As Safir Logo
المصدر:

ملاحظات حول الموارنة في »مشروع الدولة وملوك الطوائف« (1)

المؤلف: عساف ساسين التاريخ: 2005-10-23 رقم العدد:10230

أ في المنهج: يتّبع الكاتب سليمان تقي الدين في مقالته الاولى وهي بعنوان »الموارنة: استعادة المبادرة« منهج التعميم: الموارنة ليسوا واحداً في السياسة. كذلك سائر الطوائف. وهذا ما يؤكده في كلامه: »فعلياً« لم يخسر الموارنة بالمعنى الاستراتيجي الشيء الكثير في الحرب. لقد خسرت قوة سياسية منهم مشروعها السياسي. »الموارنة ليسوا مشروعا سياسيا واحدا وهذا ما يشهد له منذ نشوء لبنان الحديث انقسامهم بين مشروعين على الأقل: المشروع الكياني بالاشتراك مع المسلمين، والمشروع التقسيمي بالانفصال عنهم، مشروع الاستقلال (الدستوريون ومن ثم النهج الشهابي) ومشروع الوصاية (الكتلويون ثم الحلف الثلاثي ومسألة الحياد والتدويل) مشروع التحالف مع سوريا (فرنجيه ونواب اللقاء التشاوري) ومشروع رفض الوصاية السورية او مشروع السياديين (مجلس المطارنة وقرنة شهوان).. هذا اذا لم نعد الى انقساماتهم التاريخية الحادة (البطريرك بولس مسعد ويوسف بك كرم) وانشطاراتهم السياسية حول مسألة الوحدة والانفصال في العشرينيات وتوزّع قياداتهم ونخبهم على تيارات عروبية وسورية وحدوية ولبنانية كيانية.. قراءة تاريخ لبنان السياسي على أساس ديني (اسلامي/مسيحي) وعلى أساس طائفي او مذهبي (درزي/ماروني/سني/شيعي) قراءة غير سليمة؛ لأن تاريخ لبنان السياسي شهد مواقف سياسية (وطنية وقومية) وعقائدية تشارك فيها الناس من كل الأديان وكل الطوائف وكل المذاهب.. هذه القراءة ان انسحبت او صحت في مرحلة فهي لا تنسحب ولا تصح في كل المراحل.. ثمة متغيرات تغيب عنها فتبدو محكومة بأحكام مسبقة وثابتة كما لو أنها المعيار الصالح بصورة دائمة للحكم على حركة سياسية بطبيعتها متغيرة ومحكومة بواقع متغير.. أسقط العوامل الخارجية ومدى تأثيرها في تحديد المواقف والأطاريح السياسية. غيّب جدلية الأنا والآخر في الصراع السياسي وما ينتج عنها من مواقف وأطاريح قد تكون ظرفية سرعان ما تتبدل بتبدل طرفيها.. ب في المضمون: 1 الموارنة والحلم باستعادة المبادرة: افتراض لدى الكاتب له أسبابه وهي في رأيه الآتية: خروج سوريا من لبنان بعد مقاومة كبيرة منهم، (مَن أفاد من هذا الخروج حقيقة؟ ومن بات يطالب بتمثيل ديبلوماسي بين البلدين؟ ومَن حمل على النظام الأمني اللبناني/ السوري؟ ومن لا يفتأ يتكلم على عهد الوصاية السورية البائد؟ وحدهم الموارنة؟..) رهان بعض قادتهم على الغرب قائم (هل القرارات الدولية خصوصا القرار 1559 جاءت لمصلحة الموارنة فقط؟ هذا اذا افترضنا وسلّمنا جدلاً ان لأحد في لبنان مصلحة فيها). انتهت العروبة الوحدوية التي طالما أخافتهم (بعض مضامينها وممارساتها أخاف بعضهم لا بل أخاف قسماً من اللبنانيين ونفّر منها العروبيين الحقيقيين). المجتمع الدولي يحاصر »البؤر الفلسطينية« (لا عودة الى ما قبل العام 1982 أصبح شعار لا بل مطلب جميع اللبنانيين. من يطرح اليوم مصير السلاح الفلسطيني في لبنان داخل المخيمات وخارجها؟ وحدهم الموارنة؟) العرب يهرولون الى الصلح مع إسرائيل. (كيف يؤثر هذا العامل في قدرة الموارنة على استعادة المبادرة؟ ان صلح العرب مع اسرائيل في رأينا يؤذي الموارنة وهذه مسألة لها مبحث آخر..) لم ولن يعترفوا بأنهم أقلية في لبنان (حكم غير مسند.. ان مجرد قبولهم الدستور الجديد والاصلاحات السياسية والدستورية التي نصت عليها وثيقة الوفاق الوطني لهو شاهد على الاعتراف الذي لم يقع له الكاتب على أثر). تتملّكهم عقدة التشاوف التاريخي: »نحن علة وجود لبنان«. بمعنى ما كانوا يوماً »علة لبنان« (ما طبيعة هذه العلة في رأيه؟). ينظرون الى لبنان نظرة وجود سرمدي (نظرة نخبهم السياسية والثقافية). ولم ينظروا إليه بوصفه مشروعاً تاريخياً متطوراً (عن اي لبنان يتحدث؟ الكيان الجغرافي؟ النظام السياسي؟ الدولة؟ الوطن؟ الشعب؟ الهوية؟ الدور؟ الموقع؟... وعن أي نُخب وفي أي مرحلة؟.. هذا ونهائية الوطن اللبناني أصبحت من صلب الدستور).. يزعمون انهم انتصروا على مشروع التوطين والوطن الفلسطيني البديل! (فضلا عن الفلسطينيين المعنيين بحق العودة أعتقد ان جميع اللبنانيين انتصروا، أقلّه على الورق، اذ سجلوا في دستورهم: لا توطين ولا تقسيم..). العديد من هذه الأسباب تضع الموارنة، بالجملة، في قفص الاتهام وتحيلهم إلى محاكمة سياسية بعض قياداتهم يستحقها في رأينا بشرط ان تكون من نصيب أمثال هذا البعض من سائر القيادات.. 2 الموارنة في ميزان الربح والخسارة: خسروا نفوذهم السياسي في جبل الشوف. خسروا الريف ربحوا المدينة (الاقتصاد والثقافة والإعلام) زاد انتشارهم في العالم (احتياط استراتيجي لحضورهم). لم يأخذ منهم »الطائف« شيئاً يذكر: وظائف إدارية محدودة. ما أخذ من صلاحيات رئيس الجمهورية في النص استعادوه بالعرف (في رأينا استُعيدت صلاحيات الرئاسة بالممارسة المدعومة من سوريا لأسباب معروفة). استعادوا جزءاً كبيراً من دورهم السياسي بعد نجاح العماد ميشال عون في الحصول على كتلة نيابية وازنة (صار لكل طائفة زعيم، قالها البطريرك صفير). لم يعودوا قوة تابعة كما كانوا في زمن الوصاية السورية (عن اي موارنة يتحدّث؟ وفي كلام سابق جعلهم من مقاومي الوجود السوري في لبنان!.. أوليس في الأمر تناقض؟! كيف يجعلهم قوة تابعة في مكان ويجعلهم قوة مقاومة في مكان آخر؟!).. صاروا قوة أساسية في معادلة لبنان الغد. (لا شك في انه يتكلم على نموذجين في سياسة الموارنة، لا يقصد هنا حلفاء سوريا بالطبع..). 3 الموارنة المستقلون بقرارهم ونظرتهم إلى الآخر: هنا يميّز بين نظرتين يجسّدهما كل من سمير جعجع وميشال عون (لا مسوّغ لهذه الاختزالية الصارمة ان لم نقل القمعية؟!)، نظرة سمير جعجع التي تحمل بعض الاشارات التي يتجاوز فيها الطرح الفئوي من دون إخفاء منطلقاته »المسيحية«، ونظرة ميشال عون التي عبّر عنها خطابه السياسي الوطني العابر للطوائف من دون ان يتبلور ذلك في مشروعه التنظيمي أو البرنامجي الذي يشير الى انفتاح ما على مشاريع الفيدرالية.. إذا كانت لدى الموارنة استراتيجية سياسية مفترضة فهي استراتيجية مليئة بالتناقضات شأنها شأن كل الاستراتيجيات الطائفية الأخرى.. 4 نظرته إلى الموارنة: »يقودون الشارع المسيحي كله«.. (لم يلتفت إلى شروط هذه القيادة وظروفها، لم يلتفت الى طبيعة المشروع القائد، لم يلتفت إلى حيثيات الطوائف المسيحية الأخرى وأدبياتها وسياساتها ومصالحها وموروثها السياسي، بخاصة طائفة الروم الارثوذكس التي كان أبناؤها من أشدّ المنفتحين على الاحزاب العلمانية، السورية والعربية والأممية والتي سمّت كنيستها كنيسة العرب واعتبرت وجودها في هذه المنطقة وجوداً كنسياً لاهوتياً قبل ان يكون وجودا سياسياً..) »يشكلون النصف الثاني من البلد بالمعنى السياسي«.. (هذا الكلام يعود بنا الى ثنائية لبنان السياسية: مسلم/مسيحي، وهي ثنائية لم تعد قائمة فعلاً، لقد فرّعها »الطائف« والممارسة الى تعددية مذاهب.. والكاتب نفسه تجاوزها في كلامه على موارنة وسنّة وشيعة ودروز!..) »هم قضية العيش المشترك أصلاً«.. (لقد بات وجودهم في بعض المناطق وجوداً رمزياً وأجيالهم الطالعة لا تعرف تلك المناطق سوى أيام الآحاد او الأعياد، هذا اذا اصطحبهم الأهل اليها، هجرتهم تزداد وإحساسهم بقضية العيش المشترك يكاد يخبو، فكيف يكونون قضيته وإحساسهم به هو هذا؟! لعل كلمة أصلاً الواردة هنا تشير بوضوح إلى أن المسألة باتت نظرية..) »وهم هدف النظام السياسي«.. هنا نسأل: أمن أجلهم وضع هذا النظام ليكونوا هم هدفه؟! مَن يقرأ هذا الكلام يتساءل: الى أي نظام سياسي يشير الكاتب؟ فإذا كان يشير الى النظام السياسي السابق على التعديلات الدستورية والإصلاحات السياسية (دستور ال 26 ونظام ال43) يوافقه الرأي، فالنظام السابق من وضع الانتداب والكل يعلم ما خصّ به الموارنة ذاك الانتداب. أما إذا كان يعني النظام السياسي القائم فالقارئ يحسب أن الموارنة حققوا أهدافهم من تسوية »الطائف« بتركيز نظام سياسي يحمي وجودهم ومصالحهم (كلمة »هم« في مطلع كلامه لا تعني هنا سوى الوجود والمصالح) وهذا ما يلزمه المزيد من التدقيق.. »وهم اللون التعددي الأساس وهم النكهة الديموقراطية وهم شحنة الحرية الأساس..« (هذه لفتة كريمة من كاتب كريم.. أما بعيداً عن أدبيات التعامل والمخاطبة فنسأل: كيف يمكن أن يترجم ذلك ترجمة سياسية؟.. هذه هي مشكلة بعض الموارنة مع فلسفة التعدد الحضاري والثقافي وربما الاتني في هذا البلد.. هذه هي مشكلة هذا البعض مع الديموقراطية والحرية في هذا البلد.. وحلول هذا البعض لهذه المشاكل تختلف عما يريد التعبير عنه الكاتب في عمق نظرته الى الموارنة.. فالتعددية قادت هذا البعض الى »الفدرلة« والديموقراطية قادته الى ديموقراطية الطوائف والجماعات، الى التوافقية وادارة التنوع، والحرية قادته الى المطالبة بحماية الهويات الخاصة!.. أبهذا المعنى يبقى الموارنة اللون التعددي الأساس والنكهة الديموقراطية وشحنة الحرية في هذا البلد؟! ألم يأت على لسان كبير الموارنة كلام يقول: إذا ما خُيّرنا بين الوحدة والحرية اخترنا الحرية؟! »بين وجود الموارنة وجغرافية لبنان علاقة عضوية وبين هذه الجغرافيا والمشروع السياسي علاقة عضوية ايضاً«.. ان مقولة الكاتب مبنية على الانتشار الماروني فوق جغرافية لبنان بكاملها، هذا صحيح ولو كان هذا الانتشار يشهد يوماً بعد آخر انحسارات حادة.. معظم الموارنة كيانيون متشبثون بالكيان اللبناني الجغرافي وهذا ايضاً من الناحية النظرية أمر صحيح، ولكن التجربة أثبتت ان مشروعهم السياسي بخلاف ما يذهب اليه الكاتب لم يكن دائما على علاقة عضوية بمجمل الكيان او كل الارض.. اساس هذا المشروع هو الحرية.. يتقلص بتقلص القدرة على حمايتها فوق رقعة جغرافية معينة سواء أكانت كل الوطن او قسما منه لذلك قيل: الحرية هي حدود »الوطن الماروني«.. الحرية تتقدّم على الكيان الجغرافي او الارض في الوجدان الماروني.. فالعلاقة بين مشروع هؤلاء السياسي وبين الجغرافيا اللبنانية لم تكن دائماً عضوية (مصداق ما نذهب اليه مقولة كفرشيما/ جسر المدفون وأمن المجتمع المسيحي فوق كل اعتبار والطرح الفيدرالي وخرائط التقسيم التي رسمت في دوائر الغرب وتبنّاها قسم من الموارنة فضلاً عن محاولات إنشاء دولة مارونية على غرار الدولة العبرية ظهرت في العديد من المراسلات بين زعماء موارنة من رجال دين وسياسة ومسؤولين إسرائيليين في خمسينيات القرن الماضي).. 5 الموارنة والحل المقنع: »لم يجد الموارنة بعد حلاً مقنعاً لمشكلة النظام الطائفي القائم على معادلة العدد«.. ما قد لا يكون مقنعاً للكاتب قد يكون مقنعاً لسواه والعكس صحيح. مَن هي المرجعية التي لها الحكم الفيصل في أن هذا الامر مقنع أم لا؟! .. وجرياً على حصره الموارنة بقيادتين، سمير جعجع وميشال عون، نقول إن الاول وافق على »الطائف« الذي ينص على كيفية تجاوز النظام الطائفي القائم على معادلة العدد حيث ورد: »عند انتخاب أول مجلس نيابي خارج القيد الطائفي« والذي ينص صراحة في باب الإصلاحات على آلية محددة لإلغاء الطائفية السياسية.. فمن حيث المبدأ إن سمير جعجع وافق على قيام مجلس نيابي خارج القيد الطائفي وعلى إلغاء الطائفية السياسية.. قد يقال إن هذه الموافقة جاءت من باب المناورة السياسية للتخلص من خصمه آنذاك العماد ميشال عون. وهذا بدوره اجتهاد سياسي يدخل في باب الاحتمال والحكم على النوايا.. أما العماد ميشال عون فهو صاحب مشروع متقدم في ايجاد »حل مقنع« لمشكلة النظام الطائفي القائم على معادلة العدد.. وعماد هذا المشروع، كما يريده الكاتب نفسه، العلمنة الشاملة لإنقاذ النظام من لا عدالته.. من هنا وجوب البحث عن حل علماني لمشكلة النظام الطائفي القائم على معادلة العدد في مكان آخر.. مع العلم إن المشاريع السياسية التي تطرح من قبل هذا الجانب أو ذاك وفي هذه المرحلة أو تلك مشروطة بموازين القوى والمعادلات الاقليمية المؤثرة فيها وهي مشروطة تالياً بالأنظمة السياسية السائدة في المنطقة أو بالمشاريع المطروحة فيها.. وعليه، إن مشاريع الحلول للنظام الطائفي في لبنان متبدلة بتبدّل تلك الموازين وتلك المعادلات وتلك الأنظمة وتلك المشاريع.. (*) نائب رئيس المنتدى القومي العربي

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة