As Safir Logo
المصدر:

عبد القدوس في دراسة مقارنة مع ساجان ومورافيا لشريف الجيار ليس الجنس موضوعي لكني سعيت الى تطوير الرواية

المؤلف: الحمامصي محمد التاريخ: 2005-11-02 رقم العدد:10239

عاش إحسان عبد القدوس، واحدًا وسبعين عامًا (19901919)، خلّف خلالها تسعة وخمسين عملاً أدبيًّا، منها اثنتان وعشرون رواية طويلة، بدءًا من »أنا حرة« عام 1954، وانتهاءً ب»قلبي ليس في جيبي« عام 1989، إلى جانب اثنتين وثلاثين مجموعة قصصية، بدءًا من مجموعة »صانع الحب« عام 1948، وانتهاءً بمجموعته »لمن أترك كل هذا« عام 1990، بالإضافة إلى مقالاته السياسية التي تحمل عنوان »على مقهى في الشارع السياسى« (جزء أول عام 1979، وجزء ثانٍ عام 1980، وهناك جزء ثالث تحت عنوان »البحث عن الثورة« عام 1990). وله خواطر ومقالات بعنوان »أيام شبابي« عام 1980، وخواطر اجتماعية بعنوان »»يا ابنتي لا تحيريني معك« عام 1981. وقد حققت روايات إحسان (22 رواية) ومجموعاته القصصية (32 مجموعة قصصية) نجاحًا جماهيريًّا كبيرًا، في مصر والعالم العربي، وذلك لبساطة لغتها، وجرأتها على تناول القضايا الاجتماعية والسياسية والوطنية في مصر والعالم العربي، في النصف الثاني من القرن العشرين، وساعدها على ذلك تناول هذه الأعمال إعلاميًّا، حيث تحول معظمها إلى أفلام سينمائية (49 فيلماً) ومسرحية (5 مسرحيات) وإذاعية (18 عملا) وتلفزيونية (28 مسلسلاً وسهرة). وقد ترجم العديد من أعمال إحسان الروائية والقصصية، إلى خمس لغات أجنبية، هي الإنكليزية (12 عملاً)، والفرنسية (40 عملاً)، والأوكرانية (1)، والألمانية (2)، والصينية (5). ورغم سعة الإنتاج الروائي والقصصي لإحسان عبد القدوس، فإنه لم يحظ بالاهتمام من قبل النقاد بحجة أن أعماله تتناول الجنس بصورة إباحية، وهو ما يؤكده المفكر والناقد الكبير لويس عوض في قوله »إن نجاح إحسان عبد القدوس الجماهيري قهر موقف النقاد منه، وهو الكاتب الوحيد الذي انتصر على تجاهل النقاد له«. وهذا أحد أسباب عدّدها الناقد والباحث د. شريف الجيار في مدخل دراسته المعنونة ب»التداخل الثقافي في سرديات إحسان عبد القدوس« الصادرة مؤخراً عن سلسلة دراسات نقدية عن هيئة قصور الثقافة في مصر، وهي دراسة مقارنة حيث اختار الباحث من إنتاج إحسان الروائي الأعمال ذات العلاقة الواضحة بالنماذج الأجنبية عند فرانسواز ساجان وألبيرتو مورافيا، حيث اعتمد على ثلاث روايات لإحسان (أنا حرة)، (لا أنام جزءان)، (أنف وثلاث عيون) ورواية لكل من فرانسواز ساجان (مرحبًا أيها الحزن جزءان) وألبيرتو مورافيا (امرأة من روما جزءان)، وقد اعتمد الباحث على النسخة العربية لروايتَي ساجان ومورافيا، بعد مقارنة الترجمة العربية، بالترجمة الإنكليزية للعملين، وأدرك أن الترجمة العربية أمينة في ترجمتها للنسخة الإنكليزية. أيضاً من الأسباب التي أشار إليها الباحث لاختياره روايات إحسان عبد القدوس ذات الاتجاه النفسي كمجال لدراسته، مقارنة بروايتي »مرحبًا أيها الحزن« للروائية الفرنسية المعاصرة فرانسواز ساجان، و»امرأة من روما« للروائي الإيطالي ألبيرتو مورافيا، قلة الدراسات النقدية التي تناولت روايات الكاتب بالدراسة. وإن دراسته هذه تعد أول دراسة نقدية مقارِنة باللغة العربية لروايات الكاتب، وأيضاً لأن معظم ما كتب عن إحسان، هو كتابات صحافية سريعة، تهتم بتوثيق حياة الكاتب، دون الاهتمام بتناول أعماله الروائية بالدراسة النقدية الموضوعية، أيضاً التشابه الواقع بين روايات إحسان، وساجان، ومورافيا. وقد تبنت الدراسة »المنهج البنائي المقارِن«، بهدف الكشف عن شعرية النص الروائي عند إحسان عبد القدوس، وفرانسواز ساجان وألبيرتو مورافيا، من خلال دراسة مقارنة تتناول مستويات البنية السردية في الروايات المدروسة، وتحديد وظائفها الدلالية داخل البنية العامة للنص الروائي للكتَّاب الثلاثة، وانطلاقًا من هذا المنهج المقارِن، يأتي البحث في مقدمة، وبابين. تناولت المقدمة، أهمية الدراسة، والدراسات السابقة، والكاتب والمدونة، ثم المنهج وتقسيم أبواب البحث.. فبالنسبة للباب الأول، يتناول »الشخصية الروائية، أبعادها النفسية وخلفياتها الحضارية«، وذلك لأن الشخصية تمثل العمود الفقري لأي عمل روائي، ولا سيما رواية »تيار الوعي«، ولذا جاءت دراستها في بداية البحث. ويتناول الباب الثاني، »التقنيات السردية«، من خلال فصلين، هما: الأول الرؤية السردية والثاني بنية الزمان السردي. في مقدمة الدراسة استعرض الباحث إشارات خاصة بنشأة إحسان عبد القدوس وعلاقته بالمرأة وتأثره بها وتأثير قراءاته في الأدب الأوروبي علي رؤيته لها. يقول د. شريف الجيار : نشأ إحسان عبد القدوس (19901919) في بيئة اجتماعية متنوعة الثقافة، حيث تأرجح في نشأته بين الثقافة الدينية الصارمة والثقافة التحررية، وقد تمثلت ثقافته الأولى في طفولته التي قضاها في بيت جده لوالده، الشيخ أحمد رضوان، وكان عالمًا من علماء الأزهر، اتسم بالحزم والصرامة مع أهل بيته. وتمثلت ثقافته التحررية في بيئة أمة الفنانة فاطمة اليوسف (19581897)، وبيئة أبيه الفنان المهندس محمد عبد القدوس (19691888). نصير المرأة وكان لهذا التفاوت الثقافي أكبر الأثر في حياة كاتبنا، وفي تكوين شخصيته النفسية والأدبية، وهذا ما جعله يصرح بقوله: »وقد أثر عليّ اختلاف المجتمعين اللذين أعيشهما تأثيرًا أساسيا في تكوين شخصيتي وعقليتي.. مجتمع جدي المحافظ المتزمت في تدينه ومجتمع أبي وأمي.. ووجدت نفسي حائرًا بين المجتمعين وهو ما عودني ألا أستسلم للواقع أبدًا إلا بعد أن أدرسه وأفكر فيه إلى أن أثور عليه وأعترف به.. وكنت منذ طفولتي أرفض التقاليد الاجتماعية بعد تفكير وعلى مسئوليتي (مسؤوليتي) الخاصة«. فحياة إحسان عبد القدوس علمته أن يكون متمردًا منذ صغره، فهو ميال إلى التحرر، وعدم الانصياع للتقاليد البالية، التي رآها تطبق بصرامة في بيت جده لوالده، والتي ظلمت أمه في الوقت ذاته، وأدت إلى انفصالها عن أبيه بعد أقل من عام من الحياة الزوجية، وذلك لأنها تعمل بالفن. ويضيف د. الجيار: وهذا التقرب الشديد من قِبَل الكاتب لأمه، لا يعني بُعده عن الأب، بل يمكن القول إن الأب لم يترك بصمة حقيقية مؤثرة في شخصية إحسان عبد القدوس، رغم حبه له وتقديره لفنه ولشخصيته، مثلما فعلت الأم، وهذا ما جعل أحد الكتاب يذهب إلى أن إحسان قد أحب »»أباه جدًا وأعجب بفنه وشخصيته التي تسبح فوق الخيال والحب والرومانسية.. لكن أم إحسان كانت صاحبة البصمة الكبرى في حياة كاتبنا الكبير«، فهي المدرسة الأساسية التي تعلم فيها إحسان عبد القدوس الفن والأدب والصحافة والسياسة والإرادة القوية والرأي الحر المستقل. فهذه الأم جعلت إحسان ينحو منحًى تحرريًا في حياته، ويرفض التقاليد البالية، منذ أن كان صغيرًا، حيث نشأ في بيت جده، وقامت على تربيته عمته، وكان يظن أنها أمه، و»كانت تأتي سيدة كل يوم جمعة ولا تدخل البيت.. تقف على أعتاب الباب الخارجي لبيت جدي. وحين تأتي هذه السيدة.. يخرجونني على باب البيت.. وتأخذني السيدة في أحضانها.. ويتكرر ذلك كل يوم جمعة.. ولما بدأت أعي اكتشفت أن هذه السيدة التي تقف خارج الباب هى أمي.. أما التي أقول لها أمي داخل المنزل فهي عمتي«. وبالطبع كان لهذه القسوة تجاه أمه أثر في تكوينه وشخصيته، ومن ثم كان له أكبر الأثر في أدبه الروائي، ولا سيما في سعيه للمطالبة بحرية المرأة، وتناوله لمشكلاتها في معظم أعماله الروائية بدءًا من »أنا حرة« (1954)، إلى روايته »قلبي ليس في جيبي« (1989)، من خلال سبر أغوار نفسها، وهذا ما جعل النقاد يتهمونه بأنه كاتب إباحي، ويتهمون أدبه بأنه أدب فراش، ولكن عبد القدوس، يرد على هذا الزعم بقوله »الفرق هائل بين قصة تدنس شرف المرأة وقصة تصفع جهل بعض الأسر بواجبها نحو عملية البناء النفسي السليم لبناتهن! أنا إذن مدافع عن كرامة المرأة.. ولست هادمًا لها أو فاضحًا لهذه الكرامة. والمسألة أولاً وأخيرًا هي زاوية الرؤية لما أكتبه من أدب.. عن المرأة التي كانت أخطر عامل مؤثر في حياتي«. فعبد القدوس بذلك يقدر المرأة، ويقدر دورها في المجتمع، لذا فهو يجد حلولاً لمشكلاتها ويعرضها من خلال أعماله الروائية، ولا سيما ذات الاتجاه النفسي، وهذا ما عرّضه للمساءلة من قِبَل أحد أعضاء مجلس الأمة عام 1954، واتهامه لإحسان بالانحلال والانحطاط، ومطالبته بعدم دخول رواياته إلى المنازل. وقد تعرض لمثل هذا الهجوم مرة أخرى إثر نشره لمجموعته القصصية »البنات والصيف« عام 1960، وعلم الخبر الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، ما جعل كاتبنا يسطر رسالة للرئيس عبد الناصر يوضح فيها موقفه. ولكنها ظلت حبيسة أدراج مكتبه، جاء فيها »أنا لا أتعمد اختيار نوع معين من القصص.. أو اتجاه معين.. ولكن تفكيري في القصة.. يبدأ دائمًا في التفكير في عيوب المجتمع.. وفي العقد النفسية التي يعانيها الناس.. وعندما أنتهي من دراسة صادقة جريئة لعيوب مجتمعنا.. أسجل دراستي في قصة.. وهي عيوب تحتاج لجرأة الكاتب.. حتى يتحمل مسئولية (مسؤولية) مواجهة الناس بها«. وجرأة عبد القدوس لحمل لواء المطالبة بحرية المرأة من خلال أعماله الروائية تعود إلى تأثره بروائيي الغرب الذين ظهروا في ما بعد الحرب العالمية الثانية، وهذا ما يتناوله البحث من خلال الحديث عن ثقافة إحسان عبد القدوس. البناء الثقافي يشير د. شريف الجيار إلى أن إحسان عبد القدوس شرع في بناء نفسه ثقافيًا منذ أن كان طالبًا بكلية الحقوق في الفترة (19421938)، وهي فترة مليئة بالاضطرابات في السياسة الدولية، نتيجة لقيام الحرب العالمية الثانية، وما خلفته من خلخلة في المفاهيم الدولية. وتمثل هذا الاضطراب في مصر في شخص الاحتلال الإنكليزي، ما جعل الحياة الجامعية في مصر تصاب بالتوتر، فأضحت الدراسة في الجامعة المصرية تسير بشكل غير منتظم، وكان لهذا أثره على كاتبنا، إذ انتابه شعور بالفراغ، ما جعله يتجه إلى شحذ فكره، فبدأ بتثقيف ذاته، بقراءة الآداب العالمية، فأخذ يعبّ من الأدب الإنكليزي والفرنسي والأميركي والروسي، وقد صرح بهذا في قوله: »بدأت في تلك الفترة يقصد فترة دراسته للحقوق التي أعتبرها أهم فترة في تكوين ثقافتي وعقليتي والتي استمرت قرابة أربع سنوات قرأت خلاها كل الآداب العالمية باللغة الإنكليزية. قرأت الأدب الانكليزي والفرنسي والأميركي والروسي«. وكان لهذا الاطلاع انعكاس واضح في تفهم إحسان عبد القدوس لطبيعة الشكل الفني الروائي الأوروبي، وتكنيكه القصصي، إلى جانب تأثره بالفكر التحرري الذي ساد أوروبا إثر الحرب العالمية الثانية، وانعكس أثره بشكل واضح على الحركة الروائية العالمية في تلك الفترة، ولا سيما حرية المرأة، إذ »أحدثت الحرب العالمية الثانية عدة تغيرات بالنسبة إلى وضع المرأة في أوروبا. فالرجل الذي شغلته الحرب عن ممارسة أعماله، أخذ ينظر إلى المرأة بطريقة مختلفة بعد أن استطاعت بحلولها مكانه أثناء الحرب إثبات جدارتها في كثير من المهن والأعمال. وشيئًا فشيئًا تمكنت حقًا من المشاركة في النهضة الاقتصادية والاجتماعية التي فرضتها ظروف ما بعد الحرب وهذا ما جعلها أكثر جرأة وربما أكثر حدة في المطالبة بحقوقها«، والسعي لإثبات حريتها، تلك الحرية الناتجة عن القناعة الفردية، والبعيدة عن الحرية النسبية التي تفرضها العادات والتقاليد. ويرى د. الجيار أن إيمان إحسان عبد القدوس بحرية المرأة، وتفاعله مع المفهوم الأوروبي للحرية من خلال الأعمال الروائية الغربية أديا إلى حمله مسؤولية التطوير في القصة العربية، من خلال تناوله لمشكلات المرأة النفسية، ومحاولته تطوير مفهوم حرية المرأة، والبعد عن العادات والتقاليد التي عفا عليها الزمن، وهذا ما دفع عبد القدوس لأن يقول: »أنا لا أعترف مطلقًا بأن الجنس هو موضوع قصصي مطلقًا ولكن كل الذي حدث أنني تحملت مسئولية (مسؤولية) التطوير في أدب القصة العربية... أنت يمكن أن تقرأ قصصًا وتقارنها مع الأدب العالمي الراقي، (و)ستجد أننا متأخرون للغاية نتيجة التقاليد البالية والتفسيرات الاجتماعية القديمة. فأنا حاولت وكانت لدي الجرأة أن أطور هذا الأدب وأكشف الواقع كما هو، ليس اعتمادًا على مشهد جنسي ولكن على موضوع متكامل«. فهو يريد أن يواكب الأدب الروائي العالمي، ولا يقتصر على مجرد الاتجاه القومي التقليدي في كتابة الرواية، وبذلك يثرى الأدب العربي بمنابع جديدة تخرج به عن حيز النطاق القومي المحدود.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة