتيال الحريري، ولكن لم يتحدد موعد رسمي ونهائي لتسليم قليلات إلى القضاء اللبناني. ما هي قصّة فرار قليلات؟ وكيف تمكّنت من تخطّي الحدود اللبنانية السورية؟ ومن ساعدها في التواري عن الأنظار؟ وكيف أضافت ملفّاً قضائياً إلى رصيدها الزاخر بالملفات المتعلقة بشيكات من دون مؤونة وبملايين الليرات؟. خلال إقامتها في السجن، تعرّفت قليلات إلى السجينة أنات عماد الموقوفة احتياطياً، بتهمة تتعلق بالمخدرات، وراحت تعطف عليها وتعاملها بإحسان أسوة ببقية السجينات، واستطاعت أن تكسب ودّها، وتقرّبها منها فارتبطتا بعلاقة صداقة قوية حتّى صارت تساعدها في توضيب ثيابها وتدليكها، إلى أن أفرج عن أنات يوم الخميس في 10 آذار من العام 2005 على اثر صدور حكم بتبرئتها، على الرغم من مرور سنة وخمسة أشهر على توقيفها. ورفضت قليلات أن تنقطع علاقتها بهذه الصديقة بعد خروجها من السجن فأخبرتها بأنّها ستعمل لديها كطاهية في المنزل براتب شهري مقداره 500 دولار أميركي، فوافقت الأخيرة وشكرتها، وهو ما لم تكن تنتظره. عيد ميلاد في السجن ومدعوون وكان طوني يوسف عماد (والدته تيريز مواليد دير الاحمر في العام 1977) يتردّد إلى السجن للوقوف على حال شقيقته أنات وإحضار ما يلزمها من أغراض ومتاع ومراجعتها بشأن قضيتها، فأخبرته عن صديقتها قليلات وعرّفته إليها، فكثرت الزيارات واللقاءات في السجن مما أدى إلى حصول لقاءات تعارف بين طوني ومرافقي قليلات والعاملين لديها ومنهم وسام شعبان سراج، وم. ق.، وح. ح.، والكرديان الشقيقان كاميرون ودارا، وسائقها م.غ. الذين كانوا يحضرون يومياً وأكثر من مرة أحياناً إذا لزم الأمر من أجل إرسال وجلب أوراق من محاميها وأقاربها، وتأمين الملابس لها وكلّ ما تطلبه للسجينات معها، حتّى صار واحداً من المستخدمين لديها. وأشرف طوني، بحكم اختصاصه، خلال شهر كانون الثاني من العام 2005، على شراء الطعام وقالب الحلوى من المؤسسة التي يعمل فيها في محلة جلّ الديب، وترتيب المائدة في السجن لمناسبة احتفال قليلات بعيد ميلادها، فاغتنمها فرصة ذهبية لكي يتعرّف إلى مدعويها وضيوفها وبينهم ج.ح وزوجته. وحصل أنْ وافق القضاء على تخلية سبيل قليلات لقاء كفالة مالية وخرجت من السجن يوم الخميس الواقع فيه 17 آذار 2005، ولكنّها لم تذهب إلى منزلها، بل طلبت من وسام سراج أن يقلّها إلى منزله في بلدة برجا حيث تناولت طعام الغداء مع أفراد أسرته واستراحت بعض الوقت إفساحاً في المجال أمام إنهاء الموظّف لديها محمد قنديل لمعاملات حجز غرفة لها في فندق »ريجينسي بالاس« في محلة أدما. ثمّ تولّى سراج نقلها سرّاً ومن دون علم أحد إلى الفندق، لكي تظلّ بعيدة عن عيون الفضوليين وتحضيراً للسفر إلى خارج لبنان خلافاً لتدبير قضائي واضح وصريح يمنعها من مغادرة الأراضي اللبنانية، علما أنّه تمّ حجز جواز سفرها. تغيير الإقامة للتمويه أقامت رنا في هذا الفندق نحو عشرة أيام كان خلالها وسام يتردّد إليها لإحضار ما يلزمها، كما كان سائقها الأساسي م. غ. يأتي إليها يومياً مصطحباً صديقتها الطاهية أنات من منزلها لمساعدتها في ترتيب ملابسها وتدليكها في الفندق. ثمّ تركت الفندق وانتقلت للعيش مؤقتاً في منزل صديقها ج.ح في محلة الضبية. ومساء يوم الأربعاء الواقع فيه 30 آذار 2005 انتقل طوني عماد إلى منزل ج.ح حيث كانت رنا قليلات وأنات ووسام موجودين. وطلب وسام من عماد التوجه إلى سوريا في صباح اليوم التالي مباشرة برفقة ح. ح. بغية استئجار منزل صغير مستقل، من دون أن يفصح له عن الغاية المرجوة من ذلك، لكن طوني أيقن في قرارة نفسه أن استئجار المنزل هو لمصلحة رنا قليلات. وبالفعل غادر طوني وح.ح صباح يوم الخميس إلى مدينة اللاذقية السورية مستقلين سيارة أجرة سورية، وبحوزتهما مبلغ 2600 دولار أميركي قدّمته لهما رنا بواسطة وسام للقيام بالمهمة الموكلة إليهما، واستأجرا منزلاً مؤلفاً من طبقتين من إمرأة لم ترغب في إبرام عقد إيجار معهما ولم تسأل عن اسم الشخص الذي ينوي الاستقرار في بيتها، حتّى أنّها لبّت رغبتهما في طرد المستأجرين في الطابق الأرضي من منزلها، مقابل ايجار يبلغ 2000 دولار أميركي لمدّة شهر واحد. عاد طوني إلى لبنان وقصد منزل ج.ح حيث وجد رنا ووسام ينتظرانه، فأُبلغ بأنّ رنا قرّرت أن تسافر في اليوم التالي إلى سوريا، وطُلب منه مرافقتها فوافق على الفور. عند الساعة الثانية عشرة من ظهر يوم الجمعة الأول من نيسان 2005 حضر طوني عماد إلى منزل ج.ح بحسب الاتفاق. واستقلت رنا سيارة أجرة تحمل لوحة سورية عمومية للتمويه، علماً أنّها بعد خروجها من السجن لم تستعمل أياً من سياراتها، بينما ركب طوني في سيارته وهي من نوع »مرسيدس« وسار خلف السيارة السورية إلى أنْ وصلا إلى فندق »رويال« الكائن في محلة الضبية، فركن السيارة في المرآب ثمّ استقل معها سيارة الأجرة، إلى محلة العريضة على الحدود اللبنانية السورية الشمالية. رنا المحجّبة ارتدت رنا عباءة سوداء اللون فوق ثيابها للتمويه، وقبل الوصول إلى دائرة الأمن العام وضعت حجاباً أسود اللون يتناسب مع العباءة، على رأسها، فبدت إمرأة محجّبة، تماماً مثل الرسم الشمسي للمرأة العجوز الظاهرة في جواز السفر الذي سرقه أحدهم وأجرى عليه بعض التعديلات الطفيفة لجهة تغيير السنّ بما يتناسب والعمر الحقيقي لرنا. نزل طوني من السيارة لإنجاز معاملات الخروج وقدّم جواز سفره الرسمي إلى دائرة الأمن العام بشكل طبيعي، في حين أعطت رنا جواز السفر المزوّر إلى السائق وطلبت منه أنْ ينوب عنها في تقديمه، مدعية أنّها مريضة ولا تستطيع الترجّل من السيارة لأنّها لم تشف من آثار عملية جراحية لاستئصال الزائدة. أنجز السائق معاملة رنا. طلب أحد عناصر الأمن العام من أحد زملائه المكلّفين عادة بالتدقيق، أن يتحقّق من وجود المرأة صاحبة جواز السفر في السيّارة. تقدّم رجل الأمن ونادى رنا باسم فخرية مهنا، فلبّت النداء بسرعة وأبلغته بأنّها فخرية! توجّهت السيّارة برنا وطوني إلى المنزل في مدينة اللاذقية لأخذ قسط من الراحة والاستعداد للمرحلة الثانية والتي تقضي بالانتقال براً إلى تركيا. مكثت رنا أربعة أيام في اللاذقية، توجّه خلالها طوني إلى الحدود السورية التركية ليستفسر عمّا إذا كان بمقدور المواطن اللبناني الذي يدخل الأراضي السورية بجواز سفر لبناني الدخول بواسطة جواز سفره الأجنبي إلى تركيا، وجاءه الجواب بالإيجاب، وأبلغ قليلات التي تملك جواز سفر بريطانياً سبق لها أنْ حصلت عليه، ولديها إقامة مصرية لمدة سنة عليه. تركي يتولّى تهريبها وفي اليوم الخامس، حضر الكردي كاميرون ومعه شخص تركي الجنسية يجيد اللغة العربية، واستعد الجميع لإكمال المرحلة الأخيرة. صعدت رنا والشخص التركي وطوني في سيارة أجرة ولحق بهما ح.ح وكاميرون في سيّارة أجرة ثانية، وقبل الوصول إلى منطقة الحدود نزل طوني من السيارة وركب في السيّارة الثانية وعاد إلى المنزل لتسليمه إلى صاحبته والرجوع نهائياً إلى لبنان وهو ما حصل يوم الأربعاء 6 نيسان الماضي، بينما أكملت السيّارة الأولى طريقها إلى تركيا ومنها انتقلت رنا جوّاً بصورة رسمية إلى مصر حيث حلّت في البدء في أحد الفنادق إلى أن انتهت أعمال تجهيز شقّتها في الطابق السابع من بناية الريّان في شارع العجوزة في القاهرة فانتقلت إليها واستقرّت فيها مع أنات التي وافتها إلى هناك. وتبيّن من سياق التحقيقات أنّ جواز السفر الذي استعملته قليلات بغير حقّ، صادر عن المديرية العامة للأمن العام بشكل صحيح باسم السيدة فخرية سعيد مهنا (من مواليد بلدة خربة سلم في العام 1934) ويحمل الرقم 2006876/2001، ولكن طرأ عليه تزوير في وقت لاحق من ناحيتين الأولى هي استبدال الرسم الشمسي بصورة رنا مموّهة بحجاب، والثانية التلاعب بتاريخ الولادة، فجرى تعديل السنة من 1934 إلى 1964 لتتلاءم مع السن الحقيقية لقليلات بما لا يؤثّر على مجرى خطّة الهروب فيما لو قرّر عنصر التدقيق في الأمن العام المقارنة بين قليلات والعمر المدوّن على جواز السفر.