As Safir Logo
المصدر:

الشيعة في تركيا (2): »الخط الزينبي« ل3 ملايين نسمة

المؤلف: نور الدين محمد التاريخ: 2005-10-31 رقم العدد:10237

عرفت تركيا خلال قرون من تاريخها العثماني وصولا الى العهد الجمهوري »قضية علوية«، لكن احداً لم يعر انتباها الى الاقلية الشيعية التي كانت ولا تزال، تنتشر في بعض المدن والقرى الشرقية على الحدود مع ايران وارمينيا، ولا سيما في مدن ومناطق قارص وايغدير ودوغو بايزيد. عبر عقود الجمهورية، وبسبب التراجع الاقتصادي، عرف شيعة شرقي الاناضول، كغيرهم من سكان الاناضول، هجرات الى الغرب التركي، ولا سيما الى انقرة واسطنبول وازمير وبورصة، بحثا عن العمل. وككل تجمع من لون عرقي او مذهبي معين، استقر بعض هؤلاء وتكاثروا في مناطق محددة من اسطنبول (ومدن اخرى)، مثل منطقة خلقلي في ضاحية باغجيلر. يقدّر الكاتب ألبتكين دورسون اوغلو، عدد الشيعة في تركيا عموما بحوالى نصف المليون، لكن الشيخ صلاح الدين آق غوندوز، زعيم الطائفة الشيعية يقول ان عددهم لا يقل عن ثلاثة ملايين نسمة. ويقول دورسون اوغلو ان الهوية الاذرية قوية لدى الشيعة، بحيث عند الحديث عن »الشيعية« يمكن استبدالها ب»الاذرية«، فهما مصطلحان لمضمون واحد، وهذا يعني انه لا يوجد شيعة من اصل غير آذري إلا نادراً. الشيخ صلاح الدين آق غوندوز، رجل غير معمم، مثل كل رجال الدين الاتراك السّنة والشيعة. يمكن ارتداء الزي الديني فقط داخل الجوامع اثناء اقامة المراسم الدينية، وهذا بموجب قانون إلغاء الزي الديني والزوايا والتكايا الدينية. قد تقول، حين وصولك الى مدخل حي آيتاش، في منطقة خلفلي، انه حي شيعي، بالمعنى السلبي للكلمة: طرقات شبه مزفتة، اولاد في الشوارع، ارصفة، ان وجدت مخلعة، أراض فارغة تستخدم للعب كرة الطائرة والقدم، مجار ومياه في الطرقات. عندما سألنا عن »جامع الزينبية«، لم نكن نظن اننا في بلد مسلم، مثل تركيا، سنكون امام جامع او مسجد مثل تلك الموجودة في فرنسا مثلا، قاعة كبيرة يعلوها قرميد من دون مئذنة او شكل حتى لمسجد. لم يكن الشيخ صلاح الدين يؤم الصلاة تلك الظهيرة، لكننا التقيناه في مكتبه الاقرب الى مكتبة عربية وتركية وفارسية منه الى مقر لزعيم الطائفة الشيعية في تركيا. ولم يخل الامر، كفرض رسمي، ان تحتل صورة اتاتورك مكانها بين مجموعة صور علماء دين شيعة معلقة على جدران المكتب. ينتمي الشيخ صلاح الدين الى مدينة ايغدير في شرق تركيا. ويقول ان عدد الشيعة هم ثلاثة ملايين »عاملون بالفقه«. أما »غير العاملين بالفقه« فعددهم اكثر من 15 مليونا، ويقصد بذلك العلويين. وهو يعيد، استطراداً، اصل العلويين الاتراك الى الشيعة التركمان الذين كانوا في اساس اقامة الدولة العثمانية، ومنهم حاجي بكتاش، حتى وصول السلطان سليم الاول الى العرش في مطلع القرن السادس عشر، وتنفيذه مذبحة بحق قادة وعلماء الدين الشيعة التركمان في الاناضول، فبقوا من دون رأس ومن دون فقه، واصبحوا لقرون على ما هم عليه الان من عقيدة خاصة بهم. ويرى الشيخ آق غوندوز، ان السلطان سليم الاول كان واقعا تحت تأثير قوى يونانية في منطقة طرابزون شجعته على غزو بلاد العرب. ومن حينها تحوّل العثمانيون من فتح الدول المسيحية الى السيطرة على البلاد المسلمة في المشرق العربي وشمال افريقيا وايران. ويقدّر الشيخ صلاح الدين عدد جوامع الشيعة في تركيا بحوالى الخمسين، بينها ثلاثون في الاناضول وخمسة في كل من ازميت وازمير وواحد في كل من يالوفا وماينسا وآيدين وقيرقلاوعلي، وثلاثة في بورصة. ولكل جامع إمامان، فضلا عن مؤذن وخدم، وما الى ذلك. تتبع جميع الجوامع في تركيا لادارة واشراف »رئاسة الشؤون الدينية«، او كما تعرف في التركية باختصار »ديانت«. ولكن الجوامع الشيعية بقيت بمنأى عن هذا القانون الذي اقرته حكومة مسعود يلماظ في أواخر العام 1997، اذ اعترض عليه علماء الشيعة، وتم اجراء تعديل في التعميم الذي ارسل لتطبيق القانون، وليس في القانون نفسه. ويرى الشيخ صلاح الدين ان »ديانت« تريد ان ينضم الشيعة الى هيكليتها، ولكن هؤلاء يرفضون لان عددهم القليل يجعلهم غير مؤثرين، لذلك يريد الشيعة ان يكون لهم مجلس خاص بهم، مرتبط ليس ب»ديانت« بل برئاسة الحكومة او الجمهورية مثلا. وفي النهاية نجح الشيعة في حقهم تعيين ائمة مساجدهم من قبل الهيئة التي تمثلهم، والتي اختارها الجمهور الشيعي الذي يمول تكلفة الائمة والجوامع. لا توجد حوزات، لا للشيعة ولا للسّنة. فقانون توحيد التدريس يمنع ذلك. لذا يقصد الطلبة الشيعة ايران والعراق وسوريا لدراسة العلوم الدينية، كما ان الجوامع تشهد دورات ومحاضرات تثقيفية للشيعة. كان شيعة تركيا يصدرون جريدة باسم »علم دار« (لقب لابي الفضل العباس)، واذاعة بالاسم نفسه. لكن الجريدة والاذاعة توقفتا بضغوط من الدولة. كذلك ليس من موقف موحد لشيعة تركيا. فهم كانوا عادة مع احزاب اليمين، بحكم العداء للشيوعية، ولا سيما مع حزب الحركة القومية، وكانوا مع عدنان مندريس وسليمان ديميريل ومع طورغوت اوزال، الى ان صرّح هذا الاخير بأن اذربيجان شيعة ونحن سنّة، كعدم اهتمام ولا مبالاة بما جرى في العام 1990 من سحق الدبابات الروسية لانتفاضة باكو. اليوم ليس من توجه سياسي معين يحكم الشيعة في تركيا لكنهم إجمالاً مع احزاب اليمين ويتمثلون في البرلمان عبر 32 نواب عن منطقة ايغدير وقارص، بحكم انهم اكثرية في تلك المنطقة. وفي اسطنبول لا يسيطر الشيعة على اية بلدية مهما كانت صغيرة. ليس من حضور اقتصادي قوي للشيعة في اسطنبول. لكنهم يتعاطون اجمالاً بالشؤون العقارية ومعظمهم موظفون. والزواج المختلط موجود لكنه ليس منتشراً تأثراً بعادات ريفية لا تزال متأصلة. للشيخ صلاح الدين آق غوندوز، آراء ملفتة في اكثر من قضية، فهو يرى ان الديموقراطية للمسلمين، في مجتمع متعدد المذاهب، افضل من وجود حكومة دينية. وقياسا الى الوضع الراهن في تركيا فإن الاتحاد الاوروبي افضل على صعيد الحريات الدينية، لكن كأمة عندنا مخاوف من ذلك على صعيد الدين ككل. ذلك انه اذا فقدت تركيا سيادتها، وتنازلت في بعض القضايا مثل قبرص وارمينيا وقره باخ وغيرها، فهل يمكن استعادة بعض ما فقدته في حال فشل الاتحاد الاوروبي لاحقا في الاستمرار؟ لذا يفضل الشيخ صلاح الدين ان يكون الشيعة مذهبيا في »المضيق« على ان تكون الامة في المضيق »فنحن نقدم الدين الاسلامي كأولوية على مسألتنا المذهبية«. ويقول ان تركيا سدّ بين الشرق والغرب، ونخشى انهيار هذا السدّ. يحيي الشيعة منذ سنوات قليلة عاشوراء بأعلى قدر من الاحتفالية التي تجذب وسائل الاعلام. وقد حضر عاشوراء الماضية حوالى 300 آلف شخص، وشارك في الخطب ممثلون عن العلويين وغيرهم، الذين يعتبرون احتفال الشيعة بعاشوراء احتفالا لهم هم، وألغوا ما كانوا يقومون به في هذه المناسبة. عاشوراء عامل موحد للشيعة والعلويين في تركيا. عندما خرجنا من اللقاء مع الشيخ صلاح غوندور، جلنا في حي الزينبية، حيث كل شيء يطلق عليه اسم »زينب«: الحلاق الزينبي، سوبر ماركت الزينبية، مقهى الزينبية، والشارع الرئيسي يحمل اسم الزينبية. خط واحد من اسطنبول الى بيروت وكربلاء وكل هذا الشرق الذي يبحث عن هويته المهددة.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة