As Safir Logo
المصدر:

فعلاً، الشمس تشرق من جديد

المؤلف: جابر كامل التاريخ: 2005-11-02 رقم العدد:10239

أجاد المخرج السوري هيثم حقّي في اختيار اللحظة لمقاربة الاحتقان السياسي في النفوس العربية، في أوج تراكم القلق العاطفي الاجتماعي، غير المنقطع، في مجمل حلقات المسلسل السوري »الشمس تشرق من جديد« (قصّة وسيناريو وحوار آمل حنّا)، إذ تبلغ »مرام« (صبا مبارك) أبهّى نماذج تجلياته. فيتبدّى من سخونة الحوار بين رامز (عبد الهادي الصبّاغ) الذي يحاول الهروب من وجع حبه »العذري« لمرام، وبين »عماد« (جهاد عبدو) الذي ظلّت مشكلته العاطفية عالقة مع زوجته سلوى (ضحى الدبس)، المجروحة من زواجه المستور منذ 13 عاماً. فيلجآ معاً إلى معاقرة الخمر، وهما يراقبان من علوّ ليل الشام: »ليش هيك عم يصير؟« ويستصرخان، في أوان الغضب وتفاقم مرارة الواقع، الطموحات السياسية »العامّة« المستلبة، من المجهول الذي لم يشر إليه النّص في الحلقة الثالثة والعشرين، فيما كان واضحاً في حلقة سابقة: »ما يسمحولك (عن فتح مصنع) قتلوا كل طموحاتنا... نحنا خْرِبنا لأننا ما عم نعمل شي، من 25 سنة، مكانك راوح. لم يتركوا لنا غير النسوان«. وتدور فلسفة الواقع المرير: »من وين بدّا تجي الفرص؟ إذا تغيّر الوضع وصار في دفع لقدّام يمكن بنقدر. إذا بدنا بنقدر. بنقدر وما بدنا، وبدنا وما بنقدر... بنقدر وما بدنا؟ صعبة... بس بدنا وما بنقدر؟ مصيبة«. ثم يركنا إلى الواقع: »وجّعتلّي راسي، قوم حتى نمشي... اشرب آخر شفّة«. لم يبرح المسلسل فلسفة الكلام والمواقف »الصلبة«، لطبقة من الناس، تتراوح بين المثقفة والشعبية، ليست الشعبية المتلهيّة بالانجاب المفرط والعيش المدقع، وليست كذلك الشعبية المزارعة أو العاملة بالنمط »الحاجوي«... إنها الطبقة الوسطية الكادحة المناضلة، إنما، المهجوسة بالثقافة، المحكومة بعزة النفس وحكيم الموقف والتعبير المنطقي، وبالحبّ، الجامع الموحد، المبدِّد في بعض الأحيان، في مواجهة تسرّب الغيرة. وهذا لا يمنع حتى سائق سيارة أجرة أن يتدخل في لحظة قلق عند الراكبتين المتجادلتين بين الخطأ والصواب، أماني (نادين) وسلوى، ليطلق حكمة قد تبدّد بعض القلق. الحبكة الدرامية تبلغ ذروتها في أكثر من موقف وحوار، متماسكة، مشحونة، لا تستسلم للتردد في التعبير، وإن شابها بعض التردد في المواقف. وهي تتخطى الحواجز والفوارق، الاجتماعية والعمرية والمادية... وإن حلّ القلق والتردد مجدّداً، فلا بدّ من اللجوء إلى الشارع، أو المطعم في أكثر الأحيان، إلى البيئة الجماعية المحتضنة ضعف الشخصيات أو توهانها. إنها تشبه المثالية... الواقعية في نمطها، غير الواقعية في تراكمها... بيد أنها حبكة درامية تسلب المشاهد من تبدده، ومن رتابة »الدراما« العربية، لتستحق الاهتمام.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة